نهضتنا نتاج الإرادة والرؤية والمسئولية

بالكفاح

بقلم: صالح عوض

 لكي نعيش أحرارا ونحقق سيادة أوطاننا لابد من النهضة في شتى المجالات، وبالتأكيد لن يتركنا الشمال نسير نحو النهضة بسلام؟ فما هي أسلحته؟ وكيف نحصن مشاريعنا؟ ومن أين نبدأ؟ ما الذي يتحكم في ترتيب أولوياتنا في مواجهة الأمراض الداخلية والمؤامرات الخارجية؟ لا نهضة بلا وحدة فكيف نترجم علاقة النهضة بالوحدة الى البرنامج؟

 للإجابة على هذه الأسئلة الوجودية تقدمت أطروحات عديدة لاستئناف الأمة دورتها الحضارية، وقدم كثير من الرواد رؤاهم التي تفاعلت مع قطاعات مهمة من الأجيال في مشرق العرب ومغربهم ولقد كان  لصيحة السيد جمال الدين الأفغاني دوي كبير في أوساط النخب، وظل الأمر في حدود إثارة الهمم والروح المعنوية والتنبيه للأخطار المباشرة من الاستعمار.. 

وتفرد مالك بن نبي بقيادة عملية معقدة عميقة لتفكيك المواجهة بيننا والغرب الاستعماري وأصبحنا إزاء منظومة فكرية جديدة فما طرح مصطلح شروط النهضة والقابلية للاستعمار والدهان الفكري والانفصام الحضاري وعالم الأفكار والأشياء والأشخاص إلا ذكر مالك بن نبي المفكر الفيلسوف الثائر والذي تميز بقدرة فائقة على تحديد المصطلح بل واختراعه، ورسم معالم الفكرة، وتحديد مجالها الحيوي فكان بلا شك معلما من معالم ثقافتنا العربية الإسلامية المعاصرة.. وعلى الصعيد العملي عشنا في وطننا العربي محاولات نهضة في مصر والعراق والجزائر فماذا تبقى منها؟ انحرفت في مصر ودمرت في العراق وتعطلت في الجزائر.. فهل حدث هذا لقصور في أطروحاتنا الفكرية وتصوراتنا؟ أم في بنائنا المؤسساتي وغياب منظومة قيمية تحميه؟

 

 بناء النظرية: 

صرخ السيد جمال الدين الأفغاني في الأمة بدعوته من أجل نهضتها وتحررها من الاستعمار والتخلف والعجز واللامبالاة… كانت محاولة فدائية في واقع تيبَّست فيه المعاني والأفهام، ورغم جهوده الجبارة لم يتمكن صوته من الوصول إلا إلى جزء بسيط من المتعلمين في أقطار العرب والإسلام.. لكن يمكن تسجيل صرخته كشرارة الانطلاق نحو ميلاد تيار جديد في الأمة.

 

لقد كان مالك بني أهم مفكر حضاري في الأمة على مدار القرن العشرين.. وذلك لتكوينه العلمي والثقافي الخاص فهو لم يكن فقط فيلسوفا أو مؤرخا او محللا سياسيا او اجتماعيا أو مصلحا او داعية لفكرة ما.. ولم يكن فقط مثقفا ثقافة عصرية ومطلا على الحضارة الغربية وادابها وفنونها وفلسفتها بدقة وإتقان..انه كان ذلك كله ودفعة واحدة فيما كان يحاول تقديم أطروحته حول شروط الحضارة والنهضة لامته العربية والإسلامية. انه أفاد بلا شك من سابقين ولاحقين في مناقشة الحضارات والعمران ولعل تونبي وابن خلدون أكثر الشخصيات التي كان لإنتاجهما الفكري اثر في الأسئلة التي طرحها.. الا انه تميز عنهما بانه مفكر ثوري ملتزم.

 

كشف مالك بن نبي التسريبات الرديئة التي تسللت الى العقل العربي وربط بدقة العلاقة بين الاستعمار ومشروعه وبين ما استقر في العقل والوجدان العربي والإسلامي كمعاملين حققا في تفاعلهما الحالة الاستعمارية. وتأمل آليات البنيان الحضاري العربي الإسلامي الأول القائم على المؤاخاة، وتجاوز كل الروابط المضرة والمميتة، ومن ثم تدبر كيف حصل الشرخ في مسيرة الأمة عندما انشطر وجدانها بين البعد الروحي والبعد المادي كما حصل في صفين.. وصولا الى سقوط القدس وفلسطين حيث رأي الأستاذ مالك ان فلسطين الفاحص لجملة وعينا ومشاريعنا وهي بهذا الاعتبار تسير بحيوية في كل قضايانا ومن هنا أولاها تركيزا خاصا وأحيانا تفصيليا فيما كان يطرح قضية نهضة الأمة.. وهكذا راوحت أفكارنا مساحة الانتقال من الأفغاني الى مالك بن نبي و على ضفة أخرى طرحت أفكار اشتراكية بتعديلات حسب البلد لبناء اقتصاد مستقل عن التبعية لدول الشمال.

 

مشاريع النهضة:

على الجانب العملي في محاولات النهضة المعاصرة في امتنا في أكثر من مكان خلال القرن العشرين محاولات من القمة وأخرى في القاعدة.. محاولات تبنتها مجاميع علمية او شخصيات فكرية وثقافية مرموقة او محاولات تبنتها أنظمة حكم ومؤسسات رسمية… ورغم ما انتهت إليه من فشل مرحلي إلا أنها أسهمت في نقل العقل العربي والإسلامي الى مراحل متقدمة من الوعي.. وان تدبرها يعني في الحقيقة تدبر عملية النهضة وشروطها.

 

ويمكن الحسم بأن العملية الحضارية تعرضت الى انتكاسات عديدة لأسباب ذاتية وموضوعية وهذا يجب أن يقودنا إلى الكلام الواضح بان هذا الوضع المادي يقابله على المستوى النظري نقص أو خلل أو فقدان للرؤية الرشيدة وعدم ترتيب أولويات أو إغفال لعناصر واحتمالات ضرورية.

 

وباختصار شديد يمكن الإشارة إلى ثلاث محاولات نهضوية في الوطن العربي تجربة عبدالناصر وتجربة صدام حسين وتجربة هواري بومدين.. والتجارب الثلاثة اقتربت من بعضها في الرؤية والعمل فجميعها انبعث من قناعات اقتصادية اجتماعية تسترشد بالتفسير الاشتراكي أي القطاع العام واعتمد الثلاثة على التأسيس لبنية صناعية والاهتمام بالقطاعات الزراعية والتعليمية والصحية على نطاق واسع.. وحققت المحاولات الثلاث تقدما معتبرا في المجالات المشار إليها، إلا أنها واجهت تحديات مختلفة أحيانا، ومتشابهة أحيانا أخرى لكنها جميعا تشترك في أنها خصم حقيقي لإرادة المستعمرين وهي   تحديات خارجية مباشرة او داخلية بدفع خارجي إقليمي ودولي.. فلقد انسحبت المحاولة الناصرية مع نكبة 1967 وتكسرت المحاولة العراقية مع الاحتلال الأمريكي للعراق 2003 وتعطلت التجربة الجزائرية على مع ولوج السنوات السوداء العشر الأخيرة من القرن العشرين.. بمعنى ان إفشال التجارب الثلاث  اقتضى من الاستعماريين وأدواتهم التدخل بقوة عسكرية غاشمة.. بالتأكيد لكل محاولة ظروفها وملابساتها وما يمكن الأخذ والرفض منه وعليه، والإنصاف يقضي بان ندرس المحاولات كل واحدة على حدة لنكتشف من أين جاء الخلل وكيفية تجاوزه في محاولات قادمة.

 

ومن الأهمية الإشارة إلى محاولات النهضة في إيران وتركيا الجارين الملاصقين للعرب والمؤثرين فيهم والمتأثرين بهم.. وان كان الوقت مبكرا للحكم على التجربة التركية والتجربة الإيرانية إلا أننا نستطيع الإشارة الى انجازات كبيرة حققتها كل محاولة من المحاولتين ولكن حجم التحديات التي تقف أمام كل تجربة تدعو الى ضرورة المراجعات المستمرة والكشف العميق عن دواع الوهن لتجنبها، والبحث عن عناصر القوة والتزامها.. والمسألة هنا تحتاج ورشات عمل فكري كبيرة من الضروري ان يحدث الالتفات إليها وبالسرعة القصوى لان العدو الحضاري يحاول إغراق كل تجربة منهما في واقعات من نوع خاص.

 

المحاولات النظرية:

على مدار العقود السابقة توالت صيحات النهضة ومحاولات المجددين من علماء الدين ودعاة الإصلاح ، ولقد لامست في أحيان كثيرة جوهر الأزمة لكنها تلاشت في مواجهة الواقع بتحدياته، 

التقط الثعالبي صيحة الأفغاني وعبده فكان في المغرب العربي مجددا كبيرا قاد عملية التنوير ليعقبه الطاهر بن عاشور المجدد الفذ.. إلا أن الاستجابة الحقيقية لصيحة الأفغاني ودعوة عبده في المغرب العربي تجلت في حركة الإمام ابن باديس، ولعل جهود ابن باديس كانت هي الترجمان العملي الأوسع لأفكار الأفغاني وعبده؛ فلقد حوَّل ابن باديس الأفكار النظرية إلى تيار سياسي اجتماعي نهضوي متميز، فكانت النهضة في حالة ابن باديس ملتزمة بمنهج وخطة وتتحرك من مرحلة الى أخرى تعالج الأفهام والسلوك وتضبط إيقاع الحياة بروح جديدة ومنطق يليق بمستقبل كريم.. إلا أن المشروع التجديدي الباديسي اقفل روايته مع انطلاق الثورة التحريرية في الجزائر وراوح بين التعاطي بالشأن السياسي الضاغط والحيوي وبين مستلزمات خطة مشروع النهضة الاشمل والأوسع.  

وكانت في مصر محاولة رائدة في كيفية الإجابة على أسئلة النهضة؛ اذ تم السعى إلى تشكيل نواة مجتمع بقيم حيوية ومفاهيم منتجة لعلها تستطيع فيما بعد تحريك المجتمع نحو التقدم على اكثر من مستوى فتنهض الأمة بنهضة مصر.. وجعل أساس ذلك كله مفهوم الأخوّة والتآخي على قيم الإسلام بعيدا عن كل تصنيفات التقسيم والتجزئة للقيام بنشر أخلاق الفضيلة وحب العمل والحفاظ على معالم الدين.. إلا ان المحاولة الكبيرة لم تكن محصنة بخبرة سياسية كافية الأمر الذي أسقطها في وهدات سياسية وبلا وعي استراتيجي لطبيعة الصراع الدائر -ولجوهره ولأطرافه- فتعرضت لعمليات تشويه واختراق وإرباك أخرجتها عن نسقها الذي سارت عليه سنواتها الأولى في مواجهة الجهل والتخلف والعصابات الصهيونية والاستعمار الإنجليزي وانتهت بها الى حزب كبير لكنه منهمك باستحقاقات الحزب اكثر من انهماكه بمجموعة القيم والمفاهيم والروح التي انبعث منها ولها..  

 

بن نبي وابن خلدون

لقد أفاد مالك بن نبي من ابن خلدون في آلية تحليل الظواهر وفهم السنن والقوانين التي تتحكم في نهوض مجتمع وفي انهيار آخر.. ولكنه لم يتوقف عند حدود نظريات ابن خلدون الذي يبدو عليه الاستسلام لِما اطمأن إليه من حتميات الانهيار وكأنه كان يعزي نفسه على ضياع ممالك العرب والمسلمين في شرق الأرض وغربها.. لقد قام ابن خلدون بجهد جبار في تفسير الظواهر وتلمُّس سبيل النواميس في صعود الأمم وانهيارها، ولكنه في كل ذلك كان يبدو قدريا أكثر منه ثائرا فاعلا في مجرى الأحداث، ورغم كل ذلك فلقد كان رائدا في تخصصه الذي أصبح علما مثيرا فيما بعد، ويرجع الفضل لابن خلدون في نهضة علم الاجتماع والنظريات التي انبثقت عنه فيما بعد.

اما الأستاذ مالك رحمه الله، وهو بلا شك متفحص ذكي لهذا العلم ولأستاذه ابن خلدون، فلم يكتف بمعرفة الأسباب والنواميس التي تتحكم في نهضة شعب وسقوط آخر.. بل بحث بدقة عن عناصر النهضة المعاصرة في مجتمعنا العربي وبحث بتمعن عن ظروف ميلاد النهضة وأخذ على عاتقه الإشارة إلى ضرورة الانبعاث الحضاري من جديد منطلقا من فكرة الإنسان والدين وتفاعلها لإنشاء مناخ القيم والأفكار والسلوك الحضاري.. فكان مالك بن نبي مفكرا ثوريا مستندا إلى فهم الواقع ومزودا بآليات تثويره من خلال عملية مركَّبة فمرة هو يشن حملة على الأفكار المميتة وتمثلاتها في واقع محبِط معطل، ومرة هو يظهر قيمة الفكرة الحية المُحيية وتمثلاتها في تشكل خاص ينطلق نحو فعل حضاري يحدث من خلال تراكم الكمَّ المطلوب لإحداث تفاعل ينتقل بالمجموع من حال إلى ما هو أرقى..

بالتأكيد لم يبق المجتمع العربي او الجزائري او الإسلامي على ما كان عليه أيام مالك بن نبي ولم تعد إشعاعات النهضة الحضارية هي تلك التي كانت في زمانه فلقد تغيرت شروط واستبدلت أقوام وتقدمت أساليب وتراجعت أخرى.. ولقد تغيرت مراكز الحضارة الغربية من مكان إلى آخر وتبدلت أدواتها وتحدياتها وطبيعة الاشتباك معها كما انسحبت كثير من الأفهام في ساحتنا فيما يخص الخيارات الاجتماعية والاقتصادية التي كانت رائجة في تلك المرحلة.. 

 

أسئلة جديدة:

    هناك أسئلة أصبحت أكثر إلحاحا من ذي قبل، فمثلا هل لا زالت فكرة ميلاد مجتمع التي طرحها الأستاذ مالك هي الأساس لتحركنا نحو نهضة؟ ام انه بالإمكان إجراء عملية فكرية على مستوى القمة السياسية والفكرية من خلال التحسيس بالمخاطر من جهة معينة يتم بموجبها تشكيل أفق لحركة شرائح المجتمع عمليا في اتجاه تحصيل عناصر النهضة؟ 

السؤال الآخر: ما هي مساحة شروط النهضة في منظومة الأفكار التي يجب ان تشغِّل النخب المثقفة والمفكِّرة؟ بمعنى أكثر تبسيطا: هل يمكن للمنجزات المادية في بلداننا ان تُرسي معطيات جديدة تساعد على إنشاء مناخ لتولد أفكار النهضة؟

 

يبقى ان نشير إلى أن منظومة شروط النهضة التي طرحها الأستاذ مالك منظومة فكرية نخبوية تحتاج إطارا سياسيا على مستوى الأمة والمنطقة العربية يحميها و يجعل التكامل والتساند بين أقطار العرب شرطا أساسيا للنهضة، فلا نهضة بدون حمايتها ولا حماية لها الا بالتكامل بين الأقطار العربية او مجموعة منها، وكل محاولة نهضة في قطر من أقطار العرب والإسلام لن يُكتب لها الاستمرار والنجاح إن بقيت محصورة في قُطر معين، ثم لابد من التركيز بقوة على قيمة وأهمية حسابات السياسة في العلاقات الدولية فأي فكرة لا يمكن ان تكون مفيدة لأنها صحيحة ولها صلاحية فقط بل لابد من أن تكون متناسِبة بين الفكرة الأساس في نهضة الشعب والأمة من جهة ومعطيات الواقع الدولي ومخاطره.. والله غالب على أمره.

 

 

 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك