مملكة النمل … تسائل الذات والمجتمع العربي وتنتقد الاستبداد

الروائية والمترجمة العراقية ميادة خليل في حوار حصري مع “الوسط “

– قرأت لآسيا جبار وأُعجبتني كثيراً

 –  الأدب الجزائري ظُلم إعلامياً وهناك أسماء مشهورة تمثله عربياً

 –  أحن إلى وطن حر، لا يشبه ما أراه الآن

 –  الإنسان هو موضوعي وقضيتي في جل كتاباتي

–   علاقتي بالترجمة بدأت عند بحثي حول الكتابة والرواية

انفردت يومية “الوسط” بحوار حصري الأول من نوعه في الجزائر والمغرب العربي مع الروائية والمترجمة العراقية ميادة خليل، التي كشفت لنا عن تفاصيل روايتها الجديدة ” مملكة النمل” التي صدرت عن دار نابو للنشر والتوزيع ببغداد في 2019، وعليه فلقد اختارت هذه الكاتبة المتألقة توظيف الخيال الساخر، في هذا المؤلف الذي يعد نقلة نوعية في مشوارها مع عالم الكتابة أين تسائل فيه الذات والمجتمع وتوجه سهام نقدها إلى الاستبداد وإلى استعمال الحريات أيضا، وكل ذلك في عالم مواز تحكمه ضبابية المفاهيم، وعليه فمن المرتقب أن يلقى هذا العمل الأدبي اهتماما كبيرا من طرف القارئ العربي الذي تستهويه المواضيع الجادة التي تحاكي واقعه  بالدرجة الأولى وأحلامه المفقودة، حيث سيتسنى له اكتشاف  أسرار هذا الكتاب القيم الذي من المحتمل  أن يتواجد في  مختلف المعارض الدولية والعربية المخصصة للكتاب. ولقد كشفت لنا هذه الكاتبة العربية المقيمة بهولندا ، عبر هذا  اللقاء الشيق معاناة الشعب العربي داخل وطنه فهو يسعى جاهدا  إلى تحقيق  الحرية الفردية والجماعية دون فرض أي  قيود  تساهم في قتل روح  الإبداع لديه  وعدم تشجيعه  للمضي قدما نحو الأفضل، لذا يرى هذا الأخير أن ركوب موجة التغيير هو الحل الأمثل للخروج من هذا الواقع المرير الذي يعاني  منه مختلف المبدعين العرب الموزعين  على مختلف أرجاء العالم، وبالتالي فما أحوجنا  اليوم إلى هذه الأفكار التي تنير العقول عبر بوابة الكتابة  التي تفتح المجال أمام المثقف للتعبير  عن آرائه في هذا المنبر الحر  الذي أتاح  له الفرصة  لتسليط الضوء على معاناة  الإنسان العربي من الأزمات السياسية التي  أثرت سلبا على نفسيته واستقراره وجعلته يعيش في حالة ذعر كل الوقت.

 

 

بداية، متى دخلت عالم الكتابة والإبداع؟

 

اخترت الشكل الأدبي للكتابة (الرواية) العام 2013 تقريبا، لكني لم أعرف كيف أبدأ. لذا قرأت الكثير من المقالات والكتب عن كيفية الكتابة عموما والروايات بشكل خاص. قررت ذلك بعد قراءة روايتي خالد حسيني اللتين حققتا شهرة واسعة جداً في هولندا بعد ترجمتهما إلى اللغة الهولندية. الرواية نوع أدبي حر، ويمكنه من خلاله بناء عالم كامل بكل تفاصيله وبكامل حريتك. وهذا ما أحببته؛ الحرية هو ما أحققه عند كتابة الرواية، والكآبة هو ما يحدث لي بعد الانتهاء من كل رواية. لأني ببساطة أدخل عالم، كون كامل، وأعيش فيه على مدى شهور أو حتى سنوات الكتابة، ثم أخرج منه وكأني طُردت بإرادتي منه. شعور شبيه باليتم. لكن القصة يجب أن تنتهي.

بدأت بكتابة روايتي الأولى “نسكافيه مع الشريف الرضي” وكانت مسودة طويلة جداً، مع تفاصيل كثيرة وسطحية للغاية. وبعد ذلك المسودة الثانية التي استمرت لشهور؛ أكتب وأشطب صفحات كاملة دون تعب أو شعور بالندم، وأحداث القصة تدور في رأسي ليل ونهار. وصدرت الرواية العام 2016. تحقق عندها أول حلم لي كاتبة للرواية.

 

لمن تقرأ ميادة خليل؟

 

ليس لدي كاتب محدد. أقرأ ما يهمني وما يشدني من الصفحات الأولى. أنا قارئة غير صبورة مع الأسف.

 

 

 

  نتساءل عن مضمون ورمزية عنوان روايتك الجديدة ” مملكة النمل”؟

 

“مملكة” النمل يمكن تصنيفها على أنها رواية سياسية ساخرة، تتناول عالم متخيل بالكامل تحت مسمى “الأمة”. والعنوان يشير إلى تراث الأمة وحكاياتها الشعبية “حكايات النمل” التي تناقلتها الأجيال بإيمان شديد على أنها مقدسات، وحددت بذلك أخلاقيات المواطن في الأمة.

 

 

 هل لك أن تقدمي لنا اقتباسا من عملك الروائي الجديد؟

 

ألّا تشعر بالخوف. هل هذه هي الكرامة؟

الكرامة ألّا تحتاج أحداً. أن لا تجوع.

قلت كل هذا لصديقي. هو يبحث عن كرامة مختلفة عن كرامتي. هو يريد إنقاذ الكون وأنا أريد إنقاذ عائلتي فحسب.

أنا أرى الزعيم إلهاً، والحكومة مقدّساً. هو يرى الزعيم موظفاً في الحكومة، والحكومة في خدمة شعبها. هو يرى أن الحرية في أن لا نخاف، وأنا أرى الحرية في أن لا نجوع، أو بالأحرى: أن لا أجوع أنا وعائلتي”

 

 

 

 

 

ماهي المواضيع والقضايا التي ركزت عليها جل مؤلفاتك؟

 

الإنسان. هو موضوعي وقضيتي.

 

حدثينا عن باكورة أعمالك “نسكافيه مع الشريف الرضي”؟

 

روايتي الأولى” نسكافية مع الشريف الرضي ” تتحدث باختصار عن الحرب والاغتراب وآثارهما على الإنسان مهما اختلفت الثقافات. وهي رواية قصيرة مع أحداث مكثفة. المتفرج على أحداثها الشريف الرضي، فهو خارج الرواية وداخلها في الوقت نفسه. الرضيّ شاعر عراقي عظيم، عبر عن عراق الأمس واليوم وربما المستقبل كما لم يعبر عنه شاعر آخر، وقصائده كما لو أنها كُتبت الآن، وهذا هو الأدب الأصيل، الحقيقي؛ عابر للزمن.

 

 

 

 ما الذي عالجته من خلال روايتك “الحياة من ثقب الباب”؟

 

“الحياة من ثقب الباب” فهي رواية أكثر عمقاً واتساعاً، تناولت تاريخ العراق لنحو نصف قرن منذ 1944. بطلتها “غزوة” التي عبّرت من خلال حياتها وصراعاتها وقدرتها الخارقة عن الكثير مما جرى في العراق تلك الفترة.

 

 

ماهي العلاقة التي تربطك بالترجمة؟  وهل لك أن تعطينا لمحة عن الكتب التي ترجمتها؟

 

كما ذكرت سابقاً؛ علاقتي بالترجمة بدأت عند بحثي حول الكتابة والرواية. الترجمة هي الباب الذي من خلاله دخلت إلى عالم الرواية. أترجم كهاوية. شغف مشاركة الآخرين ما اقرأ وما أجده مهماً هو ما يدفعني لمواصلة الترجمة إلى حد الآن. أنا قارئة؛ والقارئ الجيد باحث في الأساس. كل الكتب التي ذكرتها في سؤالك اخترتها كوني قارئة أولاً، أعجبني الكتاب وأدركت أهميته للقارئ العربي، وهذا هو الأساس الذي اعتمد عليه دائماً في الترجمة. لا أترجم كتاباً بطلب من الناشر، إلا إذا أعجبني اقتراحه بالطبع.

 

 

 ما المكانة التي تحتلها مدينة البصرة والعراق في أعماقك؟

 

البصرة محل ولادتي ونشأتي. بالتأكيد محل الولادة والنشأة يبني أساس شخصياتنا، ويشكل جزء من هويتنا، التي تتغيّر وتتخذ أشكالا أخرى وفقاً للتجارب التي نعيشها في الحياة، لكن الطفولة فطرتنا التي نعود إليها دائماً.

 

 

ألا تحنين إلى وطنك الغالي؟

 

 

أحن إلى وطن حر، لا يشبه ما أراه الآن. العراقيون طالبوا بأبسط مستلزمات العيش طوال 16 عاماً من حكم الأحزاب الطائفية القمعية التي فتكت بما تبقى من البلاد بعد سقوط البعث. فلم يجدوا في وطنهم إلا عصابات تقتلهم، ولا مبالاة أكبر. لذا أصبح صوتهم أعلى، ومطالبهم أعمق: “نريد وطناً حراً”. العراقيون الآن يريدون الحرية، ولن يوقفهم أحد، ولا حتى الموت.

 

 

هل لك إطلاع مسبق بالأدب الجزائري؟

 

هناك أسماء مشهورة تمثل الأدب الجزائري عربياً، لكني لا أقرأ لهم. قرأت لآسيا جبار بترجمة هولندية، وأُعجبتني كثيراً. الأدب الجزائري ربما ظُلم إعلامياً (مثل الأدب الليبي والعراقي). لذا من محاسن وسائل التواصل الاجتماعي أنها سمحت لنا الاطلاع على أكثر من “المشهور” والمعروف. أقرأ لفتاة جزائرية في الفيسبوك اسمها أسماء جزائري، تكتب النثر والمقالات، لغتها مدهشة وأسلوبها “شخصي” جداً وأتوقع لها مكانة مهمة في الأدب الجزائري والأدبي.

 

 

كيف تصفين لنا الواقع الثقافي في هولندا؟

 

لا يمكن وصف واقع أدبي وثقافي في إجابة قصيرة. فالأدب الهولندي عريق وطويل ومتنوع ومتطور جداً؛ لغة وأسلوباً وشكلاً، والشعب الهولندي قارئ ومتابع وناقد حاد وحر في طرح رأيه حول أي كتاب أو كاتب. لا حدود ولا عوائق أمام الكاتب، ومن ثمّ القارئ بطبيعة الحال. الثقافة عموماً هي ثقافة حرية وتنوع وفضول إلى كل ما هو جديد، “التجديد” ربما هي الكلمة المناسبة لتصف الثقافة الهولندية. خبر صدور كتاب يشهد دائماً ما يشبه الاحتفاء من قبل القرّاء، رغم الإصدارات الكثيرة كل عام والترويج الهائل لأسماء محددة، لم يقلل ذلك من همّة القارئ في البحث واستعراض كتب لم تنل الدعاية التي تستحقها. فالقارئ الهولندي باحث وناقد بامتياز، وهذا بالطبع يثري الأدب والثقافة عموما ويُحمّل الكاتب مسؤولية كبيرة في اختيار موضوعاته و”التجديد” في كتاباته.

أقرأ المجلات الأدبية الدورية الهولندية بانتظام، والتحق بمجموعات قراءة بين الحين والآخر، يدهشني في كل مرة سعة اطلاعهم وتنوعه في القراءة، وأهمية الكتاب بالنسبة للمجتمع الهولندي، وفهمه وعقليته الناقدة والتحليلية (وهذا يأتي من القراءة الواعية)، فالمواطن الهولندي واسع الثقافة، وكما سبق أن قلت؛ كل هذا يُحمّل الكاتب مسؤولية كبيرة تجاه ما يكتب، لأنه سيواجه قارئا ناقدا وواعيا.

 

 

 ما هو النداء الذي تريدين توجيهه من منبر “الوسط “؟

 

أعلم بأن هذا النداء لن يسمعه أو يُفعّله أحد من أصحاب السلطة والنفوذ: لكن أحب الإجابة لأرضي شيئا ما في نفسي: اوقفوا نزيف الدم في العراق.

 

 

ماذا عن تفاعلك مع المواقع الإلكترونية والصحف العربية؟

 

أتابع بعض المواقع الأدبية. أما الصحف العربية فأقرأ بين الحين والآخر بعض المقالات لنقاد وكتّاب احترمهم وأعلم بأنهم يبذلون جهداً في الكتابة وليس لتعبئة الأعمدة فحسب.

 

 

 هل لك أن تكشفي لنا عن طموحاتك ومشاريعك المستقبلية في مجال الأدب؟

 

لدي الكثير من الأفكار والمشاريع الأدبية التي أنوي القيام بها. وأنا في مرحلة الإعداد، وهذا يتطلب وقت طويل جداً.

 

 كلمة أخيرة للقراء؟ 

 

” اكتشفوا مزاجكم الخاص في القراءة من خلال البحث، كما لو تبحث عن نفسك. ولا تعتمدوا على اقتراحات وترويجات مواقع التواصل الاجتماعي.

 

 

الروائية والمترجمة العراقية ميادة خليل في سطور…

 

 

ميادة خليل روائية ومترجمة ومدونة من مواليد البصرة 1971، مقيمة في هولندا منذ العام 1995، حاصلة على شهادة البكالوريوس في الرياضيات التطبيقية من الجامعة التكنولوجية .صدر لها من الروايات: “نسكافيه مع الشريف الرضي”، منشورات المتوسط، 2016/”الحياة من ثقب الباب”، الكتب خان،2018 / “مملكة النمل”  الصادرة عن دار نابو للنشر والتوزيع ببغداد  2019 ، و صدر لها من الترجمات: “الروائي الساذج والحساس”، أورهان باموك، منشورات الجمل، 2015/ “أصوات، مقالات مترجمة” دار الفراشة، 2015/ “امرأة في برلين”، مجهول، منشورات المتوسط، 2016/”العميل السري”، جوزيف كونراد، منشورات المتوسط، 2017 ، بالإضافة إلى المقالات والحوارات والقصائد المترجمة التي نشرت في المواقع الإلكترونية والصحف العربية، وفي مدونة ميادة خليل منذ عام2012.

حاورها: حكيم مالك 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك