مواقف السياسيين من الثورة

بين المصاليين والمركزيين والبيان والعلماء

بقلم الدكتور محمد قدور المركز الجامعي مرسلي عبد اللهتيبازة

بعد أن أعلنت الثورة عن نفسها سواء من خلال بيان أول نوفمبر، أو من خلال العمليات العسكرية عبر مختلف مناطق الوطن حتى سارعت العديد قيادات الأحزاب الجزائرية إلى تسجيل مواقفهم و تفسيراتهم للأحداث بحسب سياساتهم و أيديولوجياتهم و بحسب تصورهم لمستقبل البلاد ، لكن الشيء المؤكد هو أن السريّة التي اعتمدتها الثورة في التحضير و الانطلاق أربكتهم  جميعا ، مما جعلت مواقفهم متناقضة ، فهي لم توفق في تفسيرها لهذه الثورة  والتبس عليها الأمر مما جعلها تتردد في دعم الثورة من عدمها .

فبماذ تميزت مواقف الجزائريين من أحزاب و جمعيات من الثورة؟

أموقف المصاليين :

في الوقت الذي بدأ فيه المصاليون يتأهبون للتحضير لعمل ثوري بناء على مقررات مؤتمر هورنو في جويلية 1953 ، تفاجئوا باندلاع الثورة التي أخلطت جميع حساباتهم لأنهم يعلمون أن الساحة سيستحوذ عليها من يبدأ الأول ، فحاول مصالي أن يسابق الزمن لاحتواء الساحة ، وعلى عكس التنظيمات الأخرى فإن المصاليين لم يتنكروا للثورة بل أرادوا قيادتها و هذا ما جاء في كتاب محمد حربي سنوات المخاض عندما ذكر أن عبد الله فيلالي قد بارك الثورة عند إندلاعها من القاهرة بعد اعلامه بها من طرف محمد خيضر ، كما أن مصالي تقدم بتاريخ 08 نوفمبر بخطاب إلى الفرنسيين يطلب منهم مد يد العون للجزائريين ، إضافة إلى هذا إقدام علي زعموم بتقديم مبلغ مالي يقدر بملونين فرنك الى كريم بلقاسم كدعم للثورة ، و يذهب الدكتور رابح بلعيد إلى أبعد من ذلك ، باتهامه لمؤسسي جبهة التحرير بسرقتهم للثورة من مصالي الذي كان على وشك إعلانها ، بدءا باختطاف العيشاوي كاتب بيان أول نوفمبر، و صولا إلى اقناع كريم بلقاسم الذي كان إلى غاية اللحظات الأخيرة مصاليا حتى النخاع بالانضمام إلى مغامرتهم الخطيرة سواء نجحت أم خسرت ، إضافة إلى مساعي أحمد مزغنة و عبد الله فيلالي و الشاذلي المكي الرامية إلى اقناع الرئيس المصري جمال عبد الناصر في شرح الاعمال التي كان مصالي الحاج يبذلها في سبيل الإعلان عن الثورة ،  لكن الأمور بدأت تتغير بداية من شهر ديسمبر و توجه المصاليون إلى تشكيل حركتهم التي ستسعى لقيادة ثورة بعيدا عن الاتحاد مع جبهة التحرير. ويذهب انصار الحركة المصالية إلى أن زعيمي الثورة في الأوراس و القبائل كانا مصاليين رغم ان إيف كوريار ينقل معلومة بأن بن بولعيد قال لكريم بلقاسم و أوعمرانبأنهم ليسوا مع مصالي أو لحول و لكننا نشهد في الجزائر و سكيكدة و عنابة مناضلين يتواجهون بالمطارقلقداتصلتبكملأعرضعليكمخطةتجمعكلالذينيريدونالاستقلال،واذاكانانريدالخروجمنهذهالصراعاتالعميقةفلابدمنإنشاءقوةثالثة

و في الرسالة التي وجهها زعيم الحركة الوطنية السيد مصالي الحاج إلى رئيس الوزراء السوري بتاريخ 10 مارس 1957 يظهر لنا و كأن جبهة التحرير لم تدم إلّا يوما واحدا فقط  أيانهاوُلدتوماتتفييومواحدفقط،وبعدهااخذالمصاليونزمامالمبادرة

و بعد أن تأكد المصاليون بأن جبهة التحرير ماضية في طريقها بمفردها بعيدا عن أي وصاية تاريخية ، حاولوا اللحاق بالثورة و أن لا يتركوا لأنصار القوة الثالثةكما سماهم مصالي في مؤتمر هورنوشرف قيادة الثورة التي طالما حلم بها أب الحركة الوطنية ، فسارعوا إلى تشكيل الحركة الوطنية الجزائرية  ، و كانت أولى ردّات الفعل هي إذاعة اخبار مفادها ان الثورة التي انطلقت خاصة في الاوراس و القبائل هي من صنع جناح المصالي و قائده العسكري بلونيس ، رغم ان بلونيس لم يظهر في المنطقة الثالثة إلا سنة 1955و يذكر حربي ان عدد جنوده قد بلغ 600 ، و قد حصلت مواجهات عنيفة بين جيش التحرير الوطني بقيادة كريم بلقاسم و جيش الحركة الوطنية بقيادة بلونيس .

ويُذكرانحروباومعاركشرسةقددارترحاهابينالمصاليينوالمركزيينسماهاالمؤرخونبالحربداخلالحرب،كانتأثيرهاكبيراعلىمسارالثورة .و يعتبر محمد حربي في كتابه الأسطورة و الواقع ان الصراع الحقيقي بدا عندما اكتشف المحامي الموكل من قبل مصالي الحاج للدفاع عن السيد تربوش أو طربوش بأن هذا الأخير قد اعترف للشرطة الفرنسية اثناء الاستنطاق بأنه قرّر إعدام مصالي الحاج للتمكن من إنهاء الأزمة التي بدأت 1953.

موقف المركزيين :

تميزت مواقف المركزيين بكونها كانت فردية فامحمد يزيد و حسين لحول انظما إلى الثورة مباشرة من القاهرة  بعدما توجها في الأصل في مهمة من اجل اقناع بن بلة و جماعته لتأجيلها  في الوقت الذي راوغ لحول بوضياف من خلال إعطائه أوامر ليزيد و دخلي و راجف بترك اللجنة الثورية للوحدة و العمل باعتبار ان بوضياف و جماعته يعملون على قيادة الشعب إلى المجزرة ، ثم تراجعه عن منحه أموالا لدعم الثورة تقدر ب 5 ملايين فرنك ، و اعتبر الباقي أن ما يحدث في الجزائرهي نارا أُشعلت في الجزائر لكن القدر موجود في القاهرة لذلك فإن الأكلة لن تجهز أبدا في إشارة إلى الاستقلال، في المقابل قام كل من بن يوسف بن خدة و احمد بودة و مصطفى فروخي  بتوجيه رسالة مفتوحة إلى وزير الداخلية فرانسوا ميتران يعتبرون فيهاأنه من الضروري و الأكيد اتباع سياسة تهدئة تقوم على وضع حد للقمع و وقف التبعات الجارية ، إضافة إلى إطلاق سراح المساجين السياسيين و سن عفو شامل و ان يتمتع كل الجزائريين بحقهم في ممارسة كل الحريات الديمقراطية التي يخولها الدستور الفرنسي هي الإجراءات الأولى التي يتعين اتخاذها ، هذا الموقف يضاف إليه موقف عبد الرحمن كيوان الذي يطلب من  المحقق مونتوي بأن التهدئة هي الحل ، من جهته قام السيد مصطفى شرشالي بلقاء مع جاك سوستال بتاريخ 28 مارس 1955 طلب فيه من الفرنسيين أن يضعوا ثقتهم في شخصه و في المخطط الذي يحمله من اجل وضع حد لهذا الأمر و الذي يهدف لتحقيق اندماج و مساواة في الحقوق و الواجبات بين مكونات المجتمع الجزائري .

موقف الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري:

لم يتحول رئيس الاتحاد فرحات عباس عن مبادئه كما لم يخف هذا التوجه في خطبه و مقالاته بعد اندلاع ثورة  أول نوفمبر فجاء في التقرير الذي كتبه إلى وزير الداخلية متيرانقانون الجمهورية غير قابل للتقسيم ،و أنه من غير المعقول منازعة المسلمين في  الاحتفاظ بقانون الأحوال الشخصية  الخاص بهم الذي هو جزء لا يتجزأ من اعتقادهم الديني …” كما أضاف في نفس التقريرإن أسباب هذه المأساة تعرفها الإدارة أفضل من أي كان ، و لكنها لا تستطيع أن تعترف بعجزها ، و لا تستطيع أن تقر بأخطائها .فبافتقارها إلى الشجاعة لم تعرف كيف تقاوم شهية أقلية طاغية من كبار ملاك الأراض التي لا تعرف الشبع ، و طول مائة عام  لم تدافع إلى على مصلحة المستوطنين..” ، و رغم ان فرحات عباس زعم انه كان يتوقع الثورة ، إلّا أنه تفاجئ بقيامها  ،أما بخصوص موقفه فحسب ما جاء في شهادته في كتابه تشريح حرب ص74 ” أنه و بدون تردد اتخذنا قرارا بأن نكون حاضرين في الكفاح بمساندة جبهة التحرير و الزام شباب الحزب بالالتحاق بالجبال، لكن هذا الموقف يتنافى مع ما كانت تنادي به جبهة التحرير الوطني بأن لا تفاهم مع فرنسا بدون استقلال كامل ، اذ نجد ان فرحات عباس يقترح على الفرنسيين اقامة فيدرالية جزائرية مستقلة داخليا و متحدة مع فرنسا ، فكما يقول الأستاذ العربي الزبيري بأن هذا الموقف كفيل بأن جعل من جبهة التحرير تحكم عليه بالإعدام لأنه مليء بالتناقضات.  و في محاولة لتعليل موقفه، يقول  فرحات عباس بأنه ذكّر جاك سوستال خلال لقائهما بتاريخ 02 افريل 1955 بأن هناك من المُعمّرين من يصُب الزيت على النار، لأنهم لن يقبلوا بأن يشاركهم المسلمون في ممتلكاتهم و في تسييرهم إدارتهم ، و اعتبر عباس أن كل الشعب الجزائري فلاقة لكن الأقل شجاعة هم من لم يلتحق بالجبال ، و ذلك في إشارة إلى ان التطرف الفرنسي طال كل الجزائريين بدون استثناء ، و لم يكتف حزب فرحات عباس بالرسائل بل شارك أعضاءه في النقاش الذي دعا إليه أميدي فورجي يوم 24 نوفمبر أين قدّم احمد فرانسيس مقترحا جاء فيه : ” باعتبار أن هناك احداثا خطيرة جدا قد أحزنت الجزائر و تسببت في عديد الضحايا الأبرياء ، و باعتبار أن هذه الأحداث قد تسببت في قمع عنيف تسبب بدوره في وقوع ضحايا آخرين أبرياء ، و باعتبار أن الأزمة التي حدثت إنما هي نتيجة لا يمكن تفاديها لسياسة متخلّفة عن زمانها ، ترفض أن تضع في حسبانها تطور وعي الشعب الجزائريو باعتبار ان تلك السياسة التي تتجاهل مبادئ الجمهورية و الديمقراطية حتى في شكلها البسيط ، و التي برهنت على عجزها عن حل المشاكل الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و الفكرية ، و باعتبار ان حلول القوة التي تأتي لإنقاذ التعسف لا يمكنها ان تحل أي مشكلة ،يتعين منذ اليوم إيجاد مستقبل حرية و سلام بطرق متقدمة و فرص عمل لكل أبناء الجزائر فإنه يتعين على الحكومة أن تعمل بسرعة على إصلاح المؤسسات بما يتماشى و تطلعات الشعب الجزائري و وعود الدستور الفرنسي  ، و يمكن ان نرى و بوضوح موقف الاتحاد من خلال مساواة الضحية بالجلاد عندما اعتبر ان أرواح الفرنسيين التي سقطت هي أرواح بريئة مثلها مثل أرواح الجزائريين رغم ان الكل يعلم ان الثورة لم تهاجم  باستثناء مقتل المعلم مونرو بالخطأالا من يحمل السلاح.

و رغم أن فرحات باس حاول ان يوضّح ان هذه المساهمات كانت للإيجاد حل أو لمعرفة وجهة نظر الفرنسيين لا اكثر ، إلاّ أن الوقائع يقول عكس هذا الكلام فالاتحاد الديمقراطي لم يعترف بالثورة على الأقل في بدايتها ، بدليل بقاء قيادته في اتصال قوي علني و سرّي مع الفرنسيين ، و هو بنفسه يقول هذا الكلام و بقي يطالب من فرنسا العودة إلى دستور 1947 ، ومن جهة أخرى يمكن أن نطرح سؤالا يُقرّبنا و فهمها الأحداث ، فلماذا حاول فرحات عباس كسر و إضعاف الجبهة بإقامة تحالف مع جمعية العلماء رغم أنه يعلم جيدا أن نداء أول نوفمبر رفض تواجد الأحزاب في الكفاح المسلح ؟ و لماذا شارك في الانتخابات التي نظمتها فرنسا و عارضتها جبهة التحرير؟  رغم أن زعيم UDMA  يقول بأنه دخل انتخابات 1955 بمباركة جبهة التحرير إلا أنه هذا الكلام يجانب الحقيقة ،لأن جبهة التحرير كانت قد عارضت كل أشكال التسوية و الحوار و الانتخابات مع فرنسا بدليل انها حكمت بالإعدام على بعض من أراد التقرب من فرنسا على حساب الثورة ، و في نفس شهادته هاته نجد تناقضا حيث يقول إنه و خلال حملته الانتخابية و عندما كان في زيارة إلى عين البيضاء ركب معه أحد أقارب عباس لغرور لحمايتهفيا ترى حمايته مِن مَن؟ و لماذا لم ينظم إلى الثورة الاّ في أفريل 1956؟  و يدعّم قولنا هذا بعض شهادات قيادة جبهة التحرير الوطني  مثل التي جاءت في مذكرات علي كافي بأن UDMA استمر على موقفه و مبادئ حزبه و هو التعلق بالشرعية و ادانة العنف و المناورة للحصول على تنازلات من فرنسا و كان مستعدا لقبول  قانون 1947.و نجد إشارة إلى هذا الكلام في كتاب فرحات عباس نفسه عندما ذكر أنه  كان في اجتماع رفقة أعضاء حزبه عندما سمعوا بخبر اندلاع الثورة حيث شعرنا بقلق و ارتياحفالقلق كان من المصير المجهول و الارتياح لأنه سيجعل من هذه الثورة وسيلة ضغط اكثر على الفرنسيين لتحقيق بعضا من مطالبه الاندماجية .

و غم أن فرحات قد كتب في كتابه تشريح حرب الذي صدر سنة 1980 أن اندلاع الثورة لم تفاجئه إلا أن الواقع يثبت عكس ذلك فمواقفه من الثورة كانت كلها عبارة عن سعيه للاستفادة من الأوضاع في سبيل تقوية طروحاته و انتزاع تنازلات ، فاذا كانت الأوضاع السياسية و الاجتماعية التي كان يعيشها الجزائريون قبيل اندلاع الثورة هي مؤشر كبير لفرحات عباس لحصول عمل غير عادي ، فإنه في المقابل كان يسعى للاستفادة من هذا العمل بانتزاعه تنازلات من فرنسا تخص مطالبه حيث كتب في 12 نوفمبر قائلاأن موقفه واضح لا يعتريه شبهة ، بو أنه مقتنع أن العنف لن يحل أي مشكلو هو نفس الكلام الذي نقلته جريدة الجمهورية لسان حال الاتحاد الديمقراطي في عددها السادس و الأربعون و التي جاء فيهابأنه على الفرنسيين و المسلمين ان يقتنعوا بأن تشتتهم أمر قاتل بالنسبة للبلاد بأكملها  و بهذا يكون الحزب و رئيسه فرحات عباس قد و ضعوا أنفسهم في محل رجل الإطفاء ، ففرنسا في حال التفاوض فهي لن تتفاوض مع خارجين عن القانون بل مع سياسيين محنكين يمرون في أسوء الأحوال عبر انتخابات ، أما ما قلناه في كون فرحات عباس لم تكن تتوفر لديه الصورة الكاملة بالنسبة للثورة و مجريها مما جعل موقفه ينحاز لفرنسا و ينبذ العنف فذلك يتجسد في التحاقه شخصيا بالثور في أفريل 1956  بعد ان فقد قاعدة عريضة من حزبه .

موقف الحزب الشيوعي الجزائري:

المعروف أن الحزب الشيوعي الجزائري كان مرتبطا ارتباطا عضويا بالحزب الشيوعي الفرنسي ، والمعروف كذلك أن هذه الحركة العالمية لها تفسير واحد للأحداث التاريخية و هو سيطرة المادة و تحريكها لدورة الحضارة ،و أن الصراع الطبقي هو أساس أي ثورة ، و بما أن الأحداث التي اندلعت ليلة الفاتح من نوفمبر لم تكن ضمن استراتيجية  الشيوعيين،لأنهالمتكنلافيإطارصراعطبقيولالأسبابماديةولمتتبنأهدافالأمميةالشيوعية،كماأنالحزبالشيوعيكانلغايةهذهاللحظةيُدافععنميلادأُمّةجديدةبمكوناتهاالفرنسيةوالمسلمةوالتيكانيعتبرهاأمةفيإطارالتكوينبغضالنظرعنأيعرقأولوناودين،وهوماصرّحبهالعربيبوهاليبأنحزبهليسفرنسياأوعربياولامسلماولاأوروبيولاشرقيولاغربي،لأنهببساطةحزبجزائري

هذه القراءة يمكن أن تعطينا صورة عن رد فعل الشيوعيين على أحداث الفاتح نوفمبر ،  ففي الثاني من نوفمبر أصدر المكتب السياسي للحزب الشيوعي بيانا يدين فيه جبهة التحرير الوطني ، و يطلب من مناضليه بأن الجبهة لا حظ لها و أن لا يساهموا في دفع أي من الاشتراكات لصالحها . كما طالب بتشكيل تجمع يكون مضادا لجبهة التحرير يتشكل من كل الجزائريين المناهضين للاستعمار. كما شارك الحزب الشيوعي في انتخابات أفريل 1955 ضاربا بتعليمات وتحذيرات الجبهة القاضية بعدم المشاركة في أي انتخابات تقوم بها فرنسا عرض الحائط  ، و من جهة أخرى أقدم  الحزب الشيوعي  على تشكيل جيش تحت مسمىالمحاربون من اجل الحريةو الهدف منه ليس محاربة فرنسا بل محاولة فرض الحزب كمفاوض مع جبهة التحرير لوضع برنامج ثوري مشترك ، إضافة  منع الجزائريين من الالتحاق بجيش التحرير الوطني 

موقف جمعية العلماء المسلمين الجزائريين

كانت جمعية العلماء المسلمين خلال هذه الفترة المهيمنة على الجانب الثقافي للشعب الجزائري ، كانت مواقفها السياسية  أقرب للاتحاد الديمقراطي منه إلى حزب الشعب الذي لم يكن  في نظر الجمعية سوى مجموعة من الغوغاء أو العامة رغم أنه يضّم في صفوفه أيضا بعضا من  المثقفين و النخبة ،و كان أكبر عائق يجعل الجمعية تبتعد عن حزب الشعب هو شخصية  زعيمه مصالي الحاج ، حيث يقول أحمد توفيق المدني في كتابه حياة كفاح  :” “كان زعيمه عاميا أو قريبا من العامية  و قد أراد ان يُغطي نقصه الثقافي برداء مادي بحت، فأطال شعره إلى أن تهدّل فوق كتفيه ، و أطال شعر لحيته إلى أن غطى الجزء الأعلى من صدره ، و وضع فوق كل ذلك طربوشا ضخما و كان مائلا إلى البدانة ، فكانت تلك الصورة المسرحية مع ترديد كلمات الاستقلال ، الحرية ،الفداء ، التضحية مستجلبة للأنظار ، متغلغلة إلى أعماق الدهماء . كان يأمر فيُطاع  و يقول فيُسمعفوصلت إلى نتيجة إلى أن هذا الشخص لا يصلح للقيادة و لا يستطيع إلاّ مع الدهماء ..” 

و عن رد فعل الجمعية من ثورة اول نوفمبر فقد جاء في جريدة البصائر عدد 302 لسنة 1955 بأن جبهة التحرير الوطني هي الوريث الشرعي لأنصار الحريات و الديمقراطية التي احتضنت دائما أشخاصا من مختلف المشارب و الأصناف  من مخبري بوليس ،رجال عصابات ، مجرمين قدامى ، انتهازيين …. ، و بالتالي فالتحالف معها قد يُهدد مصالح الجمعية ، و هنا نستذكر أحداث الثامن من ماي التي تسبب فيها حزب الشعب والتي اعتبرها الشيخ خير الدين بأنها جاءت بنتائج وخيمة على الجمعية بفضل التحالف غير المدروس مع حزب الشعب و كاد  يعصف بهم و بجمعيتهم و نشاطهم الذي دأبوا عليه من ثلاثينيات القرن العشرين  و الشيء المتناقض في كلام احمد توفيق المدني ان الذين فجّروا الثورة ليسوا المثقفين و النخبة من الذين كان يتمنى ان يقودوا حزب الشعبو قلت لأصحابي إن فكرة الحزب عالية رفيعة مقدّسة و ان دعوته صالحة مستقيمة ، لكن هذه الثمرة لا تؤتي أُكلها إلاّ إذا غيّرت قيادتها و وضعت على رأسها طائفة مستنيرة صالحة، أما الجمعية فقد كانت تجمع في صفوفها المثقفين و المتعلمين و العلماء الذين كانوا متفتحين جدا على الثقافة الأوروبية و إعجابهم بالحضارة الغربية و ما حققته من تقدّم ، كما لا ننسى  أن أبنائهم كانوا يدرسون في الكليات الفرنسية ، كانوا يُشيّدون بمبادئ حقوق الانسان و احترام الحريات الفردية ، كانوا من المتحمسين لمشروع بلومفيوليت سنة 1936، كما أيدوا سنة 1946 فكرة إقامة الجمهورية الجزائرية بالاشتراك مع الجمهورية الفرنسية  ، هذا إضافة إلى المستوى المعيشي الذي كان عليه أعضاء الجمعية باعتبارهم من الطبقة البرجوازية التي لن تتخل عنه و عن المكتسبات التي حققتها  بسهولة و بالتالي فموقفها يجب ان يُبنى بناء على  هذه المعطيات و المتغيرات ، فجاء في شهادة أمينها العام السيد أحمد توفيق المدني في كتابه حياة كفاح : ” أنهم تدارسوا موقف الجمعية من الثورة خاصة معهد ابن باديس و دار طلبته الفارهة و مدارس الجمعية التي ناهز عددها المائة و السبعين مدرسة تأوي قرابة الخمسين ألف تلميذ و يقف على تعليمهم ما يزيد عن السبعمئة معلمو بالتالي فموقف مؤيد للثورة سوف يجعل الحكومة الفرنسية تغتنم الفرصة و القضاء نهائيا على الجمعية …. ،و هذا يعني ان الجمعية كانت تنظر لمصلحتها الخاصة دون مصلحة الوطن عكس ما كان يرى الثوار الذين كما جاء في بيان اول نوفمبربأنهم يقدمون للوطن انفس ما يملكون، من جهته يؤكد الشيخ  خير الدين  موقف الجمعية هذا في جوابه على مبعوث جبهة التحرير حسين الميلي لمعرفة موقفهم من الثورة  مبعوث جبهة التحرير : “ان ما حدث ليلة اول نوفمبر ليسوا طرفا فيه ، و ان التحرك كان منفردا من طرف جبهة التحرير لذلك عليكم بدفع الثمن وحدكم  ، و قد وضعت الجمعية ثقتها في فرنسا من اجل حل المشكل و هو ما جملته جريدة البصائر بتاريخ 07 ديسمبر 1954 مؤكدة بأنالحكومة الفرنسية تستطيع معالجة الوضع في البلاد بتغيير الحالة الراهنة تغييرا جوهريا أساسيا على قاعدة ديمقراطية حرة ، وإعلان برنامجها اعلانا صريحا ، وإقدامها على تنفيذه ،مهما كانت معارضة رجال الرجعية الاستعمارية الذين لا يريدون الاّ الرجوع إلى الوراء و سلوك سياسة القسوة و الشدة و العنف ..” ،  يذكر المؤرخ أحمد نادر في رسالته التي اعدها حول الحركة الإصلاحية في الجزائر سنة 1968 في باريس و هو احد المقربين من الجمعية و مسانديها على حد قول المؤرخ محمد حربيأن الجمعية لم تنظم للثورة حال قيامها ، و لم يتم ذلك إلا بعد محاولات فاشلة و آمال مخيبة “. تمثلت هذه الآمال المخيبة في محاولة مسايرتهم للطرح الفرنسي و العمل على خلق قوة موازية لجبهة التحرير مثلما يذكر علي كافي في مذكراته ان الجمعية لم تصفق للثورة بل حاول بعض قادتها التحالف مع مصالي بغية تأسيس تجمع شعبي بمعية الاتحاد الديمقراطي و احمد مزغنة سنة 1955، كقوة موازية لجبهة التحرير ،و من مواقف قادة الجمعية المسايرة للطرح الفرنسي المعادية لطرح جبهة التحرير إقدام الشيخ خير الدين بإجراء عدة لقاءات مع جاك سوستال بصفة سرية مثل لقاء 28 مارس 1955 .

أماموقفالشيخالبشيرالإبراهيمي،هناكمنيقولانهكانمنأولالداعينإلىالثورةبلالمؤيدينلهاوأنهكتببيانابذلك،لكنوجدتفيالمراسلاتبينالداخلوالخارجرسالةمنعبانإلىخيضر  بتاريخ  08 أكتوبر1955، جاء فيها :” أما بخصوص الإبراهيمي سيلتحق بكم أو على الأقل سيتم تحييده ،أن جمعية العلماء التي لا ترفض شيئا من الوضعية هنا أرسلت إلى القاهرة الشيخ عباس من قسنطينة ليشرح الأمر للإبراهيمي و يطلب منه الالتحاق بالجبهة لأنهم يعلمون في الجمعية أن مصالي لا يمثل شيئا و لهذا فإنهم يسيرون معنا ، و قد أعلمونا بأن الإبراهيمي يخضع أو يستقيل

يبقى في الأخير أن هناك بعض المواقف من رجال الجمعية كانت مؤيدة للثورة منذ بدايتها  لكن تُصنّف كمواقف فردية ليست للجمعية و نذكر مثال الشيخ العربي التبسي ، و الذي لم يكن في وفاق مع قادة الجمعية حيث يذكر احمد توفيق المدني أن العربي التبسي  كان متصلبا لرأيه معتدا بنفسه ، كما كان في خلاف مع الشيخ البشير الابراهيمي مما أدى بمكتب الجمعية بإرسال رسالة تأييد و دعم للبشير الابراهيمي و ذلك خلال الازمة التي نشبت بين الرجلين سنة 1953 بخصوص قضية الطلبة الجزائريين في القاهرة ، هذه الرسالة وقعت في يد التبسي الذي حفظها لنا سيئة  فالعربي التبسي كان يمثل تيارا آخر في الجمعية له رأيه و تمثل في عدة مقالات كانت تدعم الثورة مثل المقال الصادر بتاريخ 18 فيفري 1955 و الذي جاء فيهانهم رجال تململوا و تحركوا و دبت فيهم روح الحياة الحرة الجامحة التي تحطم آمامها كل معترض مهما كان قويا ، و تقدموا إلى الأمام يخوضون معركة حياة و قد حملوا أرواحهم فوق أيديهم ، فيزحفون إلى الأمام و لا يتقهقرون أبدا إلى الخلف

      و كخلاصة لموقف الجمعية ينقل لنا الدكتور العربي الزبيري شهادة بعض قدة الثورة مثل ابن طوبال و بوبنيدر الذين اكّدوا على التفريق بين قيادة الجمعية في الداخل و قيادتها في الخارج ، فالبشير الابراهيمي كان قد أصدر بيتانا في الثامن من شهر نوفمبر يؤيد فيه الثورة ، أما في الداخل فباستثناء العربي التبسي الذي كانت مواقفه مشرفة ، فإن باقي الزعماء لم يستجيبوا لنداءات الثورة …”

للموضوعمراجع

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك