نماذج من الإستراتيجية الإستعمارية في مواجهة الثورة التحريرية بالولاية الأولى

المناطق المحرمة والمحتشدات

بقلم الدكتور معمر ناصر جامعة تبسة. 

 

أمام عجز السلطات الإستعمارية على إخماد لهيب الثورة المسلحة لجأت إلى إتخاذ إجراءات وحشية إستهدفت الثورة بإبعاد الحاضنة الشعبية عنها من خلال عمليات تهجير السكان وإرغامهم على التخلي عن ممتلكاتهم عن طريق إتباع سياسة إنشاء المحتشدات والمناطق المحرمة.

 

1- المناطق المحرمة:

 

إنتشر إستعمال مصطلح المنطقة المحرمة من طرف جيوش العالم لتحديد الأماكن التي لا يجوز للمدنيين دخولها أو عبورها في إطار تقييد الحريات الفردية والجماعية، ومن ثمة مراقبة تحركات الشعب المُحتل جيداً، كانت بدايات هذه السياسة في الجزائر مبكرا، حيث تم إنشائها بالأوراس منذ 12 نوفمبر 1954م وإمتدت إلى الشمال القسنطيني ثم منطقة القبائل في ربيع 1955م، ومنها إلى الغرب الجزائري في خريف 1955م، ومنطقة الوسط في صيف 1955م، والصحراء في الخريف من نفس السنة، وكان المبدأ المُطبق فيها هو إطلاق النار على كل من يتحرك أو يتجول فيها، وحسب الوثائق العسكرية الفرنسية بأنها حيّز جغرافي يمنع فيه التجوال، الإقامة، التوقف بالنسبة للأشخاص أو العربات أو الحيوانات بأية صفة كانت ليلا ونهارا.

كما تُعرّف المنطقة المحرمة بأنها: “منطقة لا يُسمح لأي وجود فيها وأن إطلاق النار فيها يكون فوريا، ويسمح فيها بإستخدام جميع الوسائل النارية الجوية والأرضية على أي مجموعة من الأفراد وكل الأفراد المعزولين وجميع المناطق المشتبه فيها”، وقد قدر المؤرخ “أندري جوليان” عددها بحوالي 936 منطقة، بينما قدرها” ميشال كورناتون” بـ2300 منطقة.

وقد أنشئت المناطق المحرمة بطريقتين، الأولى غير ممنهجة ويشرع فيها أثناء القيام بالعمليات العسكرية، فبعد الإنتهاء من العملية العسكرية يصدر مرسوم يقضي بأن المنطقة التي شهدت مواجهات مع أفراد جيش التحرير الوطني أصبحت محرمة، أما الثانية فتقوم على تحضير عملية المنطقة المحرمة على مستوى قيادة الأركان بعد دراسة المناطق الساخنة، فيحدد الإقليم المعني بعد وضع رسم تخطيطي له وبعدها يحذر سكان هذا الإقليم وتحدد لهم مهلة لإخلائه، حينئذ يشرع في تدمير قرى ومداشر هذا الإقليم بالمدافع والطائرات، حيث يصف الطيار الفرنسي “بيير كلوسترمان” في شهادة أمام البرلمان الفرنسي في 13 ماي 1958م فيقول:” أنشأنا مناطق محرمة غير آهلة بالسكان لكي لا يجد الفلاحون مأوى لهم في القرى أثناء ترحيلهم، وحتى لا يتمكن أبناء القرى الصغيرة من مساعدة بعضهم فقد إضطررنا للقيام بعملية تطهير جوي ضد قرى هذه المناطق”.

وقد أجبر السكان الذين يعيشون بالقرب من الجبال والغابات ومعاقل الثورة المشهورة أن يغادروا مداشرهم وقراهم، فهناك من ساعفهم الحظ فَمُنحت لهم أيام لإخلاء مناطقهم أو في بعض الأحيان ساعات من الزمن فقط، أما في الحالات الأخرى فلم ينذر السكان حتى، وإنما تحاصر القرية مباشرة فينقل السكان على متن الشاحنات العسكرية نحو أقرب المراكز، وكل من يوجد بعد عملية الإخلاء يعتبر متمردًا، وبالتالي يكون عرضة لقصف الطيران والمدفعية، ويعبر أحد الجنرالات الفرنسيين عن هذا الإجراء بقوله:” إن التحرك في هذه المناطق أصبح أمرا سهلا طالما أنّ من يتحرك داخلها كان شريرا”، كما يذكر الجندي الفرنسي “كلود جوان” في كتابه “جنود جلادون”: “إن تطبيق الأوامر العسكرية في المناطق المحرمة لم يكن يحتمل أدنى تأويل، نظرا لإفتراض كون تلك المناطق أوكاراً للثوار، فكل مسكن كان يُهدم بكيفية منتظمة أثناء العمليات المكررة التي تقودها قوات المشاة العسكرية مُدعمة بالقصف من الطائرات المزودة بقنابل النابالم، بالإضافة إلى إستخدام المدفعية الثقيلة… لقد سَبَقَ أن قُلتُ لقد عِشتُ عمليات الأرض المحروقة أثناء شتاء (1957-1958م)”.

 

ما جرى في الأوراس

 

وقد شهدت منطقة الأوراس إجراءات ترحيل السكان وخلق المناطق المحرمة التي بدأت في 12 نوفمبر 1954م، حيث نُشر أمر إخلاء دواوير إشمول، كيميل، وادي طاقة، ثم غسيرة وزلاطو التابعيين للبلدية المختلطة آريس، وأيضا دوار يابوس من البلدية المختلطة لخنشلة في جريدة (La Dépeche de constantine) في عددها الصادر في 20 نوفمبر 1954م، وحدد لهم موعد 21 نوفمبر على الساعة 18:00 كآخر أجل لإخلاء مساكنهم، وحينما سئل الحاكم العام “ليونارد” من قبل الصحفيين على هذه المدة القصيرة للغاية، رد على ذلك بقوله: أن أمر الإخلاء لم يكن له مهلة مطلقة، وإنما هي مجرد مهلة شكلية من الزمن، وفي الواقع بدأت عملية النقل في 26 نوفمبر 1954م، لكن الصحف الصادرة يوم 27 نوفمبر 1954م صرّحت أن “نصف سكان دواوير الأوراس الشمالية غادروا مكان إقامتهم قسراً”.

أما بالنسبة للبلدية المختلطة خنشلة، كان سكان دواوير يابوس، الولجة (مشتة براجة) طامزة، شيليا، ملاقو، تاوزينت هم أول من أجبروا على مغادرة مساكنهم بداية من شهر جانفي 1955م.

واصل الجيش الفرنسي تهجير سكان المناطق التي صعب عليه السيطرة عليها، إذ أن مختلف السلطات العسكرية والمدنية خلال إجتماعاتها توصلت إلى أن تأثير جبهة التحرير الوطني على سكان دواوير الأوراس لا يزال متواصلا لذا أقرت مواصلة إجراء المزيد من عمليات التهجير الجديدة، ففي الجنوب وبالضبط في منطقة خنقة سيدي ناجي تم إجلاء مشتتي طابو أحمد والولجة نحو هضاب المصارة في نهاية ماي 1955م، وأعلنت غابة بني ملول منطقة محرمة من الحافة الشرقية إلى المصارة مما تسبب في طرد 1640 نسمة، بالإضافة إلى ذلك فقد تم تجميع أكثر من 800 شخصا قرب لمدينة، وتم حشر 633 شخصا حول مخيم بوحمامة، ثم مشاتي عين ماضي، مقرة وتبريان للنزوح نحو خنقة سيدي الناجي.

 

إتساع رقعة المناطق المحرمة والتضييق

 

ومع بداية سنة 1957م إتسعت رقعة المناطق المحرمة والتضييق على حركة السكان ورصد التحركات المشبوهة، حيث قامت بتوسيع النطاق الجغرافي للمناطق الحرام على طول الحدود الشرقية للولاية الأولى الأوراس على النحو التالي: القرار رقم 74 مكرر والصادر عن الناحية العسكرية العاشرة (القيادة العليا)، المكتب الخامس الصادر بتاريخ 09 ماي 1958م بتوقيع من الجنرال “فانكوسيم”، والقاضي بأن إقليم قطاع تبسة على طول الحدود التونسية منطقة حرام، وحدودها من الشرق تونس ومن الشمال 04 كم شرق الكويف النقطة 992-1062، ومن الغرب خط سكة الحديد ومن الجنوب النقطة 1036 الطريق المعبدة إلى الرحيلان، ويمتد هذا الخط إلى غاية الطريق الوطني رقم 10 إلى غاية النقطة 1043 وصولا إلى خنقة التنوكلة والحواف الشرقية للسد المكهرب على إمتداد طريق بئر العاتر وصولا إلى نقرين أين ينتهي الخط المكهرب، ومن أجل فرض النظام والأمن العموميين فإن الجنرال “ديلاك” قائد منطقة الشرق القسنطيني وبناءاً على القرار رقم 58/1233 الصادر بتاريخ 16 ديسمبر 1958م والمتعلق بالإجراءات الإستثنائية وفرض النظام والأمن قد قرر تعديل تسمية المناطق المحرمة بمناطق المراقبة العسكرية المشددة، وتغيير التسمية لا يغير قوانين تسيير المناطق المحرمة، فمنطقة حدود تبسة على الحدود التونسية تمتد شمالا من بكارية إلى نهاية خط موريس على مشارف الصحراء نقرين، وبذلك فإن هذه الإجراءات تأتي مكملة لسياسة التطويق التي باشرتها سلطات الإحتلال بإغلاقها للحدود الشرقية بخط موريس بهدف عزل الشعب عن الثورة ووقف خطوط الإمداد بإنشاء منطقة محرمة التي يبلغ طولها حوالي 400 كم وعرضها ما بين 05 إلى 30 كم على طول الحدود الشرقية، ولقد تم إجبار السكان على النزوح في المناطق الداخلية أو في المحتشدات أو في مخيمات اللاجئين بتونس، حيث تم إجلاء كل سكان هذه المنطقة الذين قدرتهم إحصاءات السلطات الفرنسية بسبعين ألف شخص، غير أن يحي بوعزيز رجح أن يكون العدد إلى أكثر من ثلاثمائة ألف نسمة.

 

توسيع المناطق المحرمة بالولاية الأولى

 

وقد توالى صدور القرارات الفرنسية المتعلقة بتوسيع المناطق المحرمة بالولاية الأولى بما في ذلك القرار المؤرخ في 16 جوان 1957م أشرف على تطبيقه ضباط المصالح الإدارية الخاصة (S.A.S) ببوحمامة حيث تم ترحيل سكان دوار الولجة بما في ذلك مشاتي بني ملول، براجة، لمصارة، عين سامر، بوحمامة، قلعة التراب، خيران، وادي العرب، وملاقو، وقدر السكان الذين تم ترحيلهم بـــ2233 شخصا إلى مخيم بوحمامة، ويختتم القرار الفرنسي بتوصية ضرورة إتخاذ عقوبات فورية ضد سكان براجة وبني ملول، وتكون هذه في شكل غرامات جماعية أي الإقتطاع من الماشية والمحاصيل الزراعية، وفي التوصية النهائية إقترح نقيب المصالح الإدارية المتخصصة لبوحمامة بتجميع دوار الولجة بأكمله وهذه المرة في ملاقو، حيث أن السكان رفضوا هذا القرار ولكنهم في الأخير رضخوا إلى أمر السلطات الفرنسية، وخصوصا أن أمر الإخلاء تزامن مع العمليات العسكرية الكبرى في مناطق الأوراس.

وقد أُبيح للجيش الفرنسي في المناطق المحرمة إطلاق النار على أي شيء يتحرك، وفي هذا الخصوص أصدرت القيادة العسكرية العديد من الأوامر التنظيمية لوحداتها المختلفة، كالآتي:

  • الهجوم الفوري على المنازل التي تحمل آثار واضحة لتنقل دائم أو مؤقت (أضواء، حركة، الخ…).
  • الطيران لديه إذن استخدام المنطقة المحرمة كمنطقة تدريب على القصف، أو حقل رماية الصواريخ الموجهة، أو كمنطقة لذرف القنابل.
  • قبل الشروع في أي عملية داخل المناطق المحرمة يجب إبلاغ الفرع المشترك على الشبكة العامة للدعم الجوي قبل ذلك بـ36 ساعة الفترة المحددة لإبلاغ جميع القواعد الجوية لحظر إطلاق النار المؤقت على المنطقة المحظورة.
  • في حال القيام بعملية مطاردة أو غارة مفاجئة يجب طلب ترخيص من الفرع المشترك على الفور لتحديد فوج من الطائرات لتغطية القوات البرية، ومنع أي تدخل من قبل طائرات غير معنية بالعملية.
  • يجب على وحدات المدفعية توجيه تقرير فوري للفرع المشترك في حال تم إطلاق نار مباغت داخل المنطقة المحرمة على هدف معين.

 

المناطق المحرمة والتهجيز القصري

 

لقد كان للإجراءات الفرنسية المتعلقة بإنشاء المناطق المحرمة والتهجيز القصري للسكان آثار كارثية على مناطق الولاية الأولى، ففي نهاية سنة 1958م بدأ بناء السد الشائك الثاني “شال” الرامي إلى وقف نشاط التمرد، لكن الأثر الكبير لم يكن على جنود جيش التحرير بل كان على السكان بأكثر قسوة بذريعة أن المتمردين والفلاحين غالبا ما يختلطون، فقد كان الجميع في نظرنا كما يقول الرائد “فلورونتان” مشبوهين وما يريح أكثر في تعذيبهم وقتلهم، وكنا نكتب مساءاً في نشرة الإستعلامات اليومية أنهم كانوا يحملون قنبلة يدوية إلا أنه لا أحد يأتي ليتأكد!، ويقول أيضا: “يحظر على الطائرات الهبوط في المطارات ومعها بعض الذخيرة خاصة القذائف على الأجنحة، إذا لم يتمكن الطيارون من إلقاء ذخيرتهم، فهل ثمّة ما هو عملي أكثر من منطقة محرمة عند نهاية المهمة؟ بل إن القوات الجوية ليست مسؤولة عن الضحايا الأبرياء الذين يتم قصفهم في المناطق المحرمة حسب المبدأ القائل “كل ما يتحرك فهو فلاقة”.

 

تدمير للقرى والمداشر

 

وقد تزامن مع عملية ترحيل السكان حملات تدمير للقرى والمداشر في جميع ربوع الأوراس خاصة بالمنطقة الممتدة على طول الحدود الجزائرية التونسية، حيث شنّ الجيش الفرنسي في شهر فيفري 1958م عملية تدمير وإخلاء شاملة لسكان مناطق الحدود الشرقية، إذ تلقت القوات الفرنسية أوامر لطرد السكان من بيوتهم، وقامت بإحراق قرى ومشاتي بأكملها، وفي هذا نورد شهادة لأحد سكان منطقة وادي إسماعيل والزريقة “عبد المومن إبراهيم بن محمد” الذي يقول: “كنا نقطن دوار وادي إسماعيل والزريقة الذي يبعد عن بئرالعاتر ب15 كم (خط موريس)، وتتكون المشتة من عشرات البيوت المتناثرة على طول الحدود، نمتهن الرعي ونزرع القمح والشعير، وكان عدد من أبناء الدوار في صفوف جيش التحرير الوطني والبعض منا يشتغل في خطوط الإمداد بسريّة، ولذلك كانت هذه المشتة تتلقى كل صنوف الإضطهاد من تفتيش وتوقيف ونهب للأرزاق، مع ربيع 1958م تزايدت الإعتداءات الفرنسية على سكان المشتة بدعوى تسرب مجاهدين محملين بالأسلحة قادمين من تونس، فتم إلقاء القبض على حوالي 10 أشخاص من هذه المشتة وشخصين من مشتة القليتة القريبة منها، وتم إقتيادهم إلى مركز (S.A.S) بئر العاتر، أين تم تعذيبهم وإيداعهم السجن، وفي نفس الأثناء كانت المنطقة قد تم إخلائها وإحراق كثير من بيوتها ونهب مواشيها وأرزاقها، وقد تم إعلام سكان الدوار بمغادرة المنطقة في أقرب الآجال، وبعد يومين بالضبط جاءت القوات الفرنسية ونفذت وعيدها بأن أتلفت ما تبقى من بيوت، بينما فرّ الشيوخ والنساء والأطفال إلى مغارات بالجبال ونزحوا إلى بئر العاتر وإلى الرديف وأم العرايس بتونس”.

كما تورد جريدة المجاهد شهادة لأحد سكان الماء الأبيض “محمد الصغير” حيث يقول: “مع بداية شهر مارس 1958م قدِم الجنود الفرنسيون مع فرقة للقومية إلى الدوار بأعداد كبيرة، وكنا قد سمعنا قبل ذلك بأنهم أحرقوا عدة دواوير وقرى، وقد طُلب منا إخلاء البيوت فوراً بدعوى أن هذه المنطقة أصبحت محرمة، فسألناهم: أين نذهب؟ فقالوا: يجب أن لا تبقوا هنا، فقلت لأحد الحركى: ماذا نفعل في أرزاقنا وديارنا؟ فأجابني بضربة على فمي فوقعت على الأرض وإلتفت حولي ثلاثة جنود آخرين يركنوني بأرجلهم، فحاول إبني المداني وعمره عشرة أعوام أن يحميني فقتلوه بالرصاص”.

 

تهجير سكان المناطق الحدودية

 

كان لتهجير سكان المناطق الحدودية بهدف تسهيل مراقبتها وقطع الأمل على المجاهدين في الإستفادة من الإعانة الشعبية عند إجتيازهم للحدود، فيُجبر المجاهدون بذلك للدخول إلى منطقة جهنمية خالية من السكان مملوءة بالألغام وتحت رقابة مشددة من القوات المسلحة البرية والجوية، ورغم كل هذه الجهود التي طبقتها الإدارة الاستعمارية بإنشاء المناطق المحرمة بهدف فصل الشعب عن الثورة إلا أن النتائج المرجوة من هذه العمليات جاءت مخيبة للآمال، فلم تفلح تلك الإجراءات في كبح نشاط جيش التحرير الوطني والشعب الجزائري، بل بالعكس فقد إستطاعت الثورة أن تواصل نشاطاتها وتحقق النصر.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك