من جمهورية المأساة إلى مأساة الجمهورية

استنفار سياسي عقب مقتل الأستاذ الفرنسي

بقلم: احسن خلاص

تعيش فرنسا منذ سنوات اضطرابات هي بمثابة ارتدادات للنموذج الإيديولوجي الذي تريد أن تفرضه على الأطياف التي تتعايش على أرضها عنوة وبأوامر سياسية قهرية وإكراهية. وكل صدمة تحل بها تزيد القائمين على الدولة إصرارا على تبني النموذج الأكثر إكراها على الحياد لاسيما تجاه الأديان الأخرى غير المسيحية، لاسيما الديانة الإسلامية. وعند كل صدمة مثل تلك التي كان عنوانها في الأيام القليلة الماضية رأس مدرس تاريخ مفصول عن جسده، تنطلق النخب السياسية في حملة من المزايدات في المطالبة باتخاذ المواقف الأكثر راديكالية تجاه القوى المتطرفة لاسيما الإسلامية منها وفي الدعوة إلى الدفاع عن الجمهورية المهددة بفعل نشاط هذه القوى.

لم يعد الحدث المروع والشنيع الذي ارتكبه الشاب التشيشيني في إحدى ضواحي باريس الأول من نوعه كما أن الدافع إليه ليس غريبا في ذاته وكأن بباريس تعيد تمثيل الوقائع ذاتها التي مرت في السنوات الأخيرة. اعتداء على الرموز الدينية يليه رد فعل عنيف وبشع قبل أن تنطلق ثرثرة فوق نهر السين، تكون مناسبة لتتبادل النخب السياسية الفرنسية الاتهامات وتوجه أصابع الاتهام إلى السلطة التي يمثلها رئيس الجمهورية والوزير الأول بالتقاعس والتساهل مع القوى المتطرفة التي تغذي خطاب الكراهية وتجذير المواقف الدينية خاصة لدى شباب الأحياء الفقيرة والمهمشة.

وتعطي ردود الأفعال التي تلت تعامل الرئيس الفرنسي ماكرون تجاه حدث فصل رأس مدرس التاريخ والجغرافيا عن جسده عقب استعراضه للصور المسيئة للنبي محمد لتلقين التلاميذ أفضل الأمثلة عن حرية التعبير، صورة عن هذا الجدل الذي يتكرر كل مرة دون أن تصل فرنسا بنخبتها السياسية والثقافية إلى المستوى الذي يمكنها من حل الإشكالية القديمة الجديدة المتمثلة في صعوبة جعل فرنسا الأرض التي تتعايش فيها التصورات والمعتقدات المتباينة والمتناقضة دون أن تنال من النموذج الجمهوري العلماني الذي أرادته فرنسا مختلفا عن النماذج العلمانية المطبقة في البلدان الأنجلوساكسونية.

وعند متابعتنا للحوار الحاد الذي اندلع عقب الحدث نشعر أن النخبة السياسية أجمعت على رفض اعتبار الحدث معزولا متعلقا بشاب قد لا تكون دوافع إقدامه على الفعلة الشنيعة تلك مرتبطة بالضرورة بموقف عقائدي حسب ما تحاول جميع القوى السياسية تصويره لاسيما وأن الجاني والضحية كلاهما في عداد الموتى مما يجعل التحقيق في الدوافع الحقيقية يتعثر في إيجاد فرضيات أخرى غير الفرضية العقائدية. ومع ذلك فإن واقع الحال يتوجه بالنقاش إلى البعد السياسي والحضاري وإلى الصراع الديني القائم على الأرض الأوروبية من سنوات عديدة.

يتحدث الرئيس الفرنسي في خضم هذا الجدل عن الجمهورية التي أصيبت في مقتل وعن الأنوار التي استهدفت كما استهدفت محاولات فرنسا تلقين الأطفال أينما كان أصلهم ومشربهم الديني أبجديات المواطن الحر بل ذهب إلى حد اعتبار المعركة وجودية لأن الظلامية كما قال وكذا العنف الذي يصاحبها لا يمكن لهما أن ينتصرا إذا ما استطاع الفرنسيون أن يتشكلوا ككتلة في مواجهتهما. 

خطاب تعتبره المعارضة منمقا جميلا دون أن يصل إلى درجة الفعالية المطلوبة وقد سمع الفرنسيون مثله على لسان الرؤساء السابقين. واعتبروا موقف ماكرون مثل موقف الطبيب الشرعي الذي يشرح الجريمة دون أن يكون بإمكانه متابعة الجناة داعين إلى اعتبار هذه المأساة بمثابة صدمة كهربائية منقذة كما ذهبت بعض الأطراف في مواقفها إلى حد التطرف مثل موقف رئيس بلدية بيزيرز روبرت مينار وهو الرئيس السابق لمنظمة المراسلين بلا حدود المعروف بتواصله مع التيارات الصهيونية والاستعمارية المتجذرة وقد اعتبرت تغريدته بمثابة استفزاز للعرب والمسلمين وانتقادا لاذعا لسياسية ماكرون الانفتاحية تجاه الجزائر والعالم العربي. حيث قال إنهم يقطعون رؤوس أساتذتنا ونحن سنعلم أولادنا اللغة العربية. وهناك من نظر إلى مواقف ماكرون نطرة تهكمية تعليقا على عبارة ذكرها بقوله “سوف لن يمروا” مذكرين إياه أنه بمثل هذه الأعمال قدر مروا فمند 10 سنوات وهم يمرون فيقتلون الأبرياء والأطفال ورجال الشرطة والمعلمين.

سيشكل الصراع مع الجماعات الدينية التي تتخذ من المهجر أرضا ومن الإسلام أرضية ومن الحركة الدعوية الدينية منهجا وقود النقاش السياسي الذي وضع فرنسا الحديثة في موقع الدفاع عن مبادئ نشوئها وتطورها. ومع صعوبة مواجهة الإسلام كعقيدة دينية اهتدت النخب الحاكمة إلى ضرورة البحث عن إسلام فرنسي مخافة أسلمة فرنسا لكن الحادث المروع الذي هز الرأي العام الفرنسي أعاد خلط الأوراق ودفع باليمين المتطرف إلى الضغط على ماكرون من أجل بلورة سياسة كاملة لمكافحة كل أشكال التطرف تتجاوز التدابير التي أعلن عنها والمرتبطة بتنظيم الجمعيات الدينية وقطع دابر الصراع المذهبي والطائفي على الأرض الفرنسية. ويزداد الضغط على الحكومة الفرنسية من منطلق التلاحم الشعبي الذي أظهرته المسيرات والتجمعات التي احتضنتها الساحات الفرنسية عقب الحادث. 

ويبدو أن فرنسا في خضم حالة الانفعال التي هي عليها الآن قد نسيت أو تناست أن من مبادئ الجمهورية والعلمانية احترام مقدسات العناصر المتعايشة ضمن المجتمع ذاته وأن المساس بهذه المقدسات باسم حرية التعبير ليس هو الطريق الأمثل لبناء مجتمع ممتثل لمبادئ الجمهورية الفرنسية القائمة على الحرية والمساواة والأخوة.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك