مناورة! قنابل صوت.. والتغطية على المعركة الحقيقية

صالح عوض

ليست فقط ساحات المعارك من تشهد المناورات بالذخيرة الحية أو بقنابل الصوت ومن المعلوم أن المناورات لا تطلب لذاتها إنما لأهداف بعضها معلوم وكثيرها غير ذلك.. وهكذا هي السياسة وهي المجال الأخطر والأرحب تشهد مناورات فتاكة بمعارك قد تكون خساراتها كبيرة ولا يمكن استدراكها.. في مناورات السياسة يتحرك اللاعبون كما يتم الترتيب لصرف الأنظار عن الساحة الحقيقية في الصراع فننشغل بمعارك مصنعة نتحمس لها نهدر طاقتنا فيها ونبدد ثرواتنا ونحبط أرواحنا لنكتشف بعد أن ينقشع غبار المناورة أننا كنا نقاتل أشباحا..

أدوات الخديعة:

منذ عشرات السنين وبعد استقلال الدولة الوطنية ألقيت في ساحتنا قنابل صوت لتثير الغبار فأصبح كثير من معاركنا مع كل ما يبدو عليها من أهمية لا تعدو أن تكون مناورات لا نكاد نخرج من واحدة حتى يزج بنا في أخرى ومع هذه الصيرورة المفترضة نزداد بعدا عن الساحة الرئيسية للمعركة.. فهل اكتفينا من تجرع الخيبات لنضع أقدامنا على بداية طريق يفضي بنا إلى العزة والكرامة والسيادة؟ نمتلك كل الإمكانات فيما العدو ينهار استراتيجيا ولم يبق لنا إلا تلك الخطوة يراها البعض بعيدة ونراها قريبة لقد جربناها مرات عديدة ولم تخيبنا أرواحنا فيها ولن تخيبنا في المرة القادمة.

والمعارك التي أشغلتنا في العقود الأخيرة يدور معظمها حول الهوية والوجهة السياسية والاقتصادية من ناحية نظرية وقد ظن كثيرون أن انتصار شعوبنا في حروبها التحريرية بمثابة إجابة واضحة على سؤال الهوية والانتماء الذي كان ملحا تماما طيلة سنوات الاستعمار والصراع الدامي معه.. ولكن المناورة اقتضت بإثارة المعركة بفصولها المتعددة ولقد دفعت شعوبنا من أمنها ودماء أبنائها في معاركها الداخلية حول الخيارات الإيديولوجية والثقافية ما كاد يعصف بوجودنا السياسي.

ولقد كان الإعلام السلاح الخطير في هذه المناورات الدامية بعد تربى رهط من المتغربين على  فك الخط والتهجي بلغة الثقافة المزيفة فانبعثوا فينا ومع قلتهم يعيثون الفساد والاستفزاز ويتسلطون على ثقافة الشعب والأمة وذلك كله في محاولة لصرف الأنظار عن المعركة الحقيقية في التنمية والبناء الاجتماعي والاقتصادي والتكامل بين أقطارنا..

هم يعرفون تماما أنهم لن يتمكنوا من حرف وجهة الأمة ولا تغيير روحها بمحاولاتهم الأخيرة عبر رهط الإعلاميين التغريبيين والمثقفين المنبوذين فلقد جربوا ذلك بكل قوتهم مباشرة بكل الوسائل وكنا نحن ضعافا ومحاصرين وبوسائل بدائية فلم يتمكنوا وفشلوا فشلا ذريعا.. لذلك هم لا يقصدون ما يعلنون من أهداف نحو علمنة المجتمع او صرفه عن العربية ولا محاصرة الإسلام.. إنما هم يريدون جر المجتمع بكل نخبه إلى هذه المعركة ويستدرجونه إلى صراعات دامية كما حصل في أكثر من بلد عربي.

والإعلام العربي المتورط في المهمة قام بادوار خطيرة من خلال وسائل بث فضائي أو إذاعي او مواقع الكترونية وهو يستند إلى ارتباط ثقافي او سياسي بالمخطط الإعلامي الاستعماري وكان الهدف من ذلك تشتيت تفكيرنا و بعثرة اهتمامنا ومن خلال إطلالة سريعة نكتشف حجم الإعلام الخارجي الموجه لنا: هيئة الإذاعة البريطانية، صوت أمريكا، مونت كارلو، إذاعة ألمانيا العربية، إيطاليا الموجهة، الفاتيكان، إسبانيا الخارجية، إذاعة سويسرا، إذاعة إسرائيل، إذاعة رومانيا الدولية، صوت روسيا، إذاعة كندا الدولية، إذاعة الصين الدولية، إذاعة الهند، كوريا الجنوبية.. الخ، ولعل بدايات القرن الحادي والعشرين قد شهدت بروز ظاهرة إطلاق القنوات الأجنبية الموجهة بالتحديد للمشاهدين العرب. وهي تبدأ منالسي إن إنوالحرة والسكاي نيوز إلى القناة الإسرائيلية مرورا بالقناة الروسية والألمانية وفرنسا 24 والفضائية الهندية والصينية وسوى ذلك عشرات القنوات التي تبث للمشاهد العربي تتحدث له وعنه.

هذا وتمتلك العديد من الدول غير العربية صحفًا ومجلات وإذاعات باللغة العربية، إضافة إلى توجه العديد من وسائل الإعلام الدولية إلى إصدار مواقع إلكترونية خاصة بها باللغة العربية على سبيل التواصل مع الشعوب العربية وعلى رأسها مؤسسات السى إن إن CNN والجارديان البريطانية ونيويورك تايمز الأمريكية .. إلخ، وكذلك عدة مجلات أمريكية وأوربية وصينية تصدر طبعات لها باللغة العربية.

ان ما تم إنما هو مخطط لاغتيال العقل العربي، وبث سموم سياسية فيه، ولقد ظهر تكامل دور هذه الوسائل الإعلامية منذ أطلقت مصطلح الربيع العربى وقت اندلاع الحراك الشعبي وتم دس شخصيات صهيونية في هذه الوسائل، منهم على سبيل المثال جاريد كوهين يهودي صهيوني أمريكي، تومي خولال إسرائيلي، وبرنارد هنري ليفي صحفي يهودي يقدم نفسه على أنه ابن إسرائيل، إيلان شتايم جرابيل، يهودي إسرائيلي أمريكي واهتمت القنوات الأجنبية فى مصر وفي تونس وليبيا، خاصة السى ان ان، و«البى بى سى» و«الحرة» بتقديمهم على أنهم خبراء دوليون يساندون الثوار، والحقيقة أنهم يمارسون مخططات لسقوط الدول.

أدخلونا في معارك وهمية ولكنها دامية ورغم ذلك فإن أدواتها تكشفت تماما على حقيقة وظيفتها سواء الأدوات الخارجية او المحلية وتكشف الليبراليون والعلمانيون عن طبيعة عدوانية نحو الأمة كما تم تضخيم رموز دينية للاختباء خلف شعار إسلامي فيما هم يتوجهون إلى تدمير الأوطان والدول العربية. ولكن من المهم تدبر أي مرحلة نعيش؟

رسم الخرائط

إنهم يسيرون إلى هدفهم الحقيقي، ويصرون على انجازه وسريعا، وما عنف المرحلة التي نعيشها في معاركنا الهامشية، وتحت سطوة إعلامهم والإعلام التابع لهم، إلا لأنها مرحلة ترسيم الخرائط السياسية في منطقتنا، وفي مناطق أخرى، وذلك في محاولة مستميتة لبقاء التسيد الأمريكي والهيمنة الاستعمارية على منطقتنا بل وعلى العالم.. ومن يصغي السمع لوزير الخارجية الأمريكية الحالي موجها لحروب عالمية لبقاء التسيد الأمريكي يدرك أن الموضوع حقيقي لا هزل فيه وهو يعبر عن حال 17 مليون من الإنجيليين الأمريكان، وجد ممثلوهم الفرصة في السيطرة على اليمين الأمريكي ومواقع القيادة وهم يظهرون قسطا من العنف غير المبرر في المجتمع وتتملكهم روح إقصائية شرسة.. فبومبيو وزير خارجية ترمب يؤمن: “أن نهاية الزمان أو معركة نهاية العالم بين الخير والشر باتت وشيكة”. وصف بومبيو معتقداته: “أمريكا أمة يهودية مسيحية لها سيرة في التاريخ وتتلخص مهمتها في خوض المعارك”... ولكن حركة التاريخ لا تحددها الرغبات الإيديولوجية ولا قوة الماضي وعنف اللحظة، إنما السنن المتحكمة في حركية الجميع ونمائها المرئي منه وغير المرئي.

لقد كان واضحا كما قال بيكر للعراقيين سنعيد العراق إلى العصر الحجري أن المعركة التي يؤمنون بها هي معركة حضارية يجب أن تخرج العرب من المسرح وتدمر تاريخهم قبل أن تدمر مستقبلهم، وتلغي مرجعياتهم بتشويهها، وصياغة رواية أخرى لهم على أن يخدمهم في ذلك حكام من المنطقة ومثقفون ووسائل إعلام محلية ودولية..

واقتضى ذلك إلغاء عواصم الحضارة العربية المتمثلة في تونس الزيتونة وعقبة بن نافع و دورها في الإشعاع الثقافي والحضاري والديمقراطي والتنوير في المغرب العربي قرونا طويلة..القاهرة التي أصبحت منذ إنشاء الأزهر والصراع مع المغول والصليبيين عاصمة العرب وقلعة صمودهم والتنوير الثقافي وحركة النهضة الثقافية والأدبية العربية المعاصرة..ودمشق عاصمة أكبر مملكة عبر التاريخ البشري مملكة بني أمية وما تحمله من دلالات حضارية وسيادية للأمة.. وبغداد عاصمة الحضارة الإسلامية والفنون والآداب والترجمة والفقه والطب والهندسة والفلسفة والعمران.. واليمن حيث الركن القوي في جزيرة العرب والحامية لباب المندب ومكتنزة الحضارة العربية التاريخية قبل الإسلام

وعلى أنقاض دور هذه العواصم ان لم نقل أنقاضها يتم بناء عواصم البترودولار أبوظبي والمنامة ودبي بلا مؤهل حضاري او تاريخي منفتحة تماما على الآخر دينيا وسياسيا وأمنيا واقتصاديا..

ومن أبرز مهمات العواصم الجديدة بعد ان تنهي دور العواصم التاريخية التوجه الى المقدس فتضربه في الصميم ويبدأ الأمر من مكة والمسجد الحرام حيث العصب المركزي في شخصية الأمة ولعل حجم المنشور من فيديوهات تتحدث عن بنات مكة والدعوة للانحلال في مكة وإنشاء مبان تغير معالم المدينة المقدسة وإقامة رموز  تثير الشبهات في أماكن القداسة وهدم التراث الإسلامي كبيوت الصحابة وأم المؤمنين خديجة عليها السلام وبيوت الهاشميين.. ثم المسجد الأقصى ومحاصرته بالتهويد لبيت المقدس وانتهاك حرماته ومشاركة النظام العربي في تهميش قيمته وإسهامه في تسريب المباني والعقارات في القدس للصهاينة كما يفعل جهاز حكم الإماراتيين.. والمسجد النبوي والمدينة المنورة وما يجري الآن حولها بدعوى التمكين لعودة اليهود إلى خيبر وسواه من الأماكن التي خرج منها اليهود إلى بقية المدن العربية في العراق وبلاد الشام..

ومع إضعاف شعائر الأمة في رموزها المقدسة يتم ضرب وحدتها برعاية نمط من علماء دين وسياسيين من الشيعة والسنة تحت إشراف أجهزة أمنية واستشراقية في بريطانيا وأمريكا بالذات ووكلائهما في النظام العربي وترسيمها في حياة الأمة كمرجعيات تفتح جبهات صراع وحروب داخلية بعيدة كل البعد عن مصلحة الأمة ومستقبلها من جهة ومن جهة أخرى تكون ضامنة لاستمرار التفرقة بين الأمة على طائفتين متصارعتين شيعة وسنة.. ونوع أخر من الضرب في العمق ذلك ما يتم في اتجاه وحدة الأوطان بالنفخ في العرقيات والانفصاليين ومحاولة إحياء ما قد اندثر من عصبيات جاهلية في كل دولة وطنية.

اختلاف الشروط:

رغم كل ما يحصل الآن فإن شروط انتصارنا أصبحت أكثر نضجا وذلك ليس فقط بسبب امتلاكنا إمكانات النهضة من ثروة وكتلة بشرية وموقع استراتيجي إنما أيضا وهذا يبدو الأهم ما آلت إليه الإمبراطوريات الاستعمارية، فيمكن وبسهولة ملاحظة أن المرحلة الأولى التي شهدت عالمية الولايات المتحدة الأمريكية أن قوة الدفع الإمبراطوري الحقيقية كانت متوفرة ومتماسكة وتمتلك من العنفوان ما يكفي لاسيما بعد تحقيق انتصارات كونية خلال الحربين الأولى والثانية فيما انهزم أمامهم الخصوم والأعداء فكانت حقبة الهيمنة العالمية لهم بلا منازع.. ولكن المرحلة الحالية تبدي افتراقات واضحة عن المرحلة السابقة.. فالمرحلة الحالية تشهد حالة تضعضع قوة الدفع على صعيد الإمكانات والروح المندفعة فبعد ان سقط الاتحاد السوفيتي وهو شق الحضارة الغربية في ثوبها الاشتراكي كان المنطق يدعو إلى سقوط الشق الرأسمالي القائم أصلا على حالة الصراع مع الشق الأول ورغم ان الامبرياليين الرأسماليين حاولوا بسرعة استحداث خصم استراتيجي لهمالإسلامإلا أنهم ضربوا في التيه، وخانتهم قراءاتهم السطحية الحاقدة على الإسلام فانخرطوا في حروب مباشرة في العراق وأفغانستان فكانت إيذانا ببداية الانهيار في الشق الرأسمالي هذا في حين بدأ العملاق الآسيوي بالصعود الاقتصادي والصناعي ولكي لا تفلت الريادة من الولايات المتحدة علا صوت السلاح والتهديدات المسلحة ليتحول العالم إلى ترسانة عسكرية في بحر الصين والمحيط الهندي وما تنبعث من رسائل تحذيرية ببدء حرب عالمية ثالثة، مما يعني ان الأمريكان يشعرون بعمق ان الخطر الصيني أصبح أكثر من كونه كابوسا مزعجا بل واقعا منتشرا وقويا هذا بالإضافة للكتلة الصامتة في أمريكا اللاتينية وأفريقيا السوداء وكذلك الكتلة المصارعة في الوطن العربي والعالم الإسلامي.

معركتنا الحقيقية:

أن نتعرف على ساحة المعركة الحقيقية يعني أن ننسحب فورا من المعارك الوهمية و أن نتزود بما يناسب المعركة الحقيقية من أداوت وأساليب وتخطيط.. وهذا يعني تضييق مساحات التناقض الداخلي مهما كانت دوافعه والنظر الى الواقع بما له من امتدادات خارجية.

فباختصار شديد إن الهيمنة الأمريكية كمركز للامبريالية الغربية وكحامل لإرثها الاستعماري تعمل على نهب ثرواتنا، وشل قدرتنا على النهوض للقيام بدورنا الإنساني الحضاري، فهي تمتلك تجارب عديدة في إبادة الشعوب وتراثهم وتحويل تاريخهم إلى أفلام هوليوود وصناعة رواية أخرى لهم، وتزداد ضراوة المعركة بصعود نجم العنصريين من الإنجيليين الذين يضفون على السياسة بعدا دينيا عنصريا.. ولعل تساوق الرئيس الفرنسي واليمين الفرنسي مع ذلك يذهب بالصراع إلى العدمية ويفقد الفرصة في حوار ندّي يحفظ للمجتمعات الغربية إنسانيتها وللبشرية الاستقرار والسلام.

أما نحن في بلادنا العربية فيجب أن لا نخاف على هويتنا، ولا على لغتنا، ولا انتمائنا، لأن حفظ هذه المعاني مكفول من الله لنا، ولا داعي لهذه المعارك الدينكشوتية التي نستدرج إليها.. ولكن النصر والتمكين والتفوق غير مكفول إلا بالعمل بشروطه وسننه، وشروطه في استجماع كل عناصر القوة العلمية والنفسية والفنية والتقدم بحكمة وتركيز للنمو الاقتصادي والعلمي والروحي والقيمي وهذا يكون منزلا في برامج الأحزاب والقوى السياسية والجمعيات الثقافية والنخب السياسية.

وجنبا إلى هذا وشرطا لنجاحه يكون السعي الجدي والمسئول من أجل إيجاد روابط التشارك، والتكافل بين بلداننا العربية، ببناء سوق عربية، وفتح الحدود، وتشجيع العلاقات الاقتصادية والثقافية بين بلداننا، وبناء مؤسسات حقيقية، يكون لها دور التوجيه والتوحيد، فمن العبث تصور أن أي بلد عربي سيحقق نهضة، أو أمنا قوميا له بدون تساند عربي وتكامل وتوحد، ومن هذا الباب نكون فتحنا مستقبلنا على وعد بالنصر والتمكين، والله غالب على أمره.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك