معركة جبل أم الكماكم الأولى 23 جويلية 1955م

بلدية ثليجان ولاية تبسة

بقلم الأستاذ فرحاني طارق عزيز 

 

هي واحدة من بين أكبر المعارك الحربية التي خاضها جيش التحرير الوطني خلال السنة الأولى للثورة التحريرية بمنطقة تبسة، وأشرف على قيادتها شيحاني بشير قائد الإدارة العليا لجيش التحرير الوطني، وشارك فيها ثلة من المجاهدين الأشاوس على غرار: فرحي ساعي، الوردي قتال، حمة حسن، فارسي محمد بن عجرود، بشير ورتان، بخوش امحمد بن السدراتي، وغيرهم. 

وجبل أم الكماكم يقع جبل أم الكماكم في بلدية ثليجان ولاية تبسة حاليا، يتوسط جبال زناد عدوان، رأس عدوان، قصر الطواحين، رأس الركبة السودة. ويعتبر جبل أم الكماكم أحد أهم النقاط لربط الاتصال بين مختلف الجهات حيث يربط بين بلديات: بئر العاتر، ثليجان، السطح قنتيس.

 

تجمع جبل أم الكماكم:

 

وقبل بداية المعركة أشرف قائد المنطقة بالنيابة شيحاني بشير على مناورة عسكرية على رأس مائتي مجاهد شارك فيها قادة الأفواج على غرار فرحي ساعي ودعاس لزهر ومجاهدين آخرين وهذا في شهر جويلية 1955.

تم ما بين 10 و20 جويلية 1955م، بحضور شيحاني بشير وشامي محمد وفرحي ساعي ودعاس لزهر وحمة لخضر، ما يقارب 200 مجاهد من جيش التحرير الوطني، وفيه تم تبليغ الاستراتيجية العسكرية التي يتبعها جيش التحرير الوطني في مواجهة الجيش الاستعماري، على مستوى ناحية تبسة من خلال النقاط الأتية:

  • مهاجمة أماكن حراسة ومراكز العدو بالأسلحة البيضاء حفاظا على الذخيرة أثناء عمليات الاقتحام. 
  • التركيز على حرب الكمائن ضد القوات الفرنسية في مق منطقة تبسة للتأكيد على وجود جيش التحرير الوطني والثورة. 
  • الانسحاب بعد الكمائن يكون بعيدا عن أماكن تواجد خلايا الثورة بالأرياف والمدن حتى لا تُكتشف من قبل المصالح التابعة للجيش الاستعماري. 

وأثناء تمركز فوج صالح بوصفصاف المدعو الحاج صالح الزيدي، في شهر جويلية 1955م، بجبل الزرقة كفوج متقدم لحماية مقر الإدارة بقيادة شيحاني بشير بجبل أم الكماكم، ومع الفجر تمكن الجيش الفرنسي من محاصر الفوج بمساعدة وحدات المجندين الجزائريين، وبدأ إطلاق النار بين الطرفين واستمر لحدود الساعة العاشرة صباحا، أين أسفر عن سقوط 17 شهيدا في صفوف جيش التحرير الوطني.    

وقد جاء اتصال من بن عمير الجيلاني برجوعه من تونس حيث استقر بمركز جبل العنق في الجنوب الشرقي من مركز جبل أم الكماكم والجبل الأبيض، وهو ما دفع بشيحاني بشير إلى السير نحو وداي عدوان للاستقرار به لعدة أيام، ليصل خبر من أحد المناضلين إلى فرحي ساعي يعلمه بأن الفوج الذي يقوده الحاج صالح بوصفصاف المدعو الزيدي محاصر بجبل الزرقة جنوب وادي المشرع، فأرسل شيحاني بشير عدد من الأفواج لنجدة الفوج بهدف فك الحصار عنه، وكان يقودها كل من: 

  • فوج فرحي ساعي. 
  • فوج يقوده فرحي المقدادي. 
  • فوج يقوده العيد الرشاشي.
  • فوج يقوده فرحي حمة بن زروال. 
  • فوج يقوده فرحي الطاهر بن عثمان. 
  • فوج يقوده بن عمير الجيلاني. 
  • فوج يقوده دعاس لزهر. 
  • فوج يقوده محمد الوهراني. 

بينما قرر شيحاني بشير الإبقاء الفوج الذي يقوده، وعلى فوج فارسي محمد بن عجرود، وفوج آخر، في الاحتياط، وبوصول أفواج النجدة تحولت هزيمة فوج الحاج صالح الزيدي إلى نصر، حيث تمت محاصرة القوات الفرنسية من جهتين أم الكماكم جنوبا ووادي عدوان غربا، وأسفر دخول المجاهدين عن مقتل عدد كبير من الجنود الفرنسيين وغنم 150 بندقية.

 

بداية المعركة:

 

يذكر الرائد عثمان سعدي في مذكراته أن المعركة وقعت يوم الجمعة وقد صادف يوم المعركة يوم عيد الأضحى المبارك، وقادها شيحاني بشير وحضرها عدد كبير من المجاهدين وكان على رأسهم فرحي ساعي، فارسي محمد بن عجرود، وحمة بن عثمان وآخرون.                            

وفي هذا الصدد يذكر المجاهد سديرة عبد العزير قائلا: رجعنا إلى أم الكماكم قبل بداية المعركة فالتقينا بأفواج القائد فرحي ساعي، ولزهر دعاس فاتصل بنا القائد شيحاني بشير وكان مصحوبا بكل من شامي وحمة بوبكر سالم، عبد الحميد حسني، صالح رقاد، وعلي المعافي ومحمد الصغير، ومحمد الأصنامي وبأمر من القائد بشير، ثم جمع الأفواج وتعين بالمناسبة عبد الحي حساني وعبد الكريم هالي لتمثيل الثورة بتونس، وبعد أن ركن القائد شيحاني مدة قصيرة بجبل أم الكماكم قصد هيكلة الأفواج وأخذ قسط من الراحة وقعت المعركة. 

ومن الأسباب التي أدت إلى حدوث المعركة، عمليات التمشيط واسعة النطاق في معظم تراب ناحية تبسة فقد جندت فرنسا لإنجاح هده العملية وحدات عسكرية من مختلف الأنحاء، وقد شملت القوات العسكرية الفرنسية المتواجدة في مدن تبسة، الشريعة، بئر العاتر، ثليجان، الماء الأبيض، بكارية، مرسط، لعوينات وحلوفة، ويذكر المجاهد علي بن أحمد مسعي أن القوات الفرنسية علمت بوجود قائد المنطقة الأولى شيحاني بشير في إقليم ناحية تبسة فجهزت له قوات عسكرية للقضاء عليه

واشتدت المعركة وحاصر العدو المنطقة من جميع الجهات أملا في أسر المجاهدين وحاول أيضا استعمال الطائرات العمودية لإنزال جنوده، إلا أنهم لم يفلحوا في ذلك لأن المجاهدين حاولوا إسقاط إحدى الطائرات وبالتالي تراجع العدو. ويحدد الرائد عثمان سعدي بن الحاج ساعة الخروج من المعركة بالرابعة مساء حيث أخلي مكان المعركة من الشهداء والجرحى، وذكر الرائد عثمان سعدي أن عدد الشهداء هو 25 شهيدا. وقد جرح لزهر دعاس أثناء المعركة حيث كسرت ذراعه من شدة الضرب بالسلاح. أما العيد بوقطف فيقول: أنه بعد عودته من المهمة التي كلف بها من طرف بابانا ساعي شاهد القوات الفرنسية وهي تهاجم جبل أم الكماكم، وهذا ما أدى إلى وقوع المعركة المشهورة يوم 23جويلية1955، ودامت المعركة من الصباح في الساعة الخامسة مساءا، وقد انسحبنا من المعركة، مع القائد الشهيد شيحاني بشير وقادة الأفواج ومن بينهم علي بن أحمد مسعي

ويؤكد المجاهد العيد بوقطف أن عدد شهداء المعركة لم يتجاوز أربعة شهداء من بينهم أخ القائد بابانا ساعي المقدادي فرحي. وعن الطريقة التي استشهد فرحي المقدادي يحدثنا المجاهد العيد بوقطف قائلا: انسحب الجميع من أرض المعركة ولم يتبقى في أرض المعركة سوى بابانا ساعي وأخوه المقدادي وأنا العيد بوقطف، ولما شاهدنا الجيش الفرنسي بأعلى الجبل وكنا بعيدين عنه حمل جنوده في الطائرات المروحية وأنزلهم في قمة الجبل واشتبكنا معهم حتى سقط المجاهد المقدادي فرحي شهيدا وأمرنا بابانا ساعي بعد نهاية المعركة بوم بالذهاب إليه وأخذ سلاحه وحاولنا تنفيذ أمره، لكن كثافة نيران العدو حالت دون تنفيذ الأمر، فاقترب بابانا ساعي زحفا على بطنه وأخذ سلاحه لأننا كنا في أمس الحاجة إليه وبعدها انسحبنا أما المجاهد عثمان سعدي فيقول: أن المقدادي فرحي كان يواجه الجنود الفرنسيين المتقدمين نحوه بضراوة، وشجاعة لا نظير لها، ومنعهم من الاقتراب منه، ومن المكان الذي يتمركز فيه، ولم يستطيعوا التقدم منه الا عندما أصابته إحدى رصاصات الجنود الفرنسيين فوقع في الأرض مباشرة. ويؤكد المجاهد علي بن أحمد مسعي أنه هو من حمل لزهر دعاس عندما كسرت ذراعه في المعركة.

ونعود إلى مجاهد العيد بوقطف ليواصل كلامه فيقول : بعدما انسحبنا أنا وبابانا ساعي من أرض المعركة اتجهنا إلى الجبل الأبيض والتقينا بالمجاهدين، سيدي حني وبشير شيحاني وجميع من حضر المعركة، وبعدها أمرنا بابانا ساعي بالعودة إلى أرض المعركة أنا ومعي المجاهد مسعود بوعون و زمال العيد وثلاثة مجاهدين آخرين لدفن الشهيد فرحي المقدادي واتجهنا إلى جبل أم الكماكم فوجدنا أن الجيش الفرنسي قد قام بإطلاق النار من جديد على جثة الشهيد المقدادي فرحي، فقمنا بحفر حفرة صغيرة نظرا لطبيعة المكان ووضعنا عليها الأشجار وعدنا والتحقنا بالجيش من جديد واتصلت بالقيادة والتقينا ببابانا ساعي والأخير شكرنا على نجاحنا في أداء مهمتنا. 

وفي شهادة السيد فرحي محمود بن ساعي فرحي حول معركة أم الكماكم فأجابنا قائلا: في أثناء المعركة وهي على أشدها كان والدي يطلق النار وليس بعيد عنه عمي المقدادي، ولما توقف عمي المقدادي عن إطلاق النار، أرسل والدي بمجاهد لاستطلاع الوضع، فعاد المجاهد إليه وأخبره بأن المقدادي قد أصيب إصابات بالغة، فزحف إليه والدي حتى وصل إليه نظرا لإطلاق النار المكثف من طرف الجيش الفرنسي. وعندما وصل إليه تحدث عنه وهنا قال له المقدادي (ساعي كأنك خويا أعطني شربا ماء راني عطشان)، وبعدها فارق عمي المقدادي الحياة شهيدا رحمه الله.

ويواصل محدثنا كلامه قائلا: <<بعد نهاية المعركة انسحب فرحي ساعي مع جنوده وتوجه إلى واد هلال، وفي طريقه خرج على أحد الخيم ودخلها وكان منهكا وطلب بعض الأكل والماء نظرا لأنه لم يأكل من بداية المعركة وقد أصيب بالتعب من جراء هذا، لكن صاحب الخيمة قال لهم لن أقدم لكم أي شيء وسأذهب وأخبر عنكم الجيش الفرنسي لأنكم فلاقة وقام بابانا ساعي بإلقاء القبض عليه نظرا لما يمثله من خطر حقيقي عليه وعلى الجنود الذين كانوا معه خاصة وأن مكان المعركة ليس ببعيد>>

وبعد نهاية المعركة توجه فوج القيادة وفوج فارسي محمد بن عجرود إلى الجبل الأبيض أين التقي بفوج عباد الزين في وادي مسحالة، وتمركز الفوجان في الوادي لمدة خمسة أيام، أين تكفل المجاهد حمة أحسن بمسألة تموينهم، وبعدها أصدر شيحاني بشير قرارا عسكريا للوحدات المتواجدة في وادي مسحالة للتحرك من المكان، وعين حمة أحسن دليلا للوحدات لأنه يعرف الجبل، حيث توجه الجميع إلى وادي الجديدة أين عقد القائد شيحاني بشير اجتماعا عسكريا قال فيه مايلي: لابد من توجيه إعلان للشعب لدحض ادعاءات فرنسا بأننا فلاقة وقطاع طرق ولشرح أهداف الثورة. 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك