ممنوع الهزيمة.. فأمتنا تجيد الصبر والنصر

قدرنا

بقلم: صالح عوض

يروي الشاعر الداغستاني رسول حمزاتوف أن بعضا من أبناء قريته اختصموا على إثر قيام مجموعة من الغربان بقتل نسر.. بعضهم يقول: إن الغربان هزمت النسر، وبعضهم يقول: إن النسر لا ينهزم.. فاحتكموا الى رسول فشهد أنه رأى الغربان تقتل النسر فرد الرافضون: نعم إنها قتلته لكنه لم ينهزم.. 

وسمعت الشيخ آية علجت: أن أحد المنهزمين كان يواجه الناس المؤمنين بالثورة فيقول: الاستعمار حجرة والشعب بيضة لو ضربنا الحجرة بالبيضة او البيضة بالحجرة من يكسر الآخر؟.. وبعد أن انتصرت الثورة ذهب إليه الناس: ها قد انتصرت البيضة على الحجرة.

يظل العدو يراقب الروح المعنوية لأصحاب الحق فهي خصمه الوجودي.. ويفسر الفلسطينيون ذلك في أمثالهم: “إن المدمي- القاتل- لا ينام الليل”.. وما ضاع حق وراءه مطالب.

ليس للتسلية:

لابد من تكرار القول أننا أمة عظيمة وأننا صنعنا حضارة بكيان سياسي في رقعة من الجغرافيا لم تتسن لسوانا من الأمم، من العبث واللامسئولية أن ندير ظهرنا لها لاسيما وان عناصرها لازالت قادرة ان تمنحنا القوة والحضور في مسرح الصراع العالمي، وهنا وفي بداية الحديث عن قيمة التاريخ في وعينا لابد من التأكيد على ان الرجوع إليه ليس للتسلية والتمترس في خانة الزهو والافتخار والدفاع النفسي والاحتماء به في مواجهة الضغط الرهيب الناتج عن انكسارات ونكسات متوالية خلال عقود من الزمن.. إنما لاكتشاف طبيعة هذه الأمة وخصائصها في مواجهة التحديات، واكتشاف سنن التاريخ الفاعلة بتراكبها مع طبيعة الأمة وطبيعة القضايا التي تواجهها فتصنع الواقع التاريخي..

نجد في حلقات الصراع الذي اقتحمته الأمة عبر مئات السنين أن السمة الأبرز في تكوينها النفسي قدرتها على الصبر، وهنا لعله من الضروري تبيان معنى الصبر فلطالما تم تشويه هذا المصطلح.. فالصبر يكون في عدم القدرة على فعل مغاير عن الواقع المفروض لكن مع كامل اليقين بما لدينا من حق وعدم استعداد مهما بلغت قسوة اللحظة للتنازل عن بعض الحق، وظل هذا الصبر العميق والجميل سمة واعية فالصبر ليس قبولا بالمهانة وليس تماشيا مع الواقع أو تكيفا مع الباطل إنما عدم السماح لمنطق العدو أن يخترقنا بمبرراته وتشويهاته وروايته..

ولذا كان من السهل على الأمة أن تنبعث للنصر غير معوجة المفاهيم أو ملتوية النفس او مستبدلة القيم وذلك متى توفرت قيادة رشيدة وجيل نوعي يتقدم الصفوف للمواجهة الفكرية والثقافية والتنظيمية وفي هذا صدق من قال: “لئن كان سريعا انكسار العرب فان انتصارهم سريع كذلك”.. صحيح هناك عوامل جوهرية أسهمت في تشكيل الوعاء النفسي للأمة وهذا يقودنا الى صحرائهم القاسية وكيف أسهمت في تكوين سمة الصبر وجاء الإسلام ليمتدح فيها صفات وسجايا لا تخبو في ظل تبدل الظروف وتحولها.. فكانت القيم المتوارثة هي الحاضر القوي رغم كل ما يمكن أن يطرأ على سير الأحداث.

وللتاريخ سننه التي لا تتبدل.. ومن أهم ما يتجلى في مسيرة الأمة أن الانكسار السياسي والعسكري إذا لم يلحقه انكسار نفسي فبمقدور الأمة عما قريب أن تعود بقوة وتدفق للانتصار وهذا ما حصل في محطات كثيرة في دحر التتار وطرد الصليبيين و الاستعمار الفرنسي من الجزائر والاحتلال الأمريكي من العراق وأفغانستان..

إن التأمل في واقعاتنا التاريخية الكبرى في الرد على الانكسار يكتشف أن القيم التي نصرت جيش محمد عليه الصلاة والسلام لم تتبدل ولم تتغير وبرزت بوهجها وكأنها تتنزل التو من السماء.. هذا ما شاهدناه في مسيرتنا عبر قرون طويلة.

فالتاريخ بهذا المعنى لا يزودنا فقط بمعلومات تاريخية ولا بسياق تاريخي إنما يدخل بنا الى عمق النفس البشرية وشبكة العلاقات الاجتماعية ليكشف عن كيفية تشكلها في أتون الصراع أو في مساحات الاسترخاء.. ويزودنا بتسليط الضوء على طبيعة الأمة النفسية في تعاملها مع التحديات كما يبرز لنا القيم التي أخرجت أمتنا من الانكسار… وهنا يكون دور القيم وعلى رأسها الصبر على صون اليقين في القلوب و عدم التنازل عن أي مفهوم من مفاهيم شخصيتها.. فالصبر هنا هو الكنز الذي سيحتاجه القادة في لحظات التغيير الكبير والتصدي الحقيقي.

الإجابات الفاشلة:

عندما انبرى رهط من المثقفين لمعالجة ما نحن فيه، و تجاوزوا التدبر في طبيعة الأمة وحلقات التاريخ والمواجهة وبما تميزت من قيم وسنن.. عندما كان هذا نهجهم ارتطموا بواقع صلب ذلك أن ما اقترحوه من علاج لم يجد له مستقبلات لدى الأمة لأنه مستورد او مهجّن ليس له قدرة الانسيابية في عروق الأمة و المتدفق في دمها..

في السياسة والاقتصاد و بناء المجتمع كان جسم الأمة يرفض عمليات التركيب الاصطناعي ورغم كل ما مورس من عنت وقهر وكان جسم الأمة سريعا ما يرفضه ويلقيه مهشما.. وهكذا فشلت كل مشاريع النهضة والتنمية والوحدة الغريبة عن ضمير الأمة وحسها عن القيام بمهماتها فضلا عن تحقيق أهدافها..

فلقد كان لسان حال هذه الإجابات انه من الضروري النظر إلى الإنسان والمجتمع في بلداننا على اعتبار حاجته للتنمية والتطور، بعيدا عن أي موروث قيمي أو ثقافي.. وأحيانا في ظل محاربة الموروث الثقافي والقيمي، او من خلال عمليات هزؤ لتجديد التراث وإعادة تشكيل مفاهيم وقيم وكأن الأمة عبارة عن بناية يمكن ترميمها واستبدال بعض أجزائها وإدخال أجزاء أخرى في شخصيتها.

إن ممارسة أدوات العلم بتخصصاته في علم الاجتماع والتاريخ والنفس تقودنا إلى التشبث بالخصوصية التي عليها أمتنا وتجيبنا بوضوح عن أسئلتنا بخصوص تخلفنا وانكسارنا وذلك في سياق محاولاتها للبحث عن إجاباته على أسئلتنا الملحة.

وعندما نستبدل كل هذا الجهد، ويصبح شغلنا هو تمرير مصطلحات و معيارية ما ليس لها علاقة بمجتمعاتنا والإنسان فيها إنما نكون كمن يحرث في البحر.. وتنتهي محاولاتنا الى إخفاق تلو إخفاق، معمقة الهزيمة في محاولتها المساس بروح أمتنا.

لم يعد مبرر لاجترار إجابات مقطوعة الصلة عن ضمير امتنا ووجدانها وتجربتها التاريخية الغنية ولم يعد مبرر للإجابات المنهزمة الخاضعة لميزان القوى القائم، تلك التي لا تملك اليقين في قيمة الصبر على الحفاظ على منظومة قيمنا في وجدان الأمة، فقاد الوهن والعجز لأصحاب هذه الإجابات إلى التنازل للعدو تلو التنازل عن أجزاء من الحق بمعنى انها تفتح أمامه الطريق للهيمنة على كل وجودنا.

فالإجابات الفاشلة ليست فقط التي تأتينا معلبة من عواصم الاستشراق عن طريق العلمانيين إنما أيضا تلك التي لا تدرك وجدان الأمة وضميرها والقيم المتحكمة فيه، فتأتي مسخة تلفيقية منهارة أمام رواية العدو التاريخي، وترفع راية الاستسلام له قبل دخول المعركة.

الرؤية الإسلامية:

لم تعترف الرؤية الإسلامية بالهزيمة المعنوية، وأما المادية فقد ربطتها بأسبابها المرافقة لها واعتبرتها جولة استثناء لن تكون مؤبدة للأحرار.. ولقد جاء القصص القرآني بمشاهد المواجهة بين قوى الخير والشر، فأبرز سنن المواجهة وأخلاق الصراع، وفي كل تلك المشاهد أبرز روح الانتصار واليقين لدى قوى الخير مهما كانت النتائج المادية للمواجهة.. بل وأكد في أعقاب كل مواجهة على تجلي الانتصار الروحي والمعنوي وهو بهذا قاد المعركة إلى زاوية أخرى تقصر النظرة البشرية للوهلة الأولى عن تدبرها.. إنها زاوية انتصار العقيدة والمبدأ على بريق السيوف وزمجرة الباطل وحشوده.. فلم تهتز العقيدة ولم يتراجع المبدأ.

ثم جاءت أحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وسنته العطرة ليشرح المعنى لهذا القصص المحكم فيصف نتيجة المعركة بإحدى الحسنيين: إما النصر أو الشهادة.. واستمرت أحاديثه الشريفة تحبب الاستشهاد للنفوس، إلى درجة أن كثيرا من المسلمين سابقا ولاحقا انخرطوا في المعارك يبغون الشهادة.

  المثقفون والعلماء:

المثقفون المنخرطون في أعمالهم لاسيما الإعلامية والعلماء خطباء المساجد والفقهاء والمتحدثون في العقيدة والفقه تقع عليهم مسئولية كبرى في معركة الصمود والصبر الجميل في مراحل غلبة العدو علينا، وكما رأينا ملأ من المثقفين الإعلاميين والأدباء يحاولون اختراق جبهتنا الداخلية فإننا وجدنا من بعض من يتجشم حمل راية الدين خطابا يتحرك بتضليل كبير عندما يحاول تقديم تفسير للنكسات والنكبات على أنها امر الله وقدره وما علينا ان نضج ولا نرفض، وهنا تكون العملية أكثر خطورة لأنها تتحرك بالمقدس الأكبر القران ومنزل القران سبحانه وتعالى عما يصفون.. جربنا هذا في الجزائر عندما استولى القبوريون والطرقيون على توجيه الناس بقدرية الاستعمار فكان لهم ان يصبحوا أداته الخطيرة.. ولكن لابد من التنبيه أن الشعب الذي كان موزعا على الطرقية وقبور شيوخها عندما هتف فيه المجدد الكبير الإمام ابن باديس بروح الإسلام وقيمه هب الشعب الجزائري الى مدارج العلا يتعلم ويتثقف ويزيح عن أفهامه وقيمه ما حاولوا اختراقه بها.. فأشرق الإسلام في الجزائر من جديد بكل معطياته الايجابية..

كمثقفين بالذات الإعلاميين تأخذهم اللحظة البارقة فيرسمون المشهد مقطوعا عن تواصله الطبيعي ماض ومستقبل وهنا تكمن الخطورة في دورهم حيث يصبح كثير من هذه الفئة عبارة عن قنوات تضخ في المجتمع ما يتم الإفراج عنه من إشاعات وروايات،

صحيح إننا كأفراد وكمجتمع وكأمة معرضون في مواجهة التحديات أن لا نكون مؤهلين.. فنسقط في وهدة من وهاد الطريق ونخسر من طاقاتنا بلا جدوى ويظن البعض أننا سنتبخر وان علينا المغادرة من حيز الفعل فلا تصبح الأمة مقبولة بهويتها ولا نصبح نحن مقبولين بمفاهيمنا.. ويرسم آخرون مستقبلهم على ضوء  سقطتنا وهم لا يعرفون جيدا ان من لديه تراكمات القوة لا يضيره ان يكبو مرة ومرتين لان قوة الانجاز في روحه تمثل له النموذج العملي الممكن.

هكذا علينا التزود بالتفاؤل لأن ذلك فضلا عن كونه سلوكا مسئولا فهو كذلك ما نكتنز من إرث الانجازات العظيمة انتصارات ونهضة وعلوم وحضور على مستوى العالم كبير أفقيا وطوليا فلماذا يراد لنا ان ننظر الى الخلف على أنه صحراء لا قيمة له أو انه كان مجرد صدفة أو انه كان بفعل ظروف استثنائية..

العلماء والمثقفون الذين يحسون بحجم المسئولية يتحركون ليبثوا في أوساط الشعب والأمة ثقافة الانتصار للنهضة والتحرير والوحدة: ننتصر او ننتصر هذا قدرنا والمطلوب في الطريق صبر جميل وإرادة فولاذية وتفاؤل بالغد القريب.. لأننا بذلك نكون حققنا الخطوة الأولى في الانتصار على من يتربص بنا الهزيمة والسقوط المدوي والنهائي.

ولعل نكبة فلسطين هي الأكثر إثارة في هذا الباب حيث تبدو كل قضايانا الأخرى أقل تعقيدا منها.. ولكن المنهج والرؤية هي نفسها في النظر إلى فلسطين فصحيح أنها اليوم تقع كلها تحت سيطرة القوة الغاشمة الصهيونية العنصرية ويقوم المستوطنون بتغيير المعالم وصولا إلى المسجد الأقصى لتشويهه وتهيئته للانهيار، وقد ينهار في لحظة ما، ولكنهم مع كل ذلك لم يأتوا بخارق، فلقد سبقهم الصليبيون الفرنجة بأن حولوا المسجد الأقصى إلى إسطبل خيل أكثر من 80 سنة وأهانوا كل مقدس في فلسطين وأجلوا أهلها جميعا منها بعد أن قتلوا في يوم واحد في ساحة المسجد الأقصى 70 ألفا.. ثم ماذا بعد؟ ذهب الفرنجة وأشرقت فلسطين انتصارا عظيما.

كلمتنا الأخيرة:

نحن نتوجع من تخلفنا ونتألم من ارتباكنا وتصيبنا الحيرة ونحن نبحث عن البداية.. هذا صحيح و لكن الذي لابد من إدراكه ان قوة الوعي التي تتنامى والإحساس بالظلم الذي يتقد والإيمان بالحق الذي تزيده الأيام رسوخا كل ذلك سيجد سبيله بالانطلاق في انتصار عزيز ينهي مرحلة بكاملها.

الكلام هنا ليس شعرا ولا أمنيات مقطوعة الصلة عن الأسباب، بل هي عين الحقيقة ونحن نرى كيف ينهار الإمبرياليين الكبار؟ وكيف يصبحون فضيحة كبرى في مواجهة تحدياتهم؟ وكيف لا تغنيهم دعايتهم وإعلامهم وسياسيوهم ولا أسلحتهم وكيدهم عن السقوط في ميادين الحياة؟

إننا منتصرون، بعد صبرنا الجميل فلا زالت امتنا تكتنز قيمة الوحدة والسيادة والعدل والنصر والنهضة ولم تفرط بشيء من هذا فما بقي الا النصر لنرفع عنا وعن البشرية الضنك والغبن والتمييز العرقي والطبقي ولينتشر السلام على العالمين و.. والله غالب على أمره

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك