معضلة أوجدتها وغذّتها الذهنيات

السـكن في الجزائر:

بقلم : جمال نصرالله شاعر وصحفي جزائري

صار المواطن الجزائري قاب قوسين أو أدنى عبارة عن مسافر مشحون بالشجن المسترسل الحي النابض، يترصد طوال السنة أحواله المعيشية، مبحلقا بكلتا عينيه صوب وجه البقرة التي ينتظر منها أن تغدق عليه بشيء من مصادر زبدها المتعدد الأشكال والألوان، وفي كل مناسبة مثلما ينتظر إجراءات العفو عن المساجين مثلما ينتظر كذلك هبة توزيع السكنات وجوائز التكريم للمتفوقين والمتفوقات.وما إن ينقضى هذا النوع من المحطات إلا ووجدته يقفز منتظرا لمناسبة أخرى لعل وعسى سوف ينال منها قطعة من الاغداقات التي لا ولن تتوقف ..بسبب أنه ألفها وتربى بين منعرجاتها…ومن هنا فقد ولد لدينا نمودجا للفرد الاتكالي الطيّع العاجز عن نفض الغبار عن نفسه. المنتظر لمساعدة الأم الحلوب ؟ا وتجيء قضية السكن من بين أهم هواجسه التي فتح  أمامها عينيه منذ الصبا .حتى صارت خياره بين الموت والحياة . بيد أن دولا وأقاليم أخرى مرت بنفس المراحل لكنها استطاعت أن تقفز وتتخطى هذا النوع من المشاكل إلا الجزائر الحبيبة لا لشيء سوى أنها مُنيت بمهزلة أوجدها السيستام وعلقها كفزاعة للإنسانية وشرف الوجود. بل جعل منها أيقونة حية حتى يرث الله الأرض ومن عليها. وعصا للتأديب القسري .لكنها في الأصل غير ذلك .فقد كان بمكان أن تصبح كشهادة الميلاد المستخرجة دون عناء ومبيت على الطوى ؟ا ..لأن مشكل المليون سكن لن يحل المأساة من جذورها بل يخفف من حدتها ليس إلا …والأربعة مليون أو الخمسة مليون وهلم جرا كذلك أعداد لن تحل المشكلة نهائيا وتجعلها في خبر كان…إذا نحن لسنا أمام أعداد وأرقام قدر ما نحن أمام أخطبوط شرس يتحكم بأذرعه العملاقة في مساحات شاسعة من ثقافة التنمية ولا يرغب لها أبدا في أن تتحرر وتنفض الغبار عن نفسها..إلى غاية أن أصبح الحديث عن السكن في الجزائر حالة نفسية مرضية وفوبيا… تأتي على الأخضر واليابس من تفكيرنا…بحجة أن الجزائر بلد فقير تنظيميا وتطبيقيا. لا يفتقر الى الامكانيات التي تمكنه من الخروج من عنق الزجاجة..ولا للأزمنة المحددة لذلك .بل تفتقد إلى من يستأصل هذا الداء الخبيث من تفكير الجميع بدءا من الأعلى وصولا إلى القواعد..والدليل أن هذا الموضوع بات ومازال محل اهتمام الكل هو أن يُزكى في مناسبات رسمية كوسام للشعور بالفخر

 

وكأن للمواطن بمجرد حيازته على سكن (وهذا حق اجتماعي وتاريخي) يُسجل كمواطن حاز على شرعية المواطنة والانتماء الهوياتي أما قبلها فكان مجرد تائه وضال لا تستقيم له الأمور

 ولا تهدأ حتى يستقل ويتحرر…من همجية الجماعات والعيش المشترك. هاربا من سطوة القبيلة والضيق النفسي والجسدي …ليس باسم فلسفات التحرر والانعتاق من بين الجماعات ولكن باسم الشعور بالذات وثقة اكتساب الفعالية الاجتماعية التي عانت منه ومعه طيلة حقب من الصراع الداخلي والخارجي.

سجِل إذا بأن هذا المشكل الجذري من بنات المقاصد التي تحاك ويُرتب لها لأجل تخضيع هذا البلد الأبي وجعله مترجيا منبطحا متضرعا بكلتا يديه لنواصب ومنابر الأقوياء الذين لا زالوا يراقبون حتى حركات تنفسنا ..فلربما  سيجدون بداخلها شيء من تقدمنا وقفزنا للشد على إحدى قاطرات التقدم والاندماج الحضاري ,وعليه وجب رصدها والحيلولة دونها ودون مواصفات إنسان كامل الحقوق والواجبات…والأجدر هو أن موضوع السكن ظل مرتبطا بالمسؤول والإدارة وبالموظفين كذلك..غاضا الطرف عن مسائل أخرى…أولها محاربة سطوة الذهنيات القبلية والجهوية..وهي في الأصل من أبقت على هذا النوع من السيسبانس قيد الحياة والحركية .لأن هذا البلد العزيز لا يفتقد للإمكانيات المادية قدرما يفتقد للإمكانيات العقلية واللموضوعية؟ا

 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك