ملابسنا تصنع بجوع الفقراء ودم العبيد

عبودية

بقلم: صالح عوض  

 

أجل هناك زاوية مظلمة في العالم حيث يستعبد فيها ملايين البشر تستنزف دماؤهم وعرقهم وتستعبد أرواحهم كي تتربح الشركات الرأسمالية الضخمة والدول المنهمكة في تحويل البشر إلى عبيد..

قطاع صناعة الملابس وبيعها في العالم  تضرر كثيرا بجائحة كورونا وتحول ملايين العمال إلى الهامش فما هي حقيقة ان يكون احد أهداف كورونا بروز هذا الواقع المتردي لهذا القطاع؟  وهل نحن نسير نحو مرحلة أكثر تحكما استغلاليا في مجال صناعة الملابس؟ ما هي حقيقة التجارة بالملابس وآثارها على اقتصادنا وقدرتنا الشرائية وعلى أذواقنا والبيئة؟

رحلة طويلة من مزارع القطن والمواد الأولية والمؤامرة علي المزارعين والعمال إلى مصانع الخياطة والمنتوجات المضرة بالبيئة و اضطهاد العمال وتحطيم أرواحهم والتحكم في مستويات معيشتهم و تحويل الملايين من البشر إلى شريحة العبيد.

عالم يديره كبار أصحاب المال بلا أخلاق و في صمت مذهل لا يلتفت إليه إلا القليل من البشر المخنوقين والذين لا يواصلون الكشف عن الحقيقة المؤلمة على الصعيد الإنساني وهي تكبل المجتمعات الفقيرة في آسيا بالذات حيث الكتلة البشرية الأكبر لتفرض أبدية الفقر عليها.. ان ملابسنا تصنع بدماء العمال انه الثمن الحقيقي لملابسنا وان كانت الكارثة الآن تتركز في الصين ويكفي إن نشير إلى ملايين المسلمين في تركستان الشرقية وكيف يتم تحشيدهم في محتشدات ضخمة والانخراط في مصانع خياطة توزع منتوجاتها على العالم.

والموضوع له صلة وثيقة بتدمير صناعة الملابس وإنتاج القطن والكتان في البلدان النامية وما يتبع ذلك في مجال العمالة والبطالة ونزف الثروة الشعبية وكذلك تدمير الذوق الخاص التقليدي وتعليب الذوق العام و المنافسة بالرديء الرخيص الذي ينتهي إلى خطورة حقيقية على البيئة.


صناعة النّسيج والملابس

عملية تّبادل غير متكافئ بين الدول والمربعات الكونية هكذا كان وهكذا هو الآن منذ بدأ توحيد العالم تحت هيمنة قادة الاقتصاد العالمي “العولمة” مع هيمنة الاستعمار الغربي على العالم وانتشار ثقافة التعميم.. قصة طويلة متشعبة للتدافع الاقتصادي بين السياسات الاقتصادية العالمية شهدت تطورات وتغيير مراكز الفعل بخصوصها وقد تمت استخدامه كأداة استثمار استعماري للسيطرة على السوق والاحتكار في مرحلة ما ومادة تدر الثروة وتحقق النفوذ والتوسع في مرحلة لاحقة..

وفي هذه العملية يتضح التوجه العالمي بعد أن بدأ عصر النهضة الصناعية حيث أصبحت ضفتا الأطلسي غرب أوربا وشرق الولايات المتحدة أعظم مناطق الإنتاج الصناعي.. ولقد تميزت تجارة بريطانيا وتصديرها من المنسوجات والمصنوعات القطنية قبل أن تنهار مكانتها الدولية وفي تلك المرحلة كانت الهند عميلها الأول فيما كانت الصين من اكبر البلدان استيرادا للأقمشة البريطانية.. ولكن فيما بعد سعت الهند واليابان للتحرر من واقع التبعية للصناعات البريطانية في المنسوجات حيث بدأ إنشاء المصانع وتنشيط زراعة القطن وغزل الأصواف وتم التنافس في أسواق الهند والصين فتهاوى الاستيراد البريطاني، وأصبح التنافس داخل معسكر الجنوب حيث أخذت اليابان على عاتقها التنافس مع الهند في السوق الصينية.. وبعد ذلك بدأت الصين لزيادة الإنتاج القطني لاستهلاكه في السوق المحلية.. فيما ظلت المدن البريطانية التي كانت تعتمد القطن المصري طويل التيلة ولم تقفل سنة 1920 حتى تراجع موقع بريطانيا في مجال صناعة الملابس القطنية والحريرية ليتحول جيش هائل من عمال صناعة القطن الى البطالة وكانت سنة 1938 أسوأ سنة لصناعة الغزل في بريطانيا.

انتقلت صناعات النسيج والملابس من الدول الرأسمالية المتطورة إلى البلدان الفقيرة وقد فَرَضَ البنك العالمي وصندوق النقد الدّولي على الدول الفقيرة إقرار تشريعات وحوافز لصالح الشركات الأوروبية والأمريكية لصناعة الملابس، منذ نهاية عقد ستينيات القرن العشرين، في إطار “تشجيع الصّادرات”، لأن هذه الملابس ليْسَتْ مُعَدّة للبيع في الأسواق المَحَلِّية، بل يقع تصديرها لبلدان المَنْشَأ، حيث يقع المَقَر الرسمي لهذه الشركات الأجنبية، وتُشغِّلُ هذه الشركات العُمّال برواتب متدنّية، وعمومًا شَكَّلَ قطاع الغزل والنسيج والملابس، وصناعة الجِلْد، مُخْتَبَرًا لما سُمِّيَ “العَوْلَمَة الرأسمالية المُتوحِّشة” 

في مصر تم تدمير صناعة القطن بعد فتح الباب أمام الخوصصة وفي سورية منذ الحرب، فقد نهبت المصانع (بإشراف خبراء من الصناعات التركية) وباعتها بأبخس الأسعار إلى مصانع تركيا.. في مقابل ذلك كانت الصين تصدر ب(161 بليون دولار) عام 2016، وبحلول 2025 من المتوقع أن تصل قيمة صناعة الملابس في السوق الأمريكي إلى 385 بليون دولار.. ومن المتوقع أيضاً أن تحقق التجارة الإلكترونية 123 مليون دولار في الولايات المتحدة بحلول 2022.

آثار صناعة الملابس:

تستهلك صناعة النسيج والملابس كميات كبيرة من المياه، وتتسبّبُ بتلويث نحو 20% من المياه المُلوثة في العالم، إذ تتطلّبُ صناعة قميص واحد، نحو 2700 لتر من المياه، أو ما يُعادل معدّل استهلاك الفرد لفترة 900 يوم، وفق الصندوق العالمي للطبيعة، وتستهلك نبتة القطن مياها كثيرة، ويُشَكِّلُ القطن نحو 40% من المادة الأولية لصناعة الملابس، وهي صناعة مُلَوِّثَة، تستخدم حوالي 25% من الإنتاج الإجمالي للمواد الكيماوية المُصَنّعة في العالم، ومن ناحية أخرى فإن الأزياء السريعة تستخدم شيئًا آخر خطيرًا هو الرصاص، لتشكيل ألوان الأحمر والأخضر والأصفر والبرتقالي، والخطر في الأمر أنه لا توجد نسبة آمنة للتعرض للرصاص. وتستخدم هذه الصناعة عددا وافرًا من العُمال، ولهذه الأسباب انتقلت هذه الصناعة إلى البلدان الفقيرة المنتجة للقطن، نظرًا لتوفُّر القطن والمياه، ونظرًا لانتشار البطالة والفَقْر، أي العَمالَة الرّخِيصة، ورغم ادّعاء شركات بيع الملابس احترام البيئة والمحيط وصحة البشر، تتسبب صناعة الغزل والنسيج والملابس في دمار كبير للبيئة وفي أضرار جسيمة بصحة البشر، وتُعد صناعة الأزياء ثاني صناعة ملوثة للبيئة بعد النفط، وثاني أكبر مسبب لتلوث المياه، سندرك ذلك عندما نعلم أن 84% من الملابس تم التخلص منها في أمريكا عام 2012 عن طريق الترميد ومكبات القمامة. وعندما تحترق الألياف الطبيعية كالقطن والكتان والحرير، وشبه المصنّعة المخلّقة من سليلوز لب الشجر مثل الرايون، واللايوسل والمودال، تنبعث منها غازات دفيئة مثل الميثانوتُشكل صناعة وتجارة الملابس إحدى ركائز العولمة الرأسمالية والتبادل غير المتكافئ بين المركز الرأسمالي (أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية)، حيث تُباع الملابس الفاخرة بأسعار مُرتفعة، والمُحيط أو الأطراف (البلدان الفقيرة)، حيث يُزْرَعُ القُطْنُ وتُصْنَع الملابس بتكلفة منخفضة جدًّا، وحيث يتحمل السكان نتائج التلوث…ويتوقّع تقرير للأمم المتحدة ارتفاع حجم مبيعات هذا القطاع إلى تريليُونَيْ دولارًا، بحلول 2023 .

 انتشرت في أسواق قارة إفريقيا أشكال جديدة من الملابس التقليدية لنساء إفريقيا، مصنوعة في الصين، من نفايات النفط، أو من قُطْنٍ رديء. ولقد وقعت حادثة في بنغلادش، وذهب ضحيتها أكثر من 1300 عاملة وعامل، مع إصابة حوالي 2300 آخرين، في انهيار مصنع المنسوجات “رانا بلازا” ( نيسان/ابريل 2013) وينتج هذا المصنع نصف مليون سروال شهريا لأكبر شركات أوروبا وأمريكا الشّمالية، ويصل سعر القطعة الواحدة إلى أكثر من 100 ضعف ثمن تكلِفتها، و تتجاوز ساعات العمل ستة عشر “عند الضّرُورة”، بلغ متوسط الرواتب حوالي ستين دولارا شهريا في أكبر منتج للملابس (بعد الصين)، ويعمل بالقطاع في بنغلادش حوالي أربعة ملايين عاملة وعامل. إن ظروف عمال قطاع النسيج متشابهة، سواء في الصين أو في أمريكا الوُسْطى، أو في بنغلادش، فمعظم الأُجَراء عاملات شابات، يعْمَلْنَ في وضع شبيه بالعبودية، في مصانع ينقُصُها الهواء، والأمن والسّلامة المهنية،  وهي تصنع  لشركات من بينها “أديداس” و ( H&M) و ( C&A) و”زارا” وغيرها..

يُعاني سكان “بنغلادش” من الإنقطاع المستمر للتيار الكهربائي جراء استهلاك المصانع، كما يُعاني السُّكّان من التلوث الخطير لاستخدام خزّانات من الأحماض والأصباغ، فتُلَوِّثتُ الأرض في بلد يعيش نحو 70% من سكانه على الزراعة ومياه الشرب، و تلوثت مياه الأنهار وخليج البنغال، لتقضي على الأسْماك ، معظم هذه المخلفات غير قابلة للتحلل. أي أنها تبقى في مكبّات القمامة 200 عام وأكثر. ليس هذا فحسب إنما تُخرج أيضًا غازات ضارة للهواء الذي نتنفسه. وتمتد النتائج السلبية إلى السّكّان الذين ارتفعت بينهم حالات الإصابة بالسرطان،بينما ترفض الشركات العابرة للقارات شروط المكتب الدّولي للعمل، تبحث الشركات العالمية عن إنتاج سريع وأرباح ضخمة، بأجور منخفضة، ولا تريد تحمل المسؤولية البيئية والاجتماعية للمنتج ولا يعنيها الظروف التي يُصنع فيها المنتج، فماذا تفعل؟ فالعمل في قطاع النسيج يمْتَهِنُ كرامة الإنسان، في كافة مراحل سلسلة الإنتاج، فهم عبارة عن عبيد، بينما تُحَقِّقُ الشركات أرباحًا صافية لا تقل عن 60%.. وفي كل مرة ترتدي فيها قطعة ملابس كُتب عليها «صنع في كمبوديا» التي تزود المولات الأمريكية بملابس لماركات مثل: «GAP» و«ماركس وسبنسر» و«أديداس»، تذكر حينها خروج عمال الملابس الكمبوديين ليطلبوا حدًا أدنى للأجور 160 دولارًا، لترد عليهم الحكومة بوحشية، وتقتل البعض ضربًا والبعض ترسله إلى المعتقل. ولأن الغالبية العظمى من العاملين بهذه المصانع نساء قد تصل نسبتهم إلى 90%، فإنهن يتعرضن للتحرش الجنسي، والحوامل منهن يعانين من التمييز.

الشركات متعددة الجنسية تُلقي في النّفايات بنحو 60% من الملابس التي تجاوزَتْها المُوضة، تُشَغِّلُ عُمّالاً فُقراء، لِفَرْز الملابس وتخزينها، بحسب مقاييس تحددها هذه الشركات ثم تعبِئتها في عبوات ضخمة، لتُباع بالجملة، في أسواق الملابس المستعملة، التي ارتفعت قيمتها وأهميتها في مجتمعات البلدان الفقيرة، ومنها البلدان المُنْتِجَة للقطن، والبلدان التي تُصنع في مُدُنها تلك الملابس المُعَدّة للتصدير مما يُؤثِّرُ سَلْبًا على صناعة النسيج في هذه الدول التي ازدهرت فيها  مِهن صناعة الملابس التقليدية من الإنتاج المَحلِّي أو من إنتاج البلدان المُجاورة، وقد انخفض حجم صناعة الملابس، بالتوازي مع ارتفاع حجم الملابس المستورَدَة والمُسْتَعْمَلَة، والتي تُدِيرُ تجارتها شركات ضخمة عابرة للقارات، تُهَيْمِنُ على حِصّةً قدّرَتْها الحكومة الأمريكية بحوالي 85% من المنسوجات التي يتم جَمْعُها سنويًّا، وتَجْنِي منها أرباحًا ضخمة، يجيء قطاع الملابس المُسْتَعْمَلَة أداة لتكريس واقع الهيمنة، فعندما أعربت حكومات دول مجموعة شرق أفريقيا الست في كانون الثاني/يناير 2018 عن اعتزامها حظر استيراد المستعمل، ردّت الولايات المتحدة بأنها بصدد مراجعة علاقاتها التجارية معها “لأن ذلك يُهدّد أربعين ألف وظيفة في الولايات المتحدة. وأدّت عرقلة (وإلغاء) خطط التنمية الاقتصادية باستخدام الموارد المحلية، إلى تعميق علاقات التّبَعِيّة وإلى تأبيد علاقات التبادل غير المُتكافئ، بين المركز (الأوروبي والأمريكي الشمالي) والمحيط (الإفريقي والآسيوي والأمريكي الجنوبي)…  

ظلم وظلام:

 في محتشدات تركستان الشرقية يجمع ملايين المسلمين في عمل هو أشبه بالعبودية تحت إشراف امني شيوعي كواحد من أساليب القمع والقهر لإنتاج ملايين قطع الملابس شهريا دونما أجر مما يحقق منتوجا منخفض التكلفة تضخه في دول العالم الإسلامي من بضاعة مهترئة ومن أردأ ما ينافس في السوق ولكنه يحظى بقبول كونه الأقل سعرا.. مع تطور التكنولوجيا أصبحت أرزاق الملايين من البشر في خطر حيث يأتي أكثر من نصف صادرات العالم من المنسوجات، ونحو 70% من صادراته من الملابس الجاهزة، من اقتصادات نامية. ففي آسيا، يعمل نحو 43 مليون شخص في صناعات الألبسة، والمنسوجات، والأحذية.. ببساطة أن نهاية هذه الوظائف ستكون مدمرة.

 وفي نهاية المطاف، سوف تتمكن العلامات التجارية الكبرى من الاستجابة بسرعة أكبر لأذواق المستهلكين عن طريق استخدام التكنولوجيا بالبيع على الانترنت و فحص الأذواق بالذكاء الاصطناعي.. ومع مواجهة المصانع لاحتمال الإغلاق، تفقد المجتمعات الدخل وتهتز الاقتصادات.. وفي الثورة الصناعية الرابعة تنظيم التكنولوجيا وعلاقتها بالملابس وصناعتها. ومن الأهمية بمكان تقييم التكنولوجيات الجديدة مع وضع التكاليف البشرية في الاعتبار وسبل العيش المحطمة، والأسر المقتلعة من جذورها.

الملابس هي مجال يبرز فيه جشع الرأسمالية الأمريكية والبريطانية وتوحش الشيوعية الصينية المعاصرة و هو مجال استعماري تبذل فيها القوى المستفيدة كل جهودها لفتح الأسواق و تدمير المشاريع المحلية في بناء منظومة اقتصادية في هذا الباب كما حصل في تدمير قطن مصر ومصانع سورية.. و تدمير مصانع الملابس والجلود في أكثر من بلد عربي وإسلامي.. هذا فضلا عن تحويل ملايين الناس عبيدا في مصانع تدار من خلف البحار والمحيطات.. وتعريض البيئة إلى دوائر خطر التلوث.

ومن هنا وجب علينا النهوض متكاملين على صعيد الجنوب لبناء فلسفة عملية حفاظا على بيئتنا و ثورتنا وعمالنا وذوقنا الخاص في الزي أليس عيبا أن ينسج لنا الصينيون الملحدون سجادة صلاتنا وثيابنا.. والله غالب على أمره.

 

 

 

 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك