مقاربات لفهم ظاهرة الإجرام المكتسب

بين النظري و الواقع

مرضت, وهنت حركتي حاولت الوقوف لم أستطع, جف ريقي جسمي شاحب ضعيف صار من الضروري استشارة الطبيب 

بالفعل استهلكت آخر شبر من جهدي ليرافقني للعيادة , ها الأنا الآن عنده كشف علي وضع السماعة على قلبي قاس ضغطي ،بعد وقت قصير كتب لي الوصفة و قال هذا الدواء قبل الأكل و هذا الدواء بعد الأكل، غادرت العيادة و الحيرة بادية على وجهي كيف لي أن آخذ الدواء بعد الأكل و قبله و أنا مرضت لأنني لا أملك الطعام أصلا.

حزنت لحالتي لأنن لم أعد أستطيع الجري و سرقة الفواكه و الخضر من بساتين الجيران 

كلما جعت و جارنا يجري ورائي لم أكن أشعر بحدة الأحجار و الشوك المتناثر على الأرض فجلد قدماي أصبح قاسيا فقد الإحساس من شدة المشي حافيا 

حزنت لأنني في الماضي كنت أسرق السكاكر و الحلويات من الدكاكين كلما جعت اليوم كبرت و لم تعد السكاكر تغني جوعا 

 

أشباح الماضي

 

في الماضي كنا جميعا في غرفة واحدة في منزلنا البائس ضحايا للجوع و العطش كبرت بسنفونية التعاسة التي كنت اسمعها يوميا من والدي حين يردد على مسامعنا عبارة 

 { ماعنديش باش نوكلكم } و لا أنسى قمة الإجرام الذي كانت تمارسه أمي حين كانت تضع قدرا فوق النار و هو مليء بالماء لننام على أمل أننا قد نستيقض في أي لحظة و يكون فيه الأكل قد أصبح جاهز .

 حياتي كانت ضد الطبيعة  كبرت بعبارات الشتم و صراخ أمي و صوت الضربات التي كانت تعود من جسدها لتنصدم بأحد إخوتي حين يعنفها والدي .

اليوم مرضت لم يعد بوسعي أن أمارس فنون القسوة التي اكتسبتها , أنا فخور بكل وشم سكين منخور على جسدي أو عاهة تميزني ،لن أندم يوما على هاتف سرقته أو منزل سطوت عليه أو إنسان استغليته أو امرأة اعتديت عليها بالسكين و استوليت على قطع الذهب التي كانت ترتديها لن أندم أبدا لأنني لو كنت صالحا لما بقيت حيا لهذا اليوم أجل فلقد كان انحرافي صراعا من أجل البقاء .

 

الفقر و الجريمة

 

يقول الباحث الألماني برس أن الفقر يولد الجريمة باعتباره شعورا بالانكسار و الذل و الظلم و الإقصاء و التهميش في ظل غياب العدالة الاجتماعية التي حرمت الفئة الفقيرة من التمتع بقدر كاف من الحياة الكريمة العادلة و عدم قدرة الإنسان على تلبية احتياجاته الأساسية لتتحول الحياة إلى معركة تبدأ رحاها و تنتهي في تأمين رغيف خبز يكفيه 

و عندما تزداد ضغوط الحياة أكثر من المعقول و المحتمل و يتسع الفساد و المحسوبية ينتاب الناس مشاعر الحقد و ينجح الفقراء في ممارسة العنف و ترتفع معدلات انتشار الجرائم فضلا عن الاضطرابات و انعدام الأمن و الأمان . 

 

فذالفقر ذ ظاهرة اجتماعية

 

فالفقر إذا ظاهرة اجتماعية متعددة الجوانب فليس نقصا في الدخل فحسب أو حتى ندرة في فرص العمل و لكنه ايضا تهميش لطبقة من المجتمع و حرمان الفقراء من المشاركة في صنع القرار و إبعادهم من الوصول الى الخدمات الاجتماعية , فغالبا ما تكون الأحياء الشعبية وأزقة البناء الفوضوي فجوة للحرمان و بيئة واسعة لتفريخ الجريمة و الإرهاب و المخدرات و الدعارة و التفكك الأسري بكل أشكاله. 

أين وُجد الفقر ارتفعت معدلات الجريمة هذه معادلة لا يختلف عنها اثنان ليس هنالك مكان في العالم لا يخلوا عن الفقراء لكن الأمر يختلف باختلاف الموارد و إدارتها ففي الدول التي تعاني من الفقر عبر التاريخ يصبح الأمر لديها عادة و تتأقلم بشكل عادي في الوقت الذي تعيش أيضا الدول العظمى إقتصاديًا و صاحبة الموارد المتنوعة نفس الوضع بسبب تحكم الأقلية الغنية على الأكثرية الفقيرة و كل الدراسات التي قام بها علماء الإجرام تبين أن الأسباب الرئيسية تكمن في عدم توفر مستلزمات الحياة الضرورية و اشباع الاحتياجات الإنسانية 

و لو أردنا حساب عدد الأحداث المنحرفين لا بد من أخذ فترات الأزمات الاقتصادية كمرجع فهي محفز للانحراف و النظام الحالي للمجتمع الجزائري غرس في أبنائه بديهيات علم الاجرام الروحي و الحسي فالفرد اصبح يتميز بالجسارة و الجرأة بعد أن احتضنتهم الطرق و الأرصفة  لم يعودوا يقيمون وزنا للقانون و الإنسانية فليس من السهل ان تعيش محروما و تكون ابسط حقوقك امنيات بعيدة التحقيق هنا يصبح حتى تفكيرك اجراميا لاتحب الخير لغيرك و تكره الناجحين و تراهم اعداء و لن يسلم احد من لسانك و يدك و تفكيرك السام .

 

تبرير الجريمة

 

هناك من يرفض تبرير الجريمة بالفقر و الحالة الاقتصادية الصعبة و يرفض حالات التعاطف مع المجرمين بناءا على ان الفقر هو العامل الحاسم في ارتكاب الجريمة و لقد بلغ الأسف أشده حين تجد من يبرر لعمليات السطو المسلح على المصارف مثلا بذريعة الغلاء  و توفير غطاء مشروع لها كما حصل في بعض عمليات الانتحار حرقا و بدلا من مكافحة الجريمة و الظلم أصبح يساغ لها و يتعلل لها بالظروف, فالمجرم برأيهم يكون مستعد للسلوك الإجرامي منذ صغره و لا دخل للظروف المحيطة  ربما هذا يؤيد نظرية الطبيب الايطالي الشهير سيراز لومبروزو في 1876  التي تقول بأن الانسان المجرم انسان بدائي يتميز بملامح خاصة توفرت فيه بالوراثة له استعداد فطري ولد معه ليكون مجنونا أخلاقيا

 كما سماه هو  و أن جميع المجرمين يتشابهون بصورة كبيرة في صفاتهم كالوجه العميق التجاويف و الجبهة الصغيرة كما تشمل البثور على الوجه و تجعيدات الشعر 

فما مدى صحة هذه النظرية التي أصبحت مجلد تاريخي  و ما مدى تعاونها مع تداعيات 2020  ؟ 

 

جرائم الأغنياء

بعيدا عن الفقر و الحرمان هناك من يعيش حياة الرفاهية بكل أنواعها رخاء برستيج سيارات شقق فاخرة و نظام غذائي متوازن عيشة يحلم بها 60 بالمائة من أفراد الطبقات الكادحة و المتوسطة الدخل  كيف نفسر إذن ارتفاع منسوب الجرائم بكل أنواعها لدى هذه الفئة أصحاب الياقات ذوي الثروة و السلطة و النفوذ و اللباس الأنيق الذي يعكس مستواهم الاجتماعي العالي 

جرائم متنوعة كخرق القوانين و الاغتصاب , المخدرات حتى المتاجرة بها و التهريب و القتل و التزوير قد تكون جرائمهم قليلة لكنها أبشع الجرائم و أكثرها ذكاء و بديهة و دقة , فالغاية من وراءها الوصول لأهداف كثيرة و ضخمة .

هنا نكون أمام واقع مر فالجريمة هنا ليست لسد الجوع كما هو حال جرائم الفقر هنا تغيرت المفاهيم أصبحت الجرائم لغاية في نفس يعقوب .

 

النظرية الاجتماعية

 

الإنسان اليوم هو المشكلة التي يجب أن تبحثها النظرية الاجتماعية و تعتني بها , فهو ابن بيئته و ما يعيشه داخل النظام الرأسمالي من صراعات جعلت من الجريمة جزءا لا يتجزأ منها أو بتعبير آخر ليست الجريمة إلا تعبير و تحصيل حاصل لكل الظروف المحيطة و العوامل المساهمة فهو لا يولد مع الفرد باستثناء وجود بعض الأمراض النفسية , فهو مكتسب نتيجة غياب الروادع و السلطة أين يجد نفسه قادرا على تخطي كل المقاييس و التصرف  دون الاضطرار إلى مراعاة حواجز أخلاقية ، إضافة إلى نقص العاطفة و حالات التشرد التي تكون ذخيرة الإجرام هو لا يظهر فجأة بل وليدة مؤشرات عدة قد تظهر تباعا مثل ان يبدأ بالاحتيال و الكذب ليصل الى السرقة ثم يتطور ليدخل في عصابات كبيرة و منظمة و لا يجب ان ننسى العوامل المساعدة التي جعلت من الفرد يتجرع الانحراف كرداءة الإعلام الحديث الذي جعل حياة الناس على المكشوف سواء نوعية البرامج أو مواقع التواصل الاجتماعي فعندما ترى برامج كرتون موجهة للبراءة كلها إيحاءات جنسية و مشاهد عنف تدرك أن الإجرام ميراث.

 

الإعلام وترسيخ العنف

 

فالإعلام اليوم رغم ايجابياته لا يملك المراقبة التي يمكن أن توفر حماية كافية لكل مستخدميه لا من ناحية نشر الأفكار و لا من ناحية مشاركة الصور فتجعل الشخص مكشوف للعالم و تقلل من خصوصية حياته و بالتالي يمكن أن تستغل هذه المعلومات ضد صاحبها و إمكانية تعرضه للجرائم الالكترونية و الإيذاء خاصة الأطفال  كالاعتداءات  الجنسية و التواصل غير مرغوب فيه و الاعتداءات اللفظية .

فالمواقع جعلت العالم قرية صغيرة , استغل ذوي النزعة الإجرامية هذا الأمر لان الضحية تعطي الجاني جميع المعلومات الشخصية بسهولة و سلاسة ربما لحسن النية و السذاجة فما أكثر هذا النوع من الجرائم التي تحول باستغلال و استدراج الفتيات و  الأطفال و الاغتصاب و حتى السطو و تشكيل جماعات أشرار .

 

تفشي الإجرام

 

فكل هذه العوامل المذكورة آنفا تساهم بشكل كبير في تفشي هذه الآفة إضافة إلى ما صرحت إليه الدراسات البريطانية حول الأنظمة الغذائية و دورها في الإجرام حيث أكدت  أن إدمان الأطفال على السكاكر و الشوكولا في صغرهم يؤثر ذلك في ظهور ميول إجرامية عندهم و تشير دراسة جامعة كارديف البريطانية أيضا إلى أن الأطفال الذين يرتكبون الجرائم في صغرهم أو في مراحل لاحقة من عمرهم عند البلوغ غالبا ما تكون أنظمة غذائهم سيئة للغاية إذ يتناولون رقائق البطاطا و المشروبات الغازية عند الفطور .

فالإفراط في تناول السكريات يصبح إدمانا عند الولد و في حين طلب والديه منه تناولها باعتدال سيرفض بطريقة هستيرية , و شراءهم لها كلما طلب ذلك  يجعله معتادا على نيل كل ما يريده من دون الحاجة إلى الانتظار هذا ما يزيد في المستقبل من شراسة طباعه.

العنف و السلوك اللاجتماعي

و دراسة أخرى أجرتها جامعة ساوث كاليفورنيا رجحت أن يصبح الأولاد اللذين لا يتناولون طعاما صحيا ميالين إلى العنف و السلوك اللاجتماعي و توصلت الدراسة أيضا إلى أن نقص الزنك و الحديد و فيتامين B خلال السنوات الثلاث الأولى من عمر الولد تؤدي إلى سوء في سلوكهم في مرحلة عمرية لاحقة و تشير إلى أن الأطفال عندما لا يتلقون غذاء غني و يبلغون الثامنة من العمر فمن الأرجح أن يكونوا مشنجين و يتسببون قي الشجارات أكثر من الذين يتمتعون بغذاء صحي أما في عمر ال 11 فإنهم عادة ما يتلفظون بألفاظ دنيئة و يغشون و يقعون في المتاعب فكلما كان الطفل قليل الحظ في تناول الأغذية الصحية ساء سلوكه غير الاجتماعي في مرحلة لاحقة من حياته.

 

 و قد توصل باحثون بريطانيون إلى أن إضافة الفيتامينات و العناصر الغذائية الحيوية الأخرى إلى أغذية الشباب و تشجيعهم على تناول الخضر و الفواكه الطازجة قد يساعد في خفض معدلات الجريمة في المجتمعات .

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك