من تاريخنا … مضارب أولاد نائل في عيون الرحالة المغاربة

بقلم بلخيرات سعد

يعد أدب الرحلة لوناً من الألوان الأدبية الذي ينقل فيه الرحالة العديد من العناصر الثقافية، وذلك من خلال ما يُصادفه من مظاهر وعادات وتقاليد ومعالم أثرية لتلك المنطقة التي زارها، واصفاً بذلك انطباعات أفراد مجتمعهم، ومسجلاً أساليب عيشهم وناقلاً مختلف فنونهم وصناعاتهم و تتجلى هذه القيمة في تلك المعلومات التي يقدمها كمصدرا مهم و وثيقةٍ أساسية لمختلف الاختصاصات التاريخية والجغرافية والاجتماعية والاقتصادية، من وصف للمسالك والعمران ونمط المعيشة و من عادات وتقاليد، ليكون أدب الرحلة بمثابة مدونة يلجأ إليها الكثير من الدارسين لاستخلاص العديد من المعارف بكل اطمئنان و أريحية، ففي مجال التاريخ مثلا تقدم الرحلات معلومات لم يقدمها لنا العلمُ المختص في هذا المجال، فهي تنقل ذلك الاختصاص بواقعية و بكيفية حية ، فإذا كان التاريخ يعمل على وصف واستقصاء حياة البلدان وتاريخها بمختلف مظاهرها (السياسية، الاجتماعية، الاقتصادية والثقافية) فإن الرحلات أعطت كل ذلك بعده المناسب، وتطرقت إلى تحليل جوانب لم تتطرق إلى تحليلها الوثائق التاريخية، فقامت الرحلات بوضع كل ذلك في دائرة الإشعاع وتنوير الواقع وإخراج التاريخ عن حدوده المعروفة. ونظرا لما ينقله الرحالة من صور حية وحقيقية عن مختلف البلدان التي زاروها من عادات وتقاليد وأساليب العيش ، ورغم أهمية هذا اللون الأدبي وقيمته الثقافية إلا انه لايزال لم ينل ما يستحقه من البحث والدراسة خاصةً وأنه أوفى المصادر و أوثقها عند دراسة تاريخ الجزائر عموما وولاية الجلفة خصوصاً وما لها من معالم ذكرها الرحالة المغاربة الذين برعو في هذا الجنس الأدبي وأبدعو فيه ايما إبداع فسلطو الضوء على هذه المناطق والتى ظلت لقرون عديدة معبراً مهما وخطا معلميا لقوافل الحجيج المغاربة.

وكذالك فصّل في مضارب أولاد نائل الرحالة الانجليزي “توماس شو” والمستشرق الفرنسي “دوفيلاري” اللذان اولى عناية بالغة الأهمية لتاريخ المنطقة كما تعد مؤلفاتهم من أهم المصادر التاريخية المحلية .

أول من ذكر أولاد نائل من الرحالة المغاربة:

يُعد من اقدمِ كتب الرحالة المغاربة كتاب رحلة محمد اليوسي سنة 1593م الذي مرّ في رحلته بالأغواط و منطقة دلدول و دمد وسلمانة وعمورة وعبد المجبد وغمرة عبر جبال بوكحيل و سيدي خالد وأولاد جلال بالزاب الغربي الى بلاد الجريد بتونس طريق قوافل الحجاج المغاربة المعروف قديماً ،  يقول  (…وغدا بلغنا موضعاً يقال له المقيد على الطريق الرابط بين الأغواط ودمد ووجدنا قبيلة يقال لهم أولاد نائل ولقيني رجل منهم وقال أهذا “شاوك” ولم أفهم قوله ثم قال لي رجل، إنه قال لك  هل لك حجة قبل هذه أم هذا “شاوك” الأول قلت له نعم هذا “شاوي” و “شاو” باللهجة العربية الدارجة لأولاد نائل وتعني “بداية”، ويواصل سرد الرحلة الى ان يبلغ قرية عند الظهر يقال لها دمد وأهلها يسرقون النوم من الأجفان إن كان لهم به إمكان ولم نبت بها تعديناها .ونزلنا بعين يقال لها عين الحواجب ، وغدا بلغنا واد عبد المجيد وهو أحد روافد واد جدي، وهاتا المرحلتان أقبح مافي الطريق ، الأرض الخشنة الصلبة والعطش والخوف، فمنّ الله علينا فيه بكثرة المياه المطيرة وبتنا بواد البسباس قبالة التوميات وهما كُديتان، وغداً رحلنا وأدركتنا وغرة اي حر شديد فقال الشيخ بيتين ارتجالا .

وعسى أن يكون لطف من الله   ولطف الإله امر خفي

قيمة تأريخية لإستطيان أولاد نائل بالمنطقة وأخرى لغوية عن اللهجة المحلية  :وفي الحوار الطريف الذي دار بين الرحالة محمد اليوسي والرجل النائلي خير دليل على وجود قبيلة أولاد نائل القديم في المنطقة اي قبل سنة 1590م ولهجتهم لم تتغير كمصطلح “شاوك” الذي يعني بداية الشيء وهو متداول إلى اليوم بين أهالي المنطقة .

ذكر العلامة العياشي ربوع أولاد نائل في كتابه “ماء الموائد

وهذا عبدالله بن محمد العياشي السجلماسي في رحلته سنة1661م من كتابه الرحلةالعياشية ص 545-546, ج2 ، يصف عودة قوافل الحج بصحراء الجلفة يقول “وسرنا بقية ليلنا في أرض حرشة وظلمةٍ وخوفٍ شديد من قطاع الطرق لاتسمع إلا همساً بأخفاف الإبل الى ان نزلنا بخرزة يقال لها خرزة البطم والخرزة في لغتهم كل فرجة بين جبلين يخرج منها طريق  وفي الغد ارتحلنا وعدنا يميناً في أرضٍ وعرة وسرنا الى الغروب وفي غد الظهر نزلنا الى جرف بين جبلين فيه ماء غزير وجئنا الى عبد المجيد ضحى إشترينا السمن  وتوفي لنا رجل من أصحابنا الفلاليين من اولاد الإمام بسجلماسة  نزل به الوباء سمعته ينشد بأبيات قبل موته يقول :

سكناها ليالي آمنين   وأيام تسر الناظرين

فلما أن جلاها الدهر عنها   تركنها لقوم آخرين

وفي الغد جئنا الى العوينة في الضحى و دمد ظهرا وبتنا..” ومن الملاحظ أن العياشي دقيق الملاحظة والميل الى الاستطلاع و روح المقارنة وساعدته مكانته العالية على كسبِ الأخبار و معرفته بكتب من سبقوه وخبرتُه في رحلاتِ الحج وكثرةِ أسفاره ولما في كتابه من فوائد نفيسة من أخبار وطرق ومسالك الصحراء انفرد بذكرها فقد عرف كتابه رواجاً كبيراً وإقبالاً ملحوضاً ، حتى أصبح مثالاً يقتدى به في كتب الرحلات ولم يفت المستشرقين نقله الى لغاتٍ مختلفة .

ذكر مضارب أولاد نائل في رحلة الدرعي:

ومنهم الرحالة صاحب مؤلف الرحلة الناصرية ابو العباس أحمد بن ناصر الدرعي رحلته سنة 1709م ص715-716 يصف دمد والبرج وهم أهل دين وتمسك وحج معنا رجلٌ منهم اسمه الطيب بن عيسى  وخروج أهلها للتبرك بالحجيج مع إمامهم سيدي محمد بن مسعود وبن حرزالله صاحب الزاوية وذكر الرحالة قرية عبد المجيد مكان لسقاية الحجيج ويقول هناك من حج معنا من أهل هذه المناطق وعمورة كونها محل معروف بعدم الأمان ليلا لأركاب الحجيج وهي قرية على جبل بها فواكه متعددة وأما غمرة فهي  قرية على بعد أميال منها ويسترسل بعدها نزلنا بواد سيدي خالد ذو نخل كثيرة ومياه ، فيه مسجدٌ ومنارة عامرة بطلبة القرآن وقبر مزار سيدنا خالد بن سنان وقيل أنه نبي وقيل أنه من حواري عيسى عليه السلام الذين أرسلهم الى القبائل وقيل انه رجل صالح.”فهنا عدة فوائد كسير اعلام الرجال ووصف القرى وغيرها .

وصف المنطقة من كتاب رحلة الناصري الكبرى:

وهذا صاحب الرحلة الناصرية الكبرى أبو عبدالله محمد الناصري ورحلته سنة 1782م يقول فيها ص 208-209 “..مررنا بواد الحميضة و ماؤه عذب جارٍ، عليه غابة الطرفة وبعض الحرث وتليه قرية “دمد” دويرات بأصل جبل ونخلات وبعض الأشجار وثمار ولا يزال أهلها من عادتهم القديمة على نهب الحجاج…وبعدها يذكر عيون سلمانة العذبة الباردة ثم يقول بتنا بالحواجب وبها عيون والبرج وعيون سلطان وماء البرج أحسنها والمحل محل غير آمن فقد سرق لركبنا عدة إبل ، ثم إرتحلنا ،وبعدما انتصف النهار بأودية القيران وبها بئر عذبة قليلة الماء تاركين قرية على رأس الجبل عمروة العامرة تسوق اهلنا بالمحتاج ثم بتنا بعبد المجيد وماءها جار، وبه قبور الأعراب وسطها رجل صالح إسمه “سيدي شارف المجيد” ويسمى المكان بإسمه وبها مكان منخفض تجمع فيه السيول تكرمنا بملء القرب وتنعيل الإبل والبغال  وكثرت الصعلكة بين الأعراب ، و في الصحراء توفي للركب حاج طاعن في السن تاه عن القافلة يسمى عمر بن علي بن الشريف العلوي من أهل سجلماسة جاء به أعراب الى سيدي خالد ودفن هناك ومن أمثالهم في ذالك “عبدالمجيد يقطع البالي والجديد..” كما ذكرهم الرحالة المغربي الحضيكي في الرحلة الحجازية وآخرون…

ولقد تعرض الرحالة إبن زاكور الفاسي إلى قبائل أولاد نايل بوصفهم ،وسماهم بعرب النوايل ،وبني نايل ،وحدد ابن زاكور مضاربهم في الجزائر بدقة ،ومدح خصالهم ونسبهم ، ووصف معاملتهم الطيبة للعلماء وميّزهم عن غيرهم من القبائل وطريقة عيشهم في الخيام ، كما وصف الرحالة ابن هطال التلمساني قصور الشارف وزنينة الإدريسة حالياً في رحلة الباي محمد الكبير .

وغيرهم ممن ساهم في إثراءِ موروثنا برحلاتهم وماتحتويه كتبهم من قيم تاريخية وثقافية للمنطقة.

اهتمام الغرب وأوروبا بالرحلات:

ومن غرب أوروبا كذالك الرحالة الألماني فيندلن شلوصر وغيره من الرحالة الألمان من ذكر مضارب أولاد نائل و الرحالة البريطاني توماس شو الذي أعطى معلومة مهمة في كتابه المطبوع بأكسفورد سنة 1738 ص66 ، عن تسمية فيض البطمة بهذا الاسم نسبةً الى كثرة أشجار البطم بها، واعتبرها أول محطة لبني ميزاب وقبائل الصحراء ص39 من كتاب المقاومات الشعبية ببلاد اولاد نائل الحاج موسى بن الحسن الدرقاوي،

أهمية كتب الرحلات ودورها التاريخي للمنطقة:

نظراً للكم الهائل من المعلومات وغزارتها في أدب الرحلة، و لهذا تبقى كتب الرحلات عبارة عن وثيقة تاريخية وجغرافية ومعجم لأسماء المواضع والأماكن ومن استوطنها وتدون ثقافتهم وتؤرخ لحقبة مهمة لاتزال مجهولة ويكتنفها الغموض، كذالك  العادات المنتشرة كممارسة الصعلكة  بين الأعراب وذكر الخارجين عن قوانين وأعراف القبيلة منهم، وإذا كان منهم من يمارسُ الصعلكة يُنفى عن القبيلة وان كان غريبٌ يقتل وهذا ماجرى على عادة العرب مُنذ القِدم ، وعن ذكرِ الخصال المحمودة  كردِ المظالم الى اهلها مثل ما ذكره الرحالة “أحمد الدرعي” في رحلته، اين سرقت من ركبهم راحلة لأحدهم فطلبها ولم يجدها فلحِق بركب الحجيج رجل من أولاد نائل ليرد الراحلة المسروقة وكان هذا بضواحي “عبد المجيد” وفي مضارب أولاد نائل كان يرافقهم دليل أو مرشد لكي لا يظلو الطريق ،  قد سرد الرحالة كذالك عادات الأمم وأخبارهم وطقوسم كانتشار الزوايا والأضرحة والمقامات وزيارتها و وصف طرق عيشهم وصنعتهم وتبيان مواضِع الخطر والمشقة والإمتاع بالإطلاع عن تلك البلاد التّي يقصدها، كما تدعو الى الإنفتاح على الثقافات بين الشعوب والتعريف بموروثها الثقافي بمعطيات كثيرة ، وفي هذا الإطار يعد أدب الرحلات مصدراً مهمّاً لا يمكن الإستغناء عنه في الدراسات التاريخية ، فرغم كونه فرعا من فروع الكتابة الأدبية خاصةً وأنه يضُم الرواية والقصة والسرد إلا أنه ذا قيمة علمية كبيرة خاصة وأن كتابات الرحالة قد استندت على المشاهدة و الملاحظة المباشرة، وقد احتوت في مضامينها على الكثير من المعطيات التاريخية والجغرافية التي أغفلتها المصادر والمراجع الأخرى وغلب عليها نوع من الشح والندرة ، فأدب الرحلات قد أماط اللثام وكشف جوانب مهمة عن واقع موروثنا الثري تاريخيا ومجتمعاتنا و دراسة وافية لبيئتهم ونظام حياتهم لعدة قرون غابرة. ومن هذا المنطلق جاءت هذه الدراسة لتركز على القيمة التاريخية لكتب الرحلات ودورها كمرجعية تاريخية للجلفة وحواضر ربوع بنو نائل ، فأدب الرحلة متعدد وبشكل هجين تداخلت فيه انماط من الكتابة فالرحلة تجمع من الالوان و المحتويات بطريقة تختلف عن ماهو موجود جذرياً ذات طبيعةٍ زئبقية بشكلٍ مائع ومرن غير واضح الحدود ومايحويه من مادة دسمة قد تسيل حِبر عديد الباحثين ، ولعلنا نكون قد لامسنا ولو بالقليل لتنوير هذه الحقبة التي تكاد تكون مُظلمة من تاريخنا، والتي تجاهلت أحداثها كتب التاريخ ، كما تعد حقلاً خصباً للدارسين لفتح باب البحث و النقد والتمحيص.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك