نضال الفنادق في زمن الثورة الرقمية

الجزائر الرقمية

بقلم: الوليد فرج

 

بعد اجتماع فندق الأوراسي ، هذا الفندق الفخم الذي لا يعرفه المواطن البسيط إلا من خلال رسمه على ظهر الورقة النقدية 200 دج ، إختارت تلك المجموعة التي التأم شملها في قاعته ، اسم قوى الإصلاح ، ليأتي بعده اجتماع من اختاروا لأنفسهم إسم جماعة المسار الجديد ، بفندق السان جورج ، الذي لا نسمع به  إلا في نشرات الأخبار ، حين اجتماعات مصانع الفساد السياسي السابق ، و منه يسهل الوقوف على دِلالة المكانين قبل دلالة الزمانين  لهذه المبادرات و اللقاءات ، فمن الصعب على من ألف طريقا و استأنس بمكان أن يفارقه ، فالمتأمل في مسار القطيع في ذهابه و أوبته من المرعى يجد أن حوافره رسمت طريقا واحدا الفته بالغريزة ، فغالبا ما نلاحظ الحمائد مخططة بمسار القطعان.   

إن هذه الإجتماعات لا سيما الاجتماع الأخير يشي بالعجز السياسي، و القراءة الخاطئة لوسائل تحقيق أهداف الإرادة الشعبية ، فما عشناه من احتشاد و مظاهرات ، كان الشعب يشد لها الرحال ، إلى العاصمة ، لم تكن مقتصرة على يوم الجمعة ، الظاهر للعيان في العالم الإجتماعي ، بل النواة الحقيقية لهذا الحراك الشعبي العارم ، كانت تتشكل في العالم الرقمي و في فضاءات السيبران ، من خلال التداول الرقمي الأفقي الذي لعبت منظماته الافتراضية و تجمعاته الرقمية دورا حاسما في الحشد الجمعة العظيمة ، إن هذه الحقيقة التي تعتبر ثورة جديدة تجاوزت الوسائل التقليدية للنضال ، استطاع من خلالها مجموعات الشباب خلق معاني جديد و مفاهيم مستحدثة لا تعترف بالتقليدي البالي الذي فشل في مساراته و نضالاته ، مما سمح بتهجينه طورا أو تعطيل نضاله طورا آخر .  

إن الملاحظ في المجتمعين اليوم  في الفنادق الفخمة، يقف على اعتمادهم على نفس الطرق و يبثون نفس الخطاب البالي الذي يُماهي المنتجات المنهجية  للعقل السياسي للنظام السابق ، الذي يفتقر إلى المنزع العقلاني المبني على أسس الحجاج  النقدي ، مع انعدام تحديث أدوات التواصل ، التي صارت ترتكز بشكل أساسي و رئيسي على التكنولوجيات الرقمية، كطريقة للتفاعل و التواصل مع الآخرين ، حيث صارت هي الميدان الحقيقي لإنتاج المعلومة و استهلاكها ، ومما عزز هذه الطريقة ابتكارها لفرص جديدة تم توسيعها و تعزيزها والمتمثلة في المشاركة بشكل مباشر في حركة المجتمع وفي العملية الديمقراطية بشكل أوسع و حر ، دون انتظار إفرازات لقاءات الفنادق الفخمة .

إن العالم الرقمي اليوم يقدم الكثير من الوسائل و الأدوات التي أثبتت نجاعتها و دورها الحاسم ، إبان الحراك الشعبي ، ومنها المنصات الرقمية والمدونات، ومنصات العرائض، و التصويت الإلكتروني و المنتديات ، التي شكلت طرق حديثة لصناعة نقاش سياسي حقيقي ، ساهم في فيه الأفراد بكل أطيافهم ، نحو الدفع إلى تغيير العالم الحقيقي ، حيث نقف على استبطان القدرة العالية للتكنولوجيات الرقمية ، في إنعاش و بعث العملية الديمقراطية برمتها التي تغذي قدرتها من إرادة المواطن بطريقة مباشرة ، مما يجلعها عملية صلبة مبنية بطريقة مباشرة من خلال العلاقة القوية للمواطن بالمواطن  الآخر وعلاقته بالدولة ، معززة بالتمثيل الواسع .  

إن تلك النداءات التي ملأ صداها ، الفضاءات العامة من ساحات عمومية و شوارع و أزقة والتي لهجت بها ألسن وحناجر المتظاهرين ، صنعت في بيئة رقمية ، من خلال الاتصالات عبر الانترنت التي تتسم بالتدفق و السيولة في تبادل الرؤى و نشر المعلومة ، إن هذا التداول الرقمي الأفقي الذي أثبت نجاعته يمكن استثمار واستعماله عموديا ، في صناعة السياسيات العامة ، من خلال استغلال المنصات الرقمية ، لما توفره من قنوات جديدة، في التواصل  مباشرة مع المسؤولين و اجهزة و مؤسسات الدولة لاسيما في بناء المناهج و  المؤسسات الجديدة التي يؤسس عليها الانتقال الديمقراطي ، بمشاركة عريضة لجمهور الناخبين .  

إن عملية حشد العالم الاجتماعي ، من خلال التكنولوجيات الرقمية و العالم السيبراني ، أوصلنا إلى ولوج مجتمع جديد يخترق القيود الجغرافية ، و الحدود والحواجز القانونية الوهمية ، فلقد أثبتت الاتصالات الرقمية على قدرة كبيرة على الدعم ، و مرونة و نشاط و نجاعة في المجتمع المدني ، زادتها المجهولية (عدم الكشف عن الهوية) ، التي يرتكز عليها في غالب الأحيان مجتمع الانترنت ، الكثير من التحرر في النشاطات الافتراضية ، المنتهية في الغالب إلى أنشطة مادية واقعية .  

نجحت التكنولوجيات الرقمية في صناعة و إحداث تغييرات إيجابية في الفضاء العمومي و المجال العام ، ليس بذاتها بل من خلال استعمالاتنا لها ، و تبقى تستمد قوة و طبيعة تأثيرها من استغلالنا لها .

يبقى ما يختمر و يتداول داخل العالم الرقمي ، بين النشطاء حول موضوع ما ، خلال ساعة واحدة فقط من التدفق ، لا يضاهيه نشاط سياسي داخل جميع فنادق الوطن بكل تصنيفاتها و نجومها ، و لا أشك أن أولئك الشباب المجتمعين في سان جورج يجهلون هذا ، لكن طبع حب الظهور و الوصول تبقى من الغرائز الطاغية التي يجب ترشيدها ، في زمن التحول الديمقراطي.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك