مواقع التواصل الاجتماعي تحت سيف النقد

ليس كل ما يلمع ذهبا

د. بن عجمية بوعبد الله

أستاذ جامعي وكاتب صحفي

 

لا أحد يجادل في هول التأثير والحضور الذي أصبحت تمثله مواقع التواصل الاجتماعي في هذا الزمان الذي يعرف انفجارا كبيرا وتدفقا هائلا في حجم المحتويات والمعلومات والأخبار والشائعات والدراسات والتحليلات وذلك بسبب التطور التكنولوجي الهائل فيما أصبح يعرف “بالموجة الخامسة” وهي المرحلة المتقدمة لتطور تكنولوجيات الاعلام والاتصال من عصر الطباعة إلى الإذاعة والتلفزيون مرورا بالحواسيب والانترنت وصولا إلى عصر الهواتف الذكية ومواقع التواصل الاجتماعي.

ولذلك تعتبر هذه المواقع من أكثر الفضاءات التواصلية والإعلامية والاتصالية إثارة للجدل، حيث انقسم حولها الباحثون والدارسون كما جمهور المتلقين بين مؤيد لها حد الإطلاق وما بين ناقد ورافض لها ولمضامينها وللفلسفة التي تقوم عليها وبين تيار معتدل حجته مبدأ: “لها وعليها” أي لها من الإيجابيات الكبيرة التي لا يمكن الاستغناء عليها أو تجاوزها وعليها من المآخذات التي وجب الوقوف عندها حد الحذر والتوجس.

ولا يزال النقاش حول مواقع التواصل ضمن إشكاليات نفسية اجتماعية وفلسفية ومحاور رئيسية يمكن ذكر بعضها على سبيل المثال لا الحصر في المظاهر والمخلفات والتأثيرات التالية:

الهروبية:

وهو ظاهرة الزحف الكبير والفرار المتزايد ملايين المشتركين في مواقع التواصل الاجتماعي من الواقع الحقيقي، حيث يظهر ذلك من خلال مؤشرات كثيرة من بينها مؤشر الوقت، حيث أصبح الفرد المعاصر يخصص لتصفح مواقع التواصل الاجتماعي ما معدله ست ساعات يوميا وهناك من تستغرقه هذه المواقع عشر ساعات يوميا وهو في الحقيقة أمر غير مسبوق تماما في تاريخ وسائل الاعلام والاتصال، إضافة إلى مؤشر الصداقات مثلا التي أصبحت غالبيتها افتراضية وليست حقيقية حيث ولأجل من نصاحبهم افتراضيا ابتعدنا عن الحياة الحقيقية وما كانت تمثله سابقا من جاذبية، ليس هذا فحسب بل حتى التواصل الاجتماعي الكلاسيكي من زيارات وحضور فعلي إلى الاكتفاء بالتواصل الالكتروني والافتراضي بل والاكتفاء به على قناعة أنه أيضا يفي بالغرض ما أدى إلى تغير أنماط حياتنا النفسية والسلوكية والعلاقاتية وكلها على حساب الواقع الحقيقي الذي من المفروض أن يكون التمثل الأوحد لهذه العلاقات والصداقات وحتى مدة التواجد ولذلك فإن وصف الهروبية ينطبق وبشكل دقيق على ما فرضته علينا مواقع التواصل الاجتماعي.

الانعزال والتوحد الارادي:

يختلف عن الهروب في كونه ميل نفسي للبقاء على انفراد في عالم افتراضي سيفرض عليك ألا تكون كذلك مهما أقنعت نفسك بأنه انعزال، ومع ذلك هو عبارة عن ردة فعل عن رفض للواقع الحقيقي والابتعاد عن ضغوطه وهمومه بحثا عن عزلة افتراضية من دون تكاليف أو ثمن، وهذا السلوك نجده عموما عند فئة البالغين والراشدين الذين يختارونه بقرارهم ومحض إرادتهم على خلاف مثلا ظاهرة الإدمان التي تكون عند غير الراشدين بالدرجة الأولى لأنها تمس كل الشرائح العمرية، ظاهرة ستزيد من سلبية الافراد ونقص روح المبادرة عندهم بالإضافة إلى الغربة عن واقعهم الحقيقي، فالعزلة غير المنتجة في الواقع الحقيقي لا يمكنها أن تكون عكس ذلك في الفضاء الافتراضي الذي يعتبر مؤقتا أصلا وغير دائم.

المصدر المجهول وكثرة الشائعات:

وهي من الظواهر الحساسة جدا والخطيرة والتي جعلت من سهولة وحرية النشر والنقاش عبر مواقع التواصل الاجتماعي مدخلا للشائعات والاخبار الكاذبة والتي لا مصدر لها كما لا يمكن التثبت أصلا بمصدرها أو الجهة التي تقف خلفها على اعتبار أن مواقع التواصل الاجتماعي تمكنك من التواجد بأسماء مستعارة وبروفايلات لا تعبر عن حقيقتك، لذلك وفي ظل التدفق الكبير والمتسارع للمعلومات أصبح التأكد من مصداقيتها ومصادرها أمرا مستحيلا جدا، ما جعل من مواقع التواصل الاجتماعي تصنع البطولة في التأثير سواء بالصحيح أو المغلوط مما تبثه من مضامين، على خلاف وسائل الاعلام التقليدية والتي كان المصدر فيها مقدسا وحتى عندما تنشر الأخبار الكاذبة تمكنك هذه الوسائل من “حق الرد” والتكذيب كذلك، كما أن ما يعرف بفكرة “حارس البوابة” وهي التصفية والتنقية والتأكد من صدقية الأخبار التي تقوم بها المؤسسات الإعلامية لا توجد للأسف الشديد في مواقع التواصل الاجتماعي حيث يعتبر المستعمل رئيس تحرير صفحته ويمكنه نشر ما يشاء سواء بمصدر أو من دونهن باستثناء ما تجرمه أو تمنعه القوانين السارية المفعول.

انتهاك الخصوصية:

وهي من التداعيات الأساسية التي أثارت جدلا واسعا ليس فقط في دولنا المتلقية والمستهلكة ولكن بالأساس في الدول العظمى التي أصبحت هناك قضايا عديدة في المحاكم في هذا الخصوص بل إن التهم وصلت حتى لمؤسس ومالك موقع فيسبوك “مارك زوكربرغ” واتهامه ببيع معلومات ذات خصوصية لملايين المواقع لأغراض استخباراتية وانتخابية كما حدث في انتخابات الرئاسة الأمريكية لسنة 2016 بين “دونالد ترامب” و “هيلاري كلينتون”، وعليه لا يمتلك المستخدم لمواقع التواصل الاجتماعي أي ضمانة أو حماية فيما يتعلق بخصوصياته في مواقع التواصل الاجتماعي التي يمكن أن تعبث بها أو أن تستغلها أي جهة خاصة الأطراف المهيمنة على التكنولوجيا انتاجا وتسويقا وصناعة محتوى.

الجوسسة:

منذ القدم تعتبر الجوسسة وسيلة من وسائل الصراع والحروب والتنافس والتدافع بين الافراد والدول والحضارات، غير أن مواقع التواصل الاجتماعي جعلت منها أمرا سهلا وفي متناول الجميع من اختراق للمواقع والحسابات إلى قرصنة الحسابات كذلك في ظل انعدام تام للحماية من هذا النوع من الانتهاكات، فمن يدخل لمواقع التواصل الاجتماعي فإنه قد سمح للآخرين باستباحة خصوصياته ولذلك استعملت ولا تزال مواقع التواصل الاجتماعي في الضغط والتأثير وإذكاء الحروب والصراعات.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك