معركة مفتوحة على جبهات عديدة.. فماذا نفعل؟

كورونا والنفط

بقلم: صالح عوض

في لحظة واحدة هجم علينا كورونا وانهيار أسعار النفط.. أي فوضى ستلحق بخططنا التنموية؟ ومشاريعنا في العمران والتعليم والصحة أي مستقبل لها؟ و قبل ذلك ان الذعر الذي نال مجتمعاتنا جراء الإعلام المبالغ فيه و روافده أقعدنا عن الإنتاج والعمل بل ويكاد يصنع لنا ثقافة وقيما جديدة.. فلئن كان لكورونا وفاعليه السبب في الذعر والموت الزاحف على عواصم كثيرة في العالم، فإن انهيار أسعار النفط و متسببيه عليهم المسئولية في استفحال الذعر والخوف من الموت والجوع وفشل خطط التنمية.. وفي المقابل هل هذا كل المشهد؟ أم أن هناك بعدا آخر في الصورة أكثر أهمية وإثارة لا بد ان نراها؟ هل ربحنا شيئا في هبوط أسعار النفط وتداعيات كورونا؟ لعلنا نكون صورة أكثر جلاء هذا ما يشغلنا في هذا الحيز.

رواية مضللة:

ما يتم نشره الان من خلال وسائل الاعلام عن خسارات تلحق بالارواح والاقتصاد ليس هو كل الحقيقة في المشهد فهو ما يبدو على السطح ولقد لحقه تهويل ضخم وتجنيد لوسائل الاعلام او تسابق غير مسئول من قبل المتحدثين لترويع البشرية الى الدرجة التي تجند بعض الكهنة والقساوسة ورجال دين الطوائف بالحديث عن القيامة وقرب حدوثها..

ان فيروس كورونا موجود ويتحرك فعلا في قطاعات واسعة وهناك وفيات متزايدة ولكنها حتى الان لم تبلغ الدرجة التي تتناسب مع حجم التضخيم الاعلامي الذي ضرب بعمق اقتصاد العالم مهددا باحداث واقع خطير على المستوى العام بتعطيل وسائل الانتاج والقاء الملايين الى الشارع بعيدا عن فرص العمل..  ولكن الان هناك معركة كبيرة مترابطة مع كورونا انها انخفاض سعر النفط والحرب الخفية بين روسيا وامريكا، والخاسر الاكبر في العملية هو ثرواتنا وبرامجنا ومشاريعنا التنموية.

خسائرنا من كورونا

شهد العالم أضرارًا اقتصادية فادحة جراء الفيروس ونشر مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) “مذكرة تقنية” تتناول تأثير فيروس كورونا على التجارة بين الدول، وأشار التقرير إلى أن تدابير احتواء الفيروس في الصين قد تسببت في “انخفاض كبير في الإنتاج”.. وقدرت الأمم المتحدة، الأحد، حجم الخسائر المتوقعة في الدول النامية بأكثر من مئات المليارات من الدولار فضلًا عن فقدان نصف الوظائف في بلدان القارة الأفريقية وكان من بين دول العالم التي تكبدت خسائر كبيرة ثلاث دول عربية، تصدرت خسائرهم السعودية.. 

 تفيد التقارير ان المنطقة العربية ستعاني من خسائر اقتصادية فادحة، حيث ستخسر نحو 1.7 مليون وظيفة خلال العام الحالي. و من المنتظر تراجع الناتج المحلي الإجمالي للدول العربية بعشرات مليارات الدولارات او مئات نتيجة تواصل انخفاض أسعار النفط، إضافة إلى تقديرات لخسائر في رأس المال السوقي للشركات في حدود 420 مليار دولار. أن الخسائر لم تتوقف فقط على مردود الدخل للسياحة الوافدة بل امتدت آثارها على مردود الانفاق للسياحة الداخلية عربيا،  ونتيجة لتوقف كافة الانشطة والفعاليات السياحية نتج عن ذلك خسائر تصل إلى أكثر من 90% وأن عدد الفقراء في العالم العربي سيرتفع، ويتحول أكثر من ثمانية ملايين من الطبقة الوسطى إلى الفقيرة وهذا الرقم مرشح للارتفاع نتيجةً للآثار المضاعفة لانخفاض أسعار النفط والتباطؤ الاقتصادي الكبير الناجم عن إغلاق مؤسسات القطاع العام والخاص.. والناجم عن توقف الطبقة العاملة وشل المؤسسات الانتاجية وتحول المجتمع الى حالة ركود وانصرافه الى دوامة المواجهة القلقة والضطربة لكورونا.   

معركة النفط:

جاءت معركة النفط في لحظة تاريخية صعبة تعيشها البشرية فقد ضرب كورونا الدول والشعوب وعطل الانتاج واوقف المصانع ونتيجة تلقائية لذلك يتأثر الطلب على المحروقات الامر الذي يعرض سعر النفط الى التدهور الا ان الامر لم يتوقف عند حدود ذلك فحصلت المغامرة السعودية الروسية ولم تكن السعودية الا منفذا لتوجه امريكي قبل ان تضرب كورونا امريكا لقد كان يتم ترتيب الامور داخل منظمه الاوبك في تحديد سعر البرميل ولكن بعد دخول روسيا الى سوق النفط العالمي وهي اليوم ثاني اكبر منتج للنفط اصبح من غير الممكن لدول اوبك وحدها رفع و تخفيض الانتاج للتحكم بالسعر كما تريده الولايات المتحدة فاصبح ما يسمى (اوبك +) اي روسيا . واستمرت روسيا في التنسيق مع السعودية برفع وخفض الانتاج للتحكم بالأسعار، وفي يوم الجمعة الماضي (06/03/2020) قررت روسيا عدم تخفيض انتاجها وان يكون التخفيض من الاخرين بما فيهم الولايات المتحدة. وهكذا وخلال ثلاثة ايام هبط سعر النفط صباح اليوم الاثنين الى حوالي 33 دولار ل البرميل . كان المطلوب تخفيض الانتاج العالمي لحوالي 3.50 مليون  برميل باليوم لان مشكلة الكورونا قد خفضت استهلاك الصين حوالي 20% أي حوالي 2.8 مليون برميل باليوم يضاف الى ذلك هبوط الاستهلاك في كوريا الجنوبية وفي كثير من دول العالم نتيجة لتباطؤ النمو.. الا انه رغم ذلك انبرت السعودية معلنة انها ستزيد من ضخ البترول الى اكثر من 12 مليون برميل يوميا وصعدت روسيا بالمقابل في معدل الضخ متحدية السعودية ومعلنة انها تستطيع تحمل هذا الوضع لعشر سنوات اضافية.

من أكبر الأخطاء التي ارتكبتها السعودية وروسيا في حربهما على أسعار النفط في السوق الدولي ظنهما أن بيدهما مفاتيح اللعبة، وأنهما صاحبتا كل المتغيرات في معادلة أسعار النفط، وبلا شك أن القدرة الكبيرة على الإنتاج وضخه في الأسواق عامل مهم، ولكنه ليس كل العوامل.. وستجد روسيا والسعودية نفسيهما في خسارة استراتيجية ولن تستطيعا المضي قدما في معركة التكسير المتبادلة.. فبرغم أنَّ السعودية لديها احتياطيات نقد أجنبي تبلغ 490 مليار دولار، وروسيا 440 مليار دولار الا ان ضبط السعودية  ميزانيتها السنوية يحتاج إلى بلوغ سعر برميل النفط 82 دولارًا، بينما يكفي روسيا 40 دولارًا لسعر البرميل.. فيما يسير النفط الى مادون الخمس وعشرين دولارا.

 فقراءة روسيا للتصرف السعودي انه ينطلق مرتبطا بالمصالح الأميركية، وإن حرص السعودية على خفض سقف الإنتاج يصب في صالح شركات إنتاج النفط الصخري الأميركية التي عنيت بخسائر كبيرة بل وتوقفها عن الإنتاج، بسبب انخفاض أسعار النفط، فوجهة نظر روسيا هي أن السعودية تخوض حربا بالوكالة.. لقد أراد الرئيس الروسي بوتين أن تظل الأسعار منخفضة موجها ضربة اقتصادية لصناعة النفط الصخري الأمريكي، ورجح مراقبون آخرون أنَّه كان يستعد منذ فترة طويلة لغزو السوق الآسيوية بعد عملية اقتصادية محكمة ضد الهيمنة الامريكية على السوق العالمية النفطية..لم تظل العملية فقط بين روسيا والسعودية ورغم ان اصوات الاعضاء الاخرين في الاوبك غير فاعلة الا ان امريكا رات بان الوقت غير مناسب للتعمق في الازمة والمغامرة في حرب معقدة فاعلنت ان التصرف السعودي والامريكي تجاوز شديد لانه سيعطل انتاج النفط الصخري الامريكي الذي انفقت فيه شركات النفط اموالا باهضة وكان من الممكن ان تستوعب الولايات المتحدة  النفط السعودي والخليجي في تخزين استراتيجي لديها كما فعلت في مراحل سابقة ومن بعد تقوم باحتكار بيعه عندما يتسنى لها رفع السعر كما فعلت اكثر من مرة لكنها الان في غير وارد ذلك في ظل ازمة كورونا وعدم قدرتها لتوجيه اموالا ضخمة في ذلك.. تتعرض الولايات المتحدة الى هزه ارضيه غير مسبوقة بيسبب هبوط السعر انها كارثه لصناعة النفط الامريكي عموما و صناعة انتاج الزيت الصخري خصوصا .كذلك فإن طرق الانتاج الاخرى وخصوصا الانتاج من المياه العميقة سيصيبها الخسارة. 

ولم تفلح الأخبار الواردة من الصين بشأن سيطرتها على الوباء في تحريك الأسعار بسوق النفط أو حتى تماسكها، فإذا كان الوباء قد شهد انحسارا في الصين فإنه ينطلق بشكل كبير في أميركا صاحبة أكبر اقتصاد في العالم، والتي تتحكم في سوق النفط العالمي بشكل كبير عبر شركاتها متعددة الجنسية في مجالات الاستثمار المختلفة بسوق النفط، أو من خلال بيانات الاستهلاك الداخلية الخاصة بها، أو أرصدة المخزون الإستراتيجي لديها من النفط، والتي تتحكم ببياناتها في أسعار النفط صعودا وهبوطا. 

ان الصراع في حرب الأسعار بسوق النفط ليس أكثر من صراع مغارم، فمنظمة “إسكوا” نشرت عبر موقعها مؤخرا أن خسائر المنطقة العربية من انخفاض أسعار النفط منخفضة عند 30 دولارا للبرميل فإن ذلك يعني خسائر للدول النفطية بالمنطقة بحدود 550 مليون دولار يوميا تقريبا. . وبلا شك أن خسائر الميزانية الروسية سوف تزداد بسبب انخفاض أسعار النفط في السوق الدولي عما كانت عليه في منتصف مارس/آذار 2020.. وهاهو سعر النفط ينزل عن سقف الخمسوعشرين دولار. 

حتى لو تم  التوصل طبيا إلى علاج أو مصل لوباء كورونا خلال الأشهر الستة المقبلة، وهو ما من شأنه أن يدفع لتحريك النشاط الاقتصادي، وبالتالي تحسن أسعار النفط، ولكن لن تعود إلى ما كانت عليه قبل مارس/آذار 2020، بل ستظل في معدلات منخفضة في حدود الـ30 دولارا للبرميل .. وبالتالي سيكون على كل من السعودية وروسيا القبول باتفاق على كميات الإنتاج، والوصول لأسعار مقبولة، ولكن بعد فوات الأوان.. وهذا سيلقي باثاره الكبيرة على الدول العربية مشرقا ومغربا لاسيما الدول التي تجعل موزانتها قائمة على النفط.

حرب النفط اليوم هي حرب من حروب الجيل الخامس الاقتصادية وحرب عالميه وطحن عظام وسيكون لها اثار عميقه على الجغرافيا الاقتصادية والسياسية في العالم.. وهذه انعكاساتها الدولية.

يؤكد خبراء الاقتصاد ، ان انخفاض أسعار النفط سيمارس ضغوطا على موازنات الدول العربية النفطية كونها تعتمد وبشكل كامل على إيرادات بيع النفط ، وأيضا سيؤثر على الدول الخليجية مما سيدفعها للاقتراض من الأسواق العالمية لمواجهة تداعيات تراجع الإيرادات وهذا مزيد من الإغراق في المديونية.. كما انه لابد من الانتباه الى أن الطلب العالمي على النفط قد ينخفض بأكثر من 10%  فضلا عن الانخفاض القائم اليوم، مع لجوء مزيد من الدول الأوروبية للعزل من أجل مكافحة فيروس كورونا. فهل ينتظر العالم مزيدا من الكوارث ام سيتطلب تدخل الدول العظمى لحل الازمة العالمية مع السعودية واطراف أخرى مؤثرة محاولة لإعادة استقرار أسعار النفط العالمي..

اعادة القراءة:

لقد جاء كورونا لتظهر عيوبا كثيرة في برامج الدول وخططها ولكنه ايضا جاء ليؤكد لنا ان قراءة جديدة لطاقاتنا وثرواتنا يجب ان توضع بعيدا عن ربطها بعجلة الاقتصاد العالمي.. فكل ثرواتنا الان وهي ركيزة مشاريع التنمية لدينا مرتبطة بارادة الخارج مباشرة كالسعودية ودول الخليج او غير مباشر كبقية الدول العربية وفي كلتا الحالتين نحن في الحقيقة نلعب قمارا بشعوبنا ومستقبلها.. لاننا في حقيقة الامر لا نملك موازنات ولا رصيد حقيقي انما نملك اوهاما تعصف بها خطط اللاعبين الكبار الامريكان ولاروس والصين.

من هنا ان دربا واحدا لابديل عنه انه درب التكامل العربي وبناء اقتصاد عربي متكامل يحرك عناصر اضافية للنفط بحيث لايعدو النفط هو ركيزة موازناتنا وهذا يعتمد على تبني مشاريع تنموية واقتصادية وصناعية عربية مشتركة تستطيع ان تقلل مخاطر الانهيارات التي تحصل في الاقتصادات العالمية.

درب واحد امامنا لابديل عنه تكاملا متنوعا ولعلها الضارة النافعة لكي نصحو من غفلتنا.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك