من إدارة الاستعمار إلى الاستعمار الإداري

إصلاح أم ثورة

بقلم احسن خلاص

ظلت الشعارات الداعية إلى إصلاح الإدارة العمومية في الجزائر تتردد في كل المناسبات بل لا نعثر على برنامج سياسي صادر عن السلطة أو الأحزاب إلا ويضع نصب عينيه إحداث تغييرات في ما أصبح أخطبوطا يلازم المواطن بكرة وعشيا ويحمل معه أسئلة مؤرقة له، اخطبوط اسمه الإدارة البيروقراطية.

منذ الاستقلال شكل بناء جهاز إداري جزائري متحرر من بقايا الفكر الاستعماري تحديا في وجه السلطات المتعاقبة ولأن الجزائر ليس لها عهد بالإدارة الحديثة إلا من خلال التجربة الفرنسية التي رافقت البلديات منذ بدء فتح سجلات الحالة المدنية وإنشاء البلديات المختلطة ضمن مشروع المملكة العربية لنابليون الثالث وهي التجربة التي تواصلت خلال حرب التحرير من خلال تكريس ما يسمى الفروع الإدارية الأمنية (لاساس).

لقد كان من المهام الرئيسية للإدارة الفرنسية خلال العهد الاستعماري لاسيما مع نهاية القرن التاسع عشر تشويه الهوية الأصيلة للأهالي من خلال إنشاء الألقاب العائلية الجديدة التي كانت فرصة لفرنسا الاستعمارية لتعيث في الشخصية الوطنية فسادا في جانبها الثقافي والاجتماعي من خلال منح ألقاب هجينة مشينة ظلت ملازمة لعائلات جزائرية إلى يومنا هذا.

ولابد من الإقرار بجرأة وصراحة أن الجزائريين ومنذ ما يقرب من 6 عقود من الاستقلال لم يتخلصوا من الطابع الاستعماري لعلاقة المواطن بالإدارة بالرغم من الشعارات والبرامج الطموحة التي كانت تدور حول مطلب تقريب الإدارة من المواطن. وظل هذا الطابع يلازمنا كذلك بالرغم من تعاقب الأجيال وتطور التعاملات الإدارية في بلدان سبقتها الجزائر إلى التجربة الإدارية مثل ما هو شأن الكثير من الدول الإفريقية.

لم يكن هدف النظام الاستعماري من نقل نموذجه الإداري إلى مستعمرتها الجزائرية البحث عن تنظيم إدماج الجزائريين ضمن المنظومة السياسية والإدارية الفرنسية الحديثة بقدر ما كان يرمي إلى توسيع الهوة بين الجزائريين والمستوطنين الأوروبيين. لقد كان دور الإدارة جعل المسافة بين الأهلي والرومى أطول وكبح حرية الجزائريين وربطهم بجهاز يؤدي عادة دورا يزاوج بين البعدين الإداري التنظيمي والأمني ويجعل من الجهاز الإداري مكانا للردع والقمع والمساءلة وإصدار جوازات المرور وفق لدرجات الولاء والخضوع. لقد أنشأت فرنسا الاستعمارية الأجهزة الإدارية لتكون المكان الذي تنطلق منها حملات التفتيش وتصدر قرارات التهجير ومصادرة الأراضي والتنكيل بالسكان الأبرياء العزل لاسيما أولئك الذين يأبون الخضوع للنظام الاستعماري أو التعاون معه. وكان النظام الاستعماري يتعمد في كثير من الأحيان توظيف بعض الموالين له من الجزائريين فيجعلون منهم قيادا وحراس حقول أو أعوانا إداريين ممن كان لهم نصيب من التعليم في المدارس الفرنسية الذي لا يسمح بتجاوز الشهادة الابتدائية.

لم يكن إسهابنا في وصف الإدارة الاستعمارية بغرض استدعاء الوقائع التاريخية فتفصيل ذلك إنما هو شأن المؤرخين بل لنستعين بهذا الوصف لنتبين مدى ابتعادنا اليوم عن هذه الأبعاد التي تجاوزها الزمن في العالم كله. غير أن الواقع لا يزال يصرخ ولسان حاله يقول بأن الجزائريين لا يزالون عالقين بالثقافة الاستعمارية وكأنها موروث جيني ولم تستطع التطورات الحاصلة في المجال الاقتصادي والثقافي والتكنولوجي تحرير الجزائري من البعد الإداري للاستعمار ولا من البعد الاستعماري للإدارة العامة.

لم يتوقف إرث الجزائريين بعد الاستقلال على نمط التنظيم الإداري السائد في فرنسا فحسب بل انسحب إلى طبيعة التعاملات التي ورثتها أجيال ما بعد الاستقلال وقد تورث للأجيال القادمة وكأنها وصية أوصينا بها لنحافظ عليها وننقلها للأجيال، وقد ورثها العاملون في الإدارات المركزية والمحلية كما ورثها المرتفقون من المواطنين حتى أننا نجد المتعاملين يوميا مع الإدارة لا يرون في المرافق الإدارية أجهزة في خدمتهم دون قيد أو شرط بل تضطرهم الذهنية الاستعمارية إلى البحث عن وسطاء في أبسط الخدمات الإدارية، وسطاء لتيسير الأمر أو تعجيله.

لا يزال الجزائريون بعد مرور ما يقرب الستين عام من الاستقلال ينظرون إلى الإدارة على أنها كائن غريب، كائن جاء من الزمن الغابر لم يستوعب إلا عرضا تطور التكنلوجيات الحديثة للاتصال التي صارت منتشرة في البيوت والمؤسسات الأخرى. ينظرون إلى الإدارة وكأنها لا تزال جهازا ثقيلا وعبئا يثقل كاهل حركية التنمية ويثبط العزائم وكل إرادة في التقدم، جهازا مضطرا على مضض للتعاطي مع أجهزة الإعلام الآلي ومع الشبكات التواصلية الحديثة الداخلية والعنكبوتية، جهاز يتمتع بتعذيب المواطنين وتضييع أوقاتهم وإنهاك طاقاتهم في الذهاب والأياب بين مختلف المرافق الإدارية.

منذ الثمانينيات تتحدث السلطات العليا للبلد عن الإصلاح الإداري وفي عام 2001 شكل الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة لجنة وطنية لإصلاح هياكل ومهام الدولة الإدارية تتكون من الفاعلين الذين كان لهم دور فعال في تكريس الإدارة الاستعمارية والاستعمار الإداري. وقد نجحت هذه اللجنة في توفير جميع شروط الإبقاء على الإدارة الاستعمارية على حالها بل تعزيزها. وقد لا تقع المسؤولية عليهم لوحدهم بل على المنطلق الخطأ الذي يعتقد أن الإدارة الجزائرية بحاجة إلى مجرد إصلاح.

إن الحديث عن إصلاح الإدارة اليوم حديث تجاوزه الزمن إن لم يكن مضيعة للوقت فالإدارة في الجزائر تنتظرها ثورة تعيد النظر جذريا في تنظيمها ومهامها وعلاقتها بالمواطن. لابد تصفيتها تنقيتها من الروح الاستعمارية وتقريب الجزائريين منها.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك