معركة في مفترق الطرق

أمام ضعف قيم المقاومة

بقلم احسن خلاص

في خضم البحث عن أفضل السبل لمحاربة وباء الكوفيد وحل الأزمة الصحية التي تمهد لأزمة اجتماعية واقتصادية صعبة يجري البحث في المخزون الاجتماعي عن القيم التي يمكن أن تعيننا على الامتثال لقواعد وطرق الوقاية التي اتفقت عليها شعوب العالم كله على اختلاف في الاستعداد النفسي وتوفر الأرضية الاجتماعية لاستيعابها والامتثال لها بشكل طبيعي.

ويبدو من خلال خارطة انتشار الفيروس وما يخلفه من ضحايا أن أغلب سكان العالم لا يزالون يظهرون، بعد أكثر من ستة أشهر من التعامل مع الفيروس، صعوبات في التأقلم مع التدابير الوقائية التي أصدرتها المنظمة العالمية للصحة بالرغم من أجراس الخطر التي ما انفكت تدق من أن الفيروس باق يتمدد ويتجدد وعازم على القضاء على الأخضر واليابس.

في هذا السياق حضرنا ندوة تفاعلية نظمها مخبر الدين والمجتمع التابع لقسم علم الاجتماع بجامعة الجزائر 2 عن طريق تقنية الزوم التي استطاعت أن تستبدل تدريجيا أو جزئيا مفهوم التباعد الاجتماعي بالتباعد الفيزيقي. الندوة كانت بعنوان: القيم الاجتماعية الناظمة لحياة الجماعة وسبل الوقاية الصحية من كوفيد 19. وقد كانت الندوة فرصة للاستفادة من مقاربات متعددة للعلاقة بين تحدي الوقاية من الفيروس وتحجيم تواجده الاجتماعي وبين مخزون القيم الاجتماعية الذي يعتبر بمثابة “العولة” التي يستعين بها في مقاومة المخاطر التي تهدد المجتمع بأكمله سواء كانت بفعل الطبيعة أو بفعل الإنسان.

وبرز تساؤل محوري خلال هذه الندوة يتمثل فيما إذا كان المخزون القيمي الذي يشكله في مجتمعنا الدين والتقاليد والأعراف قابلا لأن يوجه إيجابيا في اتجاه المساعدة على مكافحة الوباء أم يحمل، بالعكس، ما يبرر تماما الاتجاه نحو الاستسلام؟ أم أن القيم مادة خام وعجينة جاهزة للاستثمار فيها أينما وجهتها تأتيك بثمارها حلوة أو مرة؟ ثم أننا نجد القيم ذاتها تختلف تمثلاتها باختلاف البنى الاجتماعية الريفية والحضرية والطبقية والفئوية فلا يمكن أن نتحدث عن كتلة متجانسة من القيم كما لا يمكن أن نقر باستيعاب واحد موحد لهذه القيم في مجتمع أضحى أكثر نزوعا إلى البراغماتية وتطوير ذكاء اجتماعي قادر على التكيف أحيانا دون الحاجة إلى الرجوع إلى الموروث القيمي.

وتبدو هذه القدرة على التكيف في انتقال طبيعة الموقف الاجتماعي من انتشار الفيروس خلال خمسة أشهر فقط من النظر إليه على أنه عدو غازي تكفي محاصرته بالحجر الجماعي الصارم والالتزام التام بقواعد النظافة والتباعد حتى ينصرف ويغادر ويتركنا لحياتنا الطبيعية وهذا ما جعل المجتمع يبذل فيه جهدا استثنائيا خلال ما يقرب من شهرين متتابعين قبل أن ينتقل إلى بلورة موقف جماعي آخر هو موقف تيسير مناخ الوقاية الفردية وشروطها وها هو اليوم يعتمد موقفا جديدا وهو موقف التعايش مع الفيروس لاسيما وأن هذا الأخير قد أصاب أكثر الناس حرصا على التزام تدابير الوقاية التزاما صارما وأن عمال القطاع الصحي المتشدد في إجراءات الوقاية لم يسلموا من الفيروس.

وبدأ يتبين من هذه التطورات أن عهد الإجراءات الردعية قد ولى وما التراخي في تنفيذ تدابير منع التنقل بين الولايات إلا دليل على توجه عام إلى التخلي تدريجيا عن حزمة الممنوعات وتطوير أساليب وقاية جديدة مبتكرة تضاف إلى الطرق والقواعد المعمول بها إلى اليوم. ورأى جل المتدخلين خلال الندوة أنه لا يمكن الاتكال على المخزون القيمي للمجتمع لنجاح المعركة ضد الكوفيد فغلبة القيم الدينية المبنية على الاستسلام للقضاء والقدر ووجود من يعتبر الكوفيد نعمة من نعم الله على عباده ليهتدوا إلى طريق الحق بعد الضلال المبين أو جندي من جنود الله ليبتلينا بالخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات ولا نملك إزاءه إلا الصبر.

ولأن الكوفيد وجد في مدننا أكبر الفرص للانتشار بالنظر إلى ما توفره “الحومة” خاصة إذا أخذنا مدينة الجزائر كمثال على ذلك بما تمثله من امتداد للمحيط العائلي الذي هو محيط تقليدي حامل لعادات وتقاليد موروثة منذ قرون بعيدا عن المدينة الكولونيالية المفتوحة التي يمكن للسلطة أن تبسط عليها رقابتها وأن تفرض عليها الانضباط. فالمحيط المجتمعي المغلق الذي تفرضه الحومة ولو في منطقة حضرية يساعد كثيرا على التمرد على تدابير الوقاية المستوردة هي الأخرى تماما كما استورد الفيروس.

ثمة عائق آخر يحول دون أن يكون للمخزون القيمي دور في مجابهة اجتماعية للفيروس وهو غياب المؤسسات الصانعة والموزعة لهذه القيم باستمرار بنوع من التكيف مع ما تقتضيه دواعي الحفاظ على أمن وصحة المجموعة ففضلا عن تراجع المؤسسة السياسية التي ظهرت قراراتها وكأنها تقدم أنصاف الحلول دون الذهاب بعيدا في صرامتها ودون أن تكون مفتوحة تماما ومرنة كما يحدث الآن في الكثير من الدول الأوروبية. وليس أدل على ذلك من الجدل القائم بين المؤسسة الصحية والمؤسسة الدينية بشأن إحياء شعيرة العيد.

لم تعد هناك مؤسسات بذاتها تصنع القيم وتبثها وترعاها وتوجهها في خدمة المصلحة المشتركة بل وكأننا بالسلطات وقد عادت إلى ما كانت عليه في شهر فبراير من ارتباك وغياب مقاربة مستقرة وواضحة في محاربة الوباء بالرغم من أن بيانات الحكومة في بداية شهر جوان كانت تتحدث عن رفع مرن ومدروس للحجر الذي تقرر أن لا يفرض إلا على المناطق التي تشهد انتشارا قويا للفيروس.

لقد أصبحت السلطة على وضع حرج فاستمرار مستوى الضبط الوقائي بغلق الفضاءات العامة وتقليص حركة التنقل والفرض القسري لتدابير الوقائية العامة دون أن يؤتي أكله في مجال تقليص الإصابة والسيطرة على الوباء قد يولد بؤرا من الاحتقان قد لا تساعد السلطة على تمرير أجنداتها في الخريف القادم كما أن التراخي قد يجعلها تتحمل مسؤولية تفاقم الوضع الصحي من منطلق أن التدابير المتبعة كلها منذ البداية لم تكن إلا مضيعة للوقت وإهدار الفرص.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك