نحو عودة التحالف الرئاسي

الأفلان والأرندي مدعوان لتنشيطه

بقلم: احسن خلاص

 

أثار الاجتماعان اللذان عقدهما حزب جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي أواخر الشهر الماضي تساؤلات عديدة كما غذيا مخاوف جديدة تضاف إلى المخاوف التي كانت الصيغة التي نزلت بها مسودة التعديلات الدستورية قد أرستها حول سعي السلطة إلى تطبيع الحياة السياسية مغتنمة الهدنة التي فرضها انتشار فيروس كورونا على الحراك.

 

وإن كان عقد الاجتماعات التنظيمية للأحزاب من السنن الدورية المرتبطة بقوانينها الداخلية إلا أن تزامن مؤتمر التجمع الوطني الديمقراطي واجتماع اللجنة المركزية لحزب جبهة التحرير الوطني في أواخر ماي في ظل تسهيلات من الإدارة لم تكن تتمتع بها تشكيلات سياسية أخرى ما كان ليمر دون أن يثير الانتباه لاسيما وأن الانشغال الأساسي لحزبي النظام هذه المرة هو تجديد قيادتيهما بعد انتهاء عهدة القيادات السابقة وتحسبا للمرحلة المقبلة التي ستشهد استحقاقات هامة على رأسها تزكية التعديلات الدستورية والانتخابات البرلمانية.

لكن من أين أتت كل هذه المخاوف من عودة حزبي السلطة إلى الواجهة وقد تمكن الحراك الشعبي من معاقبتهما بتهمة مسايرة نظام بوتفليقة المقبور وانتزعت منهما رئاسة الغرفة الأولى في البرلمان ولم تعد لهما مشاركة تذكر في التشكيلة الحكومية التي أعقبت الانتخابات الرئاسية التي توجت رئيسا لم يترشح باسمهما بالرغم من انتمائه لحزب جبهة التحرير الوطني.

الواقع أن الأفلان والأرندي فضلا البقاء لأكثر من سنة تحت الأضواء الخافتة أو لنقل في حالة ترقب حذر بالنظر إلى التغيرات السريعة والانقلابية التي شهدتها الساحة السياسية جراء إعصار الحراك الشعبي. فالهزة التي عرفها الحزبان مل تكن هينة ولم تكن لتمر دون أن تحدث آثارا نفسية وسياسية وهيكلية شبيهة إلى حد ما بالآثار التي خلفتها أحداث أكتوبر 1988 على حزب جبهة التحرير الوطني واضطرته للتعايش السياسي مع أحزاب جديدة ناشئة بعدما كان الحزب الواحد المهيمن على السلطة. ومما زاد من تردي وضع الحزبين أنهما جنيا الخيبة من خياراتهما خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة بعد انهزام مرشحهما عز الدين ميهوبي وإعلان الرئيس تبون أنه كان مرشح المجتمع المدني ولا فضل لأي حزب في وصوله إلى سدة الرئاسة.

وقد انعكس هذا الموقف على تدخلات نواب حزب جبهة التحرير الوطني خلال مناقشة مخطط حكومة عبد العزيز جراد حيث استنكروا غياب الأفلان عن التشكيلة الحكومية وانهالوا على وثيقة جراد بوابل من الانتقادات إلى حد كان ينتظر منه رفض البرنامج الحكومي وإسقاط حكومة جراد إلا أن الأمر انتهى بتزكيته وفق ما جرت العادة بعدما تلقى النواب تطمينات بأن حل المجلس ليس أولوية في أجندة الرئيس الجديد، ولم تكن تدخلات نواب الأفلان أثناء مناقشة مشروع قانون المالية التكميلي مهادنة للحكومة مثل تدخلات نواب الأرندي إلا أن قيادات الحزبين فضلتا التعامل بشكل توافقي مع مقترحات الرئيس تبون لتعديل الدستور في إشارة إلى الرئيس الجديد إلى استعداد الحزبين للعب الدور التقليدي الذي دأبا عليه منذ عقود.

هذه التحولات التي تحدث في عز أزمة وباء كورونا غذت مخاوف لدى الأحزاب الأخرى من تحول الأفلان والأرندي من دور المترقب إلى دور نشط في طريق تشكيل تحالف رئاسي جديد لدعم الرئيس تبون الذي سيحتاج إلى أغلبية رئاسية وبرلمانية جديدة لاسيما وأن ما هو مقترح في التعديلات الدستورية هو الإبقاء على النظام الرئاسوي تماما كما كان في عهد الرئيس السابق. ولن يجد تبون في هذه الحالة أحسن من حزبين لهما خبرة طويلة في مسايرة خيارات السلطة دون قيد أو شرط ولهما امتدادات في الإدارات المركزية والمحلية وهما حزب جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي لكن بثوب جديد يلائم المرحلة الجديدة وينسي ذلك العهد من الولاء لبوتفليقة مقابل التمكن من امتيازات ومنافذ للفساد والنهب.

ويلاحظ من خلال القيادة الجديدة التي انبثقت عن اجتماع اللجنة المركزية للأفلان، وإن كانت مؤقتة، عودة تيار الأمين العام الأسبق المستقيل من الحزب عمار سعداني فالأمين العام الجديد أبو الفضل بعجي كان ضمن المكتب السياسي الذي اختاره سعداني بعد المؤتمر العاشر ولا يختلف عنه في ولائه لسعداني منافسه المفترض، جمال بن حمودة، الذي زحزح عن السباق بذريعة إصابته بفيروس كورونا، هذا التيار كان معروفا بتوافقه مع رئيس الأركان الراحل قايد صالح قبل أن يزاح عن المشهد ليترك المكان لهيمنة المحيط الرئاسي على الحزب، وعودة هذا التيار إلى الواجهة اعتبر من المؤشرات على أن الأفلان هذه المرة مكلف بمهمة تنشيط ديناميكية تحالف رئاسي جديد استعدادا للاستحقاقات القادمة وهو ما سيضع مسار الإصلاح السياسي الذي باشره الرئيس تبون على المحك ويرهن الوعود بإصدار قانون انتخابات يضمن شفافية ونزاهة الاقتراع.

أما المؤتمر الاستثنائي للتجمع الوطني الديمقراطي فقد اختار طريق المناوئين لنهج الأمين العام السابق للحزب احمد أويحيى بتزكية الطيب زيتوني وتدل دعوة هذا الأخير لتشكيل جبهة وطنية للتصدي للتهديدات التي تتعرض لها الجزائر وإعلان استعداده لنهج سياسة توافقية مسؤولة على أن القيادة الجديدة للأرندي لن تتوانى في دعم أي خيار يتجه نحو إحياء تقليد التحالف الرئاسي السائد في عهد بوتفليقة، تحالف قد تضاف إليه أحزاب أخرى مثل حزب جيل جديد الذي بدأ يبدى مواقف مساندة للتوجهات الجديدة للسلطة.

 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك