من يهمه هذا الدستور؟

المشاركة الواسعة رهان السلطة

بقلم احسن خلاص

وعد وزير الاتصال عمار بلحيمر بأن ينطلق هذه الأيام نقاش واسع حول الصيغة النهائية لمشروع تعديل الدستور ليكون الجميع على بينة من أمره يوم الاستفتاء من قبول المشروع أو رفضه أو النأي بنفسه عن أي مشاركة في إصداره. ولعل الحكومة تدرك كما يدرك الجميع أن مناقشة جميع مواد الدستور لا تشكل اهتماما رئيسيا لجميع الجزائريين بل قد لا تهم إلا فئة قليلة من المجتمع من ذوي الاختصاص ومن النخب السياسية. ولنا أن نتساءل بداية: من يهمه الدستور في الجزائر؟ وماذا يهم في الدستور لدى الجزائريين؟ ثم لماذا لا يهتم الجزائريون كثيرا بالدستور؟ تساؤلات قد تجول في كل الخواطر دون أن تجد لها أجوبة دقيقة بالرغم من أنها تعتبر أسئلة جوهرية مطروحة على الحكام والمحكومين على حد سواء.

منذ بداية الولاية الرئاسية لتبون كانت السلطة حريصة على جعل التعديلات الدستورية أولوية استراتيجية من منطلق أن الاستقرار السياسي سابق على إطلاق مشاريع بناء “الجزائر الجديدة” ولأن بداية العهدة الرئاسية تزامنت مع استمرار مظاهرات الحراك الشعبي أخذ تعديل الدستور مكانة أساسية ضمن أولويات الرئيس الجديد لحل الإشكاليات السياسية التي أثارها الحراك. غير أن الأزمة الصحية غيرت المسارات وقلبت الأولويات رأسا على عقب ولم تعد الإشكالية السياسية في صدارة الأحداث كما كانت مطروحة في منعطف بداية السنة الجارية فقد قفزت إلى السطح أولويات أخرى ذات طابع اجتماعي لاسيما وأن الأزمة الصحية تركت قنابل موقوتة على الجبهة الاجتماعية يصعب تفكيكها بالمقارنة مع سهولة تفكيك الإشكالات السياسية التي انحصرت لدى النشطاء السياسيين.

انتهت الضغوط السياسية التي كانت مسلطة في البداية على السلطة الجديدة ولم تعد هناك حاجة لمناقشة النظام مع المجتمع إمكانية اللجوء إلى تنازلات جديدة في جانب نظام الحكامة في اتجاه رفع منسوب المشاركة الديمقراطية في صنع القرار وضمان حق التعددية والتداول والحريات والاختيار الحر للمؤسسات الدستورية. وما زاد من يقين السلطة بتراجع الضغط السياسي عليها طبيعة ردود الأفعال على المسودة الأولى التي نزلت في 7 ماي الماضي، إذ وإن كانت هذه الردود معتبرة من الناحية الكمية بحوالي 5 آلاف اقتراح إلا أنها لم ترفع السقف أعلى مما طرحته السلطة من أجل حل الإشكالية السياسية فضلا عن أن أطرافا كثيرة من الفاعلين الميدانيين في الحراك الشعبي لم تشارك في مناقشة المسودة ولم تدل بأي رأي بل بالعكس فقد رفضت التعاطي كلية معها من منطلق عدم اعترافها بالسلطة الجديدة والانتخابات التي انبثقت منها.

لم تجد السلطة الصدى الذي كانت تنتظره من المقترحات الأولى ولم يصل النقاش إلى درجة الحدة التي كانت تتوقعها من البداية مع ارتفاع سقف المطالب التي رفعها الحراك حيث انصرف النقاش إلى محاور أخرى لم تكن السلطة تنوي إقحامها تجنبا لصداع الرأس وهي قضايا الهوية وعلى رأسها قضية دسترة اللغة الأمازيغية إلا أن النقاش العام المنطلق منذ إطلاق المسودة الأولى وقد وصل اليوم إلى منعرجه الأخير أبى إلا أن تطغى مكونات الهوية على جميع القضايا المطروحة وما أكثرها حتى أن السلطة ذاتها على لسان وزير العدل انجرت إلى هذه الساحة التي تجعل من الهوية واللغة الامازيغيتين مادة مفضلة للاستهلاك العام كما انجر إليها شركاء السلطة من الإسلاميين من أمثال رئيس حركة البناء عبد القادر بن قرينة ورئيسة حزب العدل والبيان نعيمة صالحي وشركاء آخرون مثل رئيس حركة مجتمع السلم عبد الرزاق مقري. وهناك دعوات تعلو عبر مواقع التواصل الإجتماعي إلى إسقاط التعديلات الدستورية الجديدة بحجة أنها أدرجت الطابع الوطني والرسمي للأمازيغية ضمن المواد الصماء التي لا يجوز أن يمسها التغيير في المستقبل. غير أن رفض التعديلات على هذا الأساس لن يغير من الأمر شيئا إذا ما عرفنا أن ذلك سيعيدنا إلى سريان الدستور الحالي الذي يأوي المادة الرابعة من الدستور. غير أن هذه الدعوات لم تأت إلا لبعث النقاش ذاته الذي لم يرق من حيث كثافته إلا مستوى أهمية التعديلات في نظر السلطة فأن تطرح فكرة رفض الدستور أفضل بكثير من أن يشهد موعد الفاتح من نوفمبر إقبالا ضعيفا على التصويت في وقت لم تعد تكترث السلطة لموقف الناخبين بقدر ما تضع المشاركة الكثيفة للمواطنين في صدارة الاهتمامات.

وثمة مشكلة أخرى لا تزال تؤرق السلطة وهي مشاركة نسبة معتبرة من الناخبين من منطقة القبائل الذين قاطعوا بشكل واسع انتخابات الرئاسة في ديسمبر الماضي تعبيرا عن عدم اعترافهم بشرعية الانتخابات ذاتها وما نتج عنها وهو ما يجعل اعتماد السلطة على إبقاء المادة الرابعة وادراجها ضمن المواد الصماء لن يغني من الأمر شيئا ولن يجعل الناخبين في منطقة القبائل يقبلون أفواجا إلى صناديق الاقتراع. ثم أن المفارقة الكبيرة تكمن في أن دعاة المطلب الأمازيغي أنفسهم وإن استبشروا بالابقاء على المادة الرابعة إلا أنهم غير راضين عن الصيغة التي جاءت بها معتبرين أن المادة لا تزال تنظر إلى الأمازيغية بأنها قاصرة وغير مهيأة بعد للوصول بها إلى مرتبة اللغة الرسمية.

والخلاصة أن المواطنين لم يعد يهمهم الدستور في جانب قواعد اللعبة السياسية بقدر ما يشغلهم أن يروا أنفسهم في مرآته بأن يروه واقعا معاشا في الحياة السياسية وفي المجالات الأخرى فهم قد خبروا دساتير سابقة نهى أصحابها عن خلق وأتوا مثله.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك