مفتاح النجاح في مواجهة كورونا هو محاربة الإحباط و السلبية

الأخصائية في الصحة النفسية هابط ملعيد

* أعراض يمكنها التحول إلى أمراض خطيرة

 

حاورها:وداد الحاج

 

تحتاج الحالة الراهنة إلى رأي علم النفس لفهم بعض تمظهراتها،و قراءة ما يطفو إلى السطح من رموز وظواهر بدأت تنتشر في الفترة الأخيرة،لا تقتصر مواجهة وباء كورونا على الجيش الأبيض و الملاحم التي يصنعها في المستشفيات و أماكن العزل ،لكن هناك جبهة أخرى تستحق الالتفات إليها وهي التأثيرات النفسية للوباء على مستوى سلوكيات الجزائريين داخل أسرهم وعلى مستوى الفضاءات العمومية المشتركة،الأخصائية في الصحة النفسانية هابط ملعيد من البويرة تحدثت إلى الوسط في هذا الحوار عن ضرورة الاهتمام بهذا المحور و تطوير أدواته ونبهت إلى خطر الانتكاسات التي قد يخلفها الوباء على الصحة العامة

 

يكشف عالم النفس ليريك فروم أخطر مشكلة تواجه إنساننا المعاصر و هي الاغتراب الذاتي و اغترابنا عن أنفسنا و عن مشاعرنا الخاصة و عن الناس و المستقبل ألا  يواجه الجزائري فصولا من هذا الاغتراب ؟

 

 لقد فقد الإنسان اليوم شعوره بالتواصل مع ذاته و مع غيره و أصبح يعيش في حيز مغلق يسوده الجفاء لا يؤمن بالمشاعر كمبدأ للحياة و إنما يؤمن فقط بالماديات , فالعمل و الإنتاج بالنسبة له الشيء الوحيد الذي يبرز قيمته , يشعر بفراغ رهيب و اكتئاب لأن جميع علاقاته اليوم عادت سطحية مما أدى إلى تغير العديد من المفاهيم ففي  الماضي كان يقال للضيف أهلا و سهلا اليوم يقال له اتصل قبل أن تأتي , كان يقال الجار قبل الدار أصبح يقال أنت في حالك و أنا في حالي في الماضي كان الأقارب أحباب اليوم أصبح الأقارب عقارب , كنا نجتمع يوميا و نسأل عن الغائب أصبحنا نجتمع للتهنئة و التعزية فقط .

الناس اليوم في مجتمعنا الجزائري و غيره يتبادلون الكلمات دون أي يتشاركوا الحقيقة يتبادلون الضحكات المزيفة لا أحد يثق بالأخر كل واحد في حاله.

هنا نعيش غربة النفس التي تكون أقسى و أشد من غربة الوطن , و هو اغترابنا عن أنفسنا و عن مشاعرنا الخاصة و عن الناس و المستقل و هذا من نتائج النظام الرأسمالي الذي مازال يخدر العقول البشرية أين جعل منها سلعة أدخلت الإنسان فكرة أن قيمته ليست تابعة لشخصيته و و إنما تتحدد بمدى إنتاجه و نوع السلعة التي ينتجها .

 الفرد الجزائري يعيش الصراع من أجل البقاء فهو مرهون بين غلاء المعيشة وما يعيشه البلد من توتر سياسي و اقتصادي فإفقار الشيء الذي يصنعه هو الذي يصنع جوهر الاغتراب .

و هكذا نجحت الأنظمة الرأسمالية في خلق الإنسان مغتربا عن ذاته و محيطه خائفا من الحاضر و المستقبل همه الوحيد لقمة العيش , يعتمد كليا على الأشياء و السلع و البيروقراطية و الدولة و القادة و الزعماء و كأنه يعيش التبعية و الاحتكار,  كل هذه الأشياء لها الوظيفة ذاتها في منح الإنسان المغترب معنى لهويته لأنه  يواصل مع نفسه فقط عبر الاستسلام لقوة من هم أكبر منه أو شخصية عظيمة أو مؤسسة كبيرة تجعله يعيش الوهم أنه يعيش التواصل مع قدراته الفردية و هذا غير صحيح 

هذا ما جعل الفرد يعيش دوامة الاكتئاب له خوف عميق من حقيقة وجوده كإنسان و الاحتكاك بنفسه و أعماقه يعيش حالة الروتين و يكره كل أنواع التجديد قُتل فيه الجانب الروحي المسؤؤل عن الحب و المشاعر و العاطفة .

و من نتائج اغتراب النفس هو الاستسلام للقدر و إحساس الفرد أنه لا يستطيع فعل أي شيء في حياته و يشعر بالدونية و بأن الحياة تمضي و تستمر و كل شيء يبقى على حاله يستسلم للسلبية و للإحباط و يكبر بالخوف الذي يخلق فيه العدوانية .

ففظاعة الأنظمة الرأسمالية تكمن في أن الإنسان اليوم صار لا مباليا و يفتقر للاهتمام و يحس أنه لا يعرف كيف يختار بين الحياة و الموت و لا يعرف ما معنى المغزى و الهدف من الحياة فلقد ضجر في أعماقه و أصبح يشعر بان حياته بدون معنى .

 

ما حجم تأثير فيروس كورونا على الصحة النفسية العامة للجزائريين ؟

 

فيروس كورونا أحدث تغييرا جذريا في نمط العيش لدى الجزائريين , تعليق دوام المدارس و الجامعات و توفق العمل ،و الحد من العلاقات، و الزيارات الاجتماعية و إغلاق المطارات و المحلات التجارية و غيرها جعلت الفرد يشعر بأنه مقيد داخل المنزل ما انعكس مباشرة على صحته النفسية كارتفاع مستويات الشعور بالقلق و التوتر و الأرق و تقطع ساعات النوم أو زيادة أو فقدان الشهية و زيادة حالات الطلاق و الانتحار,  و كل هذه الآثار يمكنها أن تتحول إلى أعراض مرضية نفسية مثل اضطراب القلق العام و اضطراب الوسواس القهري و توهم المرض و اضطراب ما بعد الصدمة النفسية 

فكورونا جعلت من الفرد يعيش تحدي كبير فمنهم من بقي بدون عمل و هو معزول عن العالم كليا فتطور مستوى العدوان اتجاه نفسه و اتجاه المحيطين به بغض النظر عن المستوى المعيشي المتدني .

 

كيف ترين مخلفات الحجر الصحي على الأسر الجزائرية ؟

 

كل واحد منا يعيش الخوف على نفسه من المرض و يخاف أيضا على أقاربه و من يحب خصوصا كبار السن هذا ما يجعلنا في حالة إحباط و قلق و مزاج معكر 

و من النتائج السلبية أيضا للحجر الصحي مشاكل صحية نتيجة الشعور الرهيب بالوحدة الذي يعانيه معظم الأفراد بسبب بعدهم عن الأهل و الأقارب و فقدان الحرية حول الحالات التي تم فيها العزل التام و حظر التجول 

لقد جعل الحجر الصحي حياة بعض الأسرة الجزائرية أكثر صعوبة فالبقاء طوال اليوم في المنزل و الاحتكاك اليومي مع الزوج  يجعل الخلافات الأسرية تتزايد حول شؤون التدبير المنزلي هذا من جهة و من جهة أخرى التوقف عن العمل و عدم وجود الدخل اليومي يجعل الإنسان متوتر و خائف على مستقبله المجهول و أكله و شربه و على مستقبل أولاده و عائلته فالعديد من الأسر أصبحت دون مدخول تماما لدرجة التسول و هذا ما رأيناه في مواقع التواصل الاجتماعي, و الأغلبية تعيش على أمل الحصول على منحة ربما تساعدهم على اقتناء ولو ابسط متطلبات الحياة اليومية و العلاج

في حين أن الأساتذة وعمال القطاع العام كانوا محظوظين لاستفادتهم من رواتبهم بشكل عادي دون مجهود بدني أو حتى التنقل لمكان العمل  ربما ساعدهم هذا على تجاوز العديد من المشاكل الصحية التي كانت حكرا على عمال القطاع الخاص و أصحاب الأعمال الحرة و القطاع الطبي الذين هم في الواجهة لتصدي للفيروس و ما جعل من كورونا كابوس حقيقي هو عدم وجود تاريخ محدد لنهايته فالكثير من التساؤلات تدور في ذهن الجميع لا جواب لها, فمثلا لو استمر الوضع على حاله لمدة أطول كيف سيواجه الفرد هذا في ظل التوقف عن العمل و الركود و قلق المستقبل .

كل هذا رفع من مستوى السلوك العدواني بكل أشكاله من لفظي و جسدي  خصوصا داخل الأسرة بسبب الاحتكاك الدائم بين افرداها أدى إلى الطلاق في لكثير من الأحيان .

 

من أي زاوية يمكن فهم انتشار حالات الحرقة و الانتحار ؟ 

 

في الوقت الذي يعيش فيه العالم حالة الرعب و التزام البيوت و الحجر الصحي يعود فيه الشباب إلى ركوب قوارب الموت و الاتجاه إلى ما يسموه بالجنة الأوروبية أو الحلم الأوروبي أملا في تحسين ظروفهم و ذلك في ظل انشغال قوات الأمن في محاربة الفيروس فقلد وكلت لها العديد من المهام الإضافية اقتصادية و اجتماعية و صحية و بيئية , ما خلق مناخا مناسبا للعبور نحو أوروبا ، السبب الرئيسي في ذلك يكمن في كون الشباب الجزائري قد فقد الأمل في هذا النظام الذي يعتبره فاسدا و فاشلا بكل المعايير هذا ما يفسر الارتفاع الرهيب لمعدلات الانتحار بين الشباب  سجلت 1299 حالة انتحار في 2019 و احتلت الجزائر المرتبة الرابعة عربيا , فمن يقدم على قتل نفسه يعني لا أمل لديه في الحياة و ليس له هدف يعيش من اجله فالأوضاع السياسية التي تعيشها الجزائر قتلت الرغبة في الحياة لدى الكثيرين , ليس منصفا أن تعيش في بلد من أغنى البلدان إفريقيا و في العالم وأنت لم تحظى بأبسط حقوقك كمواطن لديه بطاقة الانتماء , لم تحظى سوى بالبطالة و الفقر و التهميش 

من المؤسف ان يكون المجتمع الجزائري مجتمعا شابا لكنه محروم من شبابه لا عمل لا زواج حتى حرية التعبير أصبحت جريمة يعاقب عليها القانون فكيف تعيش في بلاد يُسجن فيها من يقول كلمة الحق و يعيش فيها اللصوص حياة الرفاهية و البرجوازية بأموال الشعب 

فالانتحار و الهجرة غير شرعية للأسف كانت الحلول التي لجأ إليها شبابنا للهرب من الظلم والحياة غير الكريمة التي عاشها في بلاده الأم .

 

ما السبيل إلى بناء مناعة صحية نفسية لمجتمع ما ؟

 

 الصحة النفسية هي أفضل علاج لليأس و فيروس كورونا فرصة لاكتساب المناعة النفسية و تقوية النسيج المجتمعي و المناعة المجتمعية و يصبح أكثر مرونة , فالصحية النفسية و الجسدية على علاقة طردية بينهما تتأثران يبعضهما البعض فإذا تحسنت النفسية تتحسن الجسدية و يتفادى الفرد الأمراض السيكوسوماتية الناتجة عنها ما يؤدى إلى الرضا العاطفي و التكيف السلوكي و الشعور بالكفاءة و المسؤولية و تحقيق الذات و المساهمة المجتمعية 

ومن أجل تحقيقها للمجتمع في ظل جائحة كورونا لابد من توعية الناس بعبارات واقعية لا تخيفهم خصوصا للأطفال فلابد على الآباء أن لا يظهروا الخوف أمام أولادهم و عدم التحدث الزائد عن الموضوع و بالنسبة للمسننين فهم يعانون هشاشة صحية و نفسية لذا لابد من البقاء و التواصل معهم و دعمهم من الناحية المعنوية  و التغذية الصحية فأفضل طريقة لتجاوز اي مشكلة نفسية و هو عدم التفكير الزائد فيها و إملاء وقت الفراغ بالرياضة و تمارين الاسترخاء و تفادي الشائعات التي تزيد معدل التوتر.

 

ما الاحتياطات التي يتعين على المدارس اتخاذها لمنع انتشار فيروس كوفيد-19؟

 

ومن بين الإجراءات العملية التي بوسع المدارس اتخاذها:

  • التدرّج في بدء اليوم الدراسي وإنهائه، بحيث يبدأ وينتهي في أوقات مختلفة لمجموعات مختلفة من الطلاب
  • التدرّج في أوقات تناول الوجبات
  • نقل الصفوف إلى أماكن مؤقتة أو إلى خارج المبنى
  • تنظيم دوام المدارس على فترات، بغية تقليص عدد الطلاب في الصفوف

ستكون مرافق المياه والنظافة الصحية جزءاً حاسم الأهمية من إعادة فتح المدارس على نحو آمن. ويجب على الإداريين استغلال الفرص لتحسين إجراءات النظافة الصحية، بما في ذلك غسل اليدين، والآداب التنفسية (أي احتواء السعال والعطس بالذراع بعد ثني الكوع)، وإجراءات التباعد الاجتماعي، وإجراءات تنظيف المرافق والممارسات الآمنة لإعداد الأغذية. وينبغي أيضاً تدريب الموظفين الإداريين والمعلمين على ممارسات التباعد الاجتماعي وممارسات النظافة الصحية في المدرسة.

 

مناخ عمل الأخصائيين النفسانيين في الجزائر ؟ 

 

الأخصائي النفساني العيادي كما عرفه آلان بايلو هو الذي يدرس الحياة العاطفية العقلية و السلوكية للفرد فهو يستعمل طرق خاصة للتحليل التقييم و العلاج النفسي و الإرشاد و الوقاية و من مهامه تطبيق العلاجات باستعمال وسيط من نوع لفظي او جسدي كما يمكنه المساهمة في تكوين طلبة علم النفس الطب و الممرضين او المتربصين في التربية الخاصة 

يشهد الأخصائي  النفسي العيادي في الآونة الأخيرة إقبالا كبيرا خاصة في فترة الحجر الصحي و جائحة كورونا أولا بسبب الحالة النفسية المتعِبة التي خلفتها كورونا و ما يعيشه الفرد من ضغط و توتر كبيرين ثانيا لانتشار ثقافة الأخصائي النفسي في الآونة الأخيرة بعد أن كان الناس في الماضي يرونه حكرا على أصحاب الاضطرابات العقلية و المرضى النفسانيين 

لكن الأخصائي النفسي يعاني نوعا من التهميش في المحيط الجزائري فمكانته لم تحدد في الهيكلة التنظيمية الوظيفية الأمر الذي يجعله يفتقر لسلطة القرار في تأدية مهامه فأحيانا نجده مصنفا على أنه بيداغوجي و أحيانا أخرى إداري مما يفرز تداخلا في المهام بين المربي و المدير, فكثيرا ما يعتبر عمل الأخصائي النفساني فاشلا لأنه لا يعطي حلولا فورية 

و كذلك نقص وسائل العمل كالروائز و الاختبارات و ضيق المكان المخصص للأخصائي النفسي الأمر الذي يعيق أداء مهامه و غالبا ما يكون له مكتب كأنه إداري مما يعيقه من تطبيق تقنية ديناميكية الجماعة او عدم توفر صالات اللعب للأطفال على غرار ما هو موجود في الدول المتقدمة و العيادات الحديثة التي تساعد الأخصائي النفساني على كشف ميولات الطفل الشعورية و لا شعورية 

غياب الاتصال و الاحتكاك بالاتصال بالأخصائيين في مجال الممارسة السيكولوجية و انعدام اللقاءات و الملتقيات العلمية و الدورات التدريبية داخل الوطن و خارجه مما ينعكس سلبا على الخدمة المقدمة 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك