نرافع لدستور توافقي يؤسس لدولة ديمقراطية

أستاذة الحقوق بجامعة البويرة الدكتورة "لوني نصيرة " للوسط

* لا مجال للتراخي في مبدأ الحريات العامة


في هذا اللقاء ترافع أستاذة القانون بجامعة البويرة الدكتورة “لوني نصيرة”    من أجل دستور توافقي ذو توجه مستقبلي يؤسس لدولة ديمقراطية و حديثة جديدة، ترتكز على مبادئ المواطنة و المساواة وسيادة القانون، كذلك لأجل دستور يحمي و يعزز و يصون حقوق الإنسان و حرياته الأساسية في المستقبل.
فالتعديل الدستوري الذي تسعى إليه الجزائر اليوم يجب أن يشهد حسب ضيفتنا التكريس و الرقي بالحقوق و الحريات في  إطار احترام الدستور و القوانين المعمول بها في هذا المجال
وعلى هذا الاساس فإنه بموجب التعديل الدستوري، يعمل هذا التعديل جاهدا ليجسد أكبر قدر ممكن من الحقوق و الحريات العامة، و ذلك على اعتبار أن الديمقراطية في الدول الحديثة أصبحت تقاس بمدى توفير الجو الملائم لممارسة الحق      و  الحريات.

حاورها:أحسن مرزوق


*  بداية ما تعليقكم حول مقترح إدراج حكم بإلزام السلطات و الهيئات العمومية باحترام الأحكام العامة الدستورية ذات  الصلة بالحقوق الأساسية و الحريات العامة ؟

حقيقة كباحثين في إطار حقوق الإنسان، نعتبر هذا المقترح مفتاح للدخول إلى بوابة الحقوق و الحريات فهو شيء ايجابي، مقبول نؤيده، بحيث ينبغي أن يتم توفيق الحقوق الواردة بها مع اتفاقيات حقوق الانسان التي صادقت عليها الجزائر  كالاعلان العالمي لحقوق الانسان و ميثاق الامم المتحدة، من اجل تجنب مخالفة التزاماتها الدولية. وتجدر الإشارة إلى أنه لا تتحقق حماية حقوق الإنسان و تعزيزها بفعالية من خلال إدراج شرعة حقوق الإنسان في  الدستور فحسب، بل ينبغي صياغة كل قاعدة من قواعد الدستور بعناية شديدة و بمنتهى الوضوح حتى نصل إلى تعديل  حقيقي  يرضي السلطة و يرضي حقوق الأفراد معا.
مثلا: أثناء توقيف متهم يجب أن يعلم بالتهمة المنسوبة إليه، و كذلك أسباب توقيفه قبل المباشرة في التحقيق، بمعنى من  حق المتهم الإحاطة بالتهمة المنسوبة إليه و لازم يفهمها لأن حق الإحاطة بالتهمة يستلزم حق الفهم فإذا كان هناك عائق  يحول دون فهم المتهم بالإمكان الاستعانة بمترجم هذا مكرس في قانون الإجراءات الجزائية الجزائري.

* ما تقييمكم بالنسبة لمبدأ النص على تقييد الحقوق الأساسية و الحريات العامة إلا بموجب قانون و لأسباب مرتبطة  بحفظ النظام العام أو حماية حقوق و حريات أخرى يكرسها الدستور؟

هذا وارد في النقطة الثانية  في مسودة التعديل بالمحور الأول، نظرتنا طبعا مقبولة جدا، لماذا؟ لأن مسألة تقييد الحقوق  الأساسية و الحريات تكون بموجب نص قانوني، و يكون ذلك في حالات استثنائية ابسط مثال ما يحدث حاليا في زمن  كورونا، حيث تم فرض الحجر الصحي بصفة كلية بالجزائر و البليدة وحجر جزئي في ولايات  أخرى و ذلك للحد من  تفشي فيروس كورونا، حفاظا على صحة المواطنين، و من جهة اخرى فهي تقييد لحرية التنقل، هذا الأمر مرتبط بحفظ  النظام العام و حماية الأفراد في صحتهم، حيث أصدرت الحكومة الجزائرية مراسيم عديدة تتضمن تدابير الوقاية للحد من انتشار وباء فيروس كورونا (كوفيد 19) و مكافحته، من اجل الحفاظ على سلامة و صحة المواطنين.

 

 

  • ماذا عن دسترة مبدأ الأمن القانوني ؟

 


بخصوص الأمن القانوني يشكل احد الركائز الأساسية للدول، بمعنى يعد أحد أهم الأسس التي تقوم عليها بناء الدولة  الجديدة و عليه الأمن القانوني يعني ضرورة التزام السلطات العامة بتحقيق الثبات للعلاقات القانونية و كذا الاستقرار  للمراكز القانونية بهدف إشاعة كل من الأمن و الطمئنينة بين كافة أطراف العلاقات القانونية على عدة مستويات.
ونشير كذلك إلى أن الأمن أو الاستقرار القانوني لها علاقة بالنجاح الاقتصادي، فاي نشاط بيئي أهمها على سبيل المثال  النشاط الاقتصادي كونه نشاط ممتد من الزمن وجوهر الاقتصاد هو التعامل مع المستقبل و يشكل الأمن القانوني مبدأ من مبادئ دولة القانون التي من سماتها الأساسية سيادة حكم القانون و الفصل مابين السلطات و استقلالية القضاء، وضمان  حماية ناجعة للحقوق و الحريات الاساسية للأفراد و الجماعات.

 


  • انطباعكم حول الجزئية  المتمثلة في حماية المرأة من كل أشكال العنف؟

 


في المجتمع الجزائري هناك عنف ممارس ضد المرأة وهي ظاهرة شاملة مست جميع النساء باختلاف اعمارهن و ثقافتهن و اوضاعهن الاقتصادية و الاجتماعية، و أخذت أشكالا عديدة و بالخصوص العنف النفسي و العنف الجسدي، فهي آفة  مشوهة جسديا، نفسيا، إذ تبين  من خلال معظم الدراسات بان الزوج هو الشخص المعتدي في اغلب الحالات و معظم الاعتداءات وقعت في فضاء  الأسرة الجزائرية.
لقد أكد رئيس الجمهورية بتجديد التزامه بالعمل على تمكين المرأة الجزائرية و تحسين وضعها و تعزيز حقوقها و حمايتها من كل أشكال العنف و دعمها و مرافقتها، .

  • تضمنت المسودة  حماية المعتقد أو حماية ممارسة العبادات دون تمييز ؟

 


تجدر الإشارة إلى أن حق المعتقد هو حق محمي بموجب الاتفاقيات و الإعلانات الدولية، فلكل إنسان الحق أن يدين بدين  ما وله الحرية في اعتناق دين أو معتقد يختاره، وحريته في إظهار معتقده بالتعبد و الممارسة و التعلم دون أي إكراه في  الجزائر حماية حرية المعتقد و حرية الرأي مضمونة بما لا يتعارض مع نص المادة الثانية من دستور 2016 التي تنص أن الإسلام دين الدولة.
فبالنسبة لحماية ممارسة العبادات دون تمييز في الدول الإسلامية مضمونة و مكفولة في الكتاب و السنة، و لكن فيه شروط يضعها الحاكم المسلم اذ يحدد أماكن ممارسة العبادة دون الإخلال بالنظام الإسلامي.
أي حماية اماكن العبادة و حيادها بما لا يتعارض مع احكام الشريعة الاسلامية.
أما بخصوص كلمة دون تمييز ربما المقصود منها بين الملل الأخرى في حماية ممارسة العبادات و الشعائر الدينية مثل  النصارى و اليهود .

 

 

إقرار مبدأ التصريح لإنشاء الجمعيات و عدم حلها إلا بقرار قضائي من أي زاوية تقرأون الأمر ؟

 


من أجل الاحاطة بالموضوع وهو إقرار مبدأ التصريح لإنشاء الجمعيات و تشجيعها، يتطلب الامر منا إعطاء تعريف  جامع للجمعيات و أنها  إطار للتعاون بين الأشخاص لتحقيق أهداف معينة و مشروعة، لا يندرج في إطارها جني الأرباح، و تخضع للقواعد العامة للالتزامات و العقود.
فالمجتمع المدني بالجزائر، خاصة في زمن كورونا تبين عملها في الميدان كقيام الشباب بالتضامن و العمل الجمعوي  لتوعية الناس شيء جميل في خدمة البلاد، ففي جائحة كورونا أظهرت دور الشباب ووعيهم ووجودهم في الميدان على  ارض الواقع، حيث تم تأسيس 1300 جمعية محلية بالبلديات في هاته الفترة الصحية مع توعية الناس بالإجراءات      و  التدابير الاحترازية للحد من انتشار فيروس كورونا كارتداء الكمامات و احترام التباعد الاجتماعي.
بالنسبة لحل الجمعية بقرار قضائي، وجب الإشارة إلى أن العمل الجمعوي أي عمل جمعية أيا كانت يتحكم فيها عاملان  العامل القانوني الإجرائي، التصريح، الجانب الإداري و المال، المعاملات و الشراكات، العامل الميداني التقني أي  سيروة النشاطات، المشاريع و البرامج على أرض الواقع.
في اعتقادي إذا كان التوجه نحو حل الجمعيات إلا بقرار قضائي ففي هذه الحالة وجب على القاضي أن يكون ملما بكل  الإشكالات التي تخص حالة الجمعيات في الجزائر لأنها تواجه عراقيل كثيرة.

  • أخيرا ما هي النقائص التي تسجلونها في محور الحقوق و الحريات ؟ .


أهم ما يمكن تسجيله من نقائص هو إدراج ما يعتبر كقوانين أساسية و تفصيلات و استثناءات ضمن الدستور، لأن روح  الدستور تقوم على طرح محددات عامة توافقية وضابطة ثم يأتي دور القوانين الأساسية و الخاصة للتفصيل و التي تستمد شرعيتها من القانون الأساسي وهو الدستور.
فمفاهيم الحرية، المواطنة، الديمقراطية، حقوق الانسان، والحكومة تدخل ضمن المفاهيم الوظيفية في أدبيات الفكر  الأساسي المعاصر، حيث لا تحتاج إلى إعادة تعريف و شرح و تفضيل في الدستور.
المشكل ليس في كتابة الدستور، و انما في مدى تحقيق النقلة و النهضة المأمولة و المنتظرة لبلادنا، وهذه ليست مرتبطة  بالنصوص بل بالإرادة الحرة الفاعلة و الإرادة كذلك في النفوس.
 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك