معركة الجرف من خلال التقارير والكتابات الاستعمارية

ما بين 22 إلى 25 سبتمبر 1955م

بقلم فرحاني طارق عزيز 

 

تعد معركة الجرف الكبرى التي دارت راحها في منطقة تبسة في الفترة الممتدة ما بين 22 إلى 25 سبتمبر 1955م واحدة من بين أهم المعارك الحربية التي خاضها جيش التحرير الوطني إبان الثورة التحريرية، ولأجل معرفة كل التطورات التي رافقت هذه المعركة توجب علينا النظر في محتوى التقارير والكتابات الفرنسية التي وثقت هذه الملحمة، حتى نقارن بينها وبين محتوى الكتابات الجزائرية التي صدرت حول المعركة، لنستخلص منها المعلومات التاريخية ونعيد تركيب أحداث المعركة كما وقعت في الميدان. 

بداية عملية تيمقاد العسكرية: 

في يوم 21 سبتمبر 1955م، بدأت قيادة الجيش الاستعماري الفرنسي عملية عسكرية في شمال شرق الجزائر، على طول الحدود الجزائرية التونسية، تركزت بشكل رئيسي في سلسلة جبال النمامشة جنوب منطقة تبسة، وسخرت لها الالاف من القوات الفرنسية، من أجل ملاحقة قوات جيش التحرير الوطني، هذه العملية التي انتهت في شهر أكتوبر 1955م، وشارك فيها بحسب المصادر الفرنسية فقد شاركت فيها الوحدات العسكرية الآتية: 

  • الفيلق الثالث صاعقة محمول me BCCP03é
  • نصف الفيلق الثالث عشر من اللفيف الأجنبيDBLE  13éme والمشكل من الفوج الأول والثاني المتمركز في قطاع تبسة منذ جوان 1955م. 
  • الكتيبة الثامنة من الصبايحية المعروفة باسم الطابور المغربي 08éme RSM

التي كانت ترابط بقنتيس لدعم مركز المجموعة المتنقلة للشرطة الريفية منذ مارس 1955م. 

  • الكتيبة الأولى محمولة للفيف الأجنبي 01éme REP القادمة من عنابة. 
  • السرايا 21 و23 محمولتين من اللفيف الأجنبي والتي كانتا مكلفتان بمهمة حراسة الحدود الجزائرية التونسية في منطقة تبسة لمنع عبور المجاهدين وكانت تمارس نشاطها بسيارات الجيب وعربات دودوج WC 6*6 والسيارات المدرعة الخفيفة من نوع السلوقي AMM8 6*6، هذه السرايا كانت مؤلفة من 04 فصائل لكل سرية، وجهزت كل فصيلة آلية بـ 03 قذائف هاون عيار 81 ملم.
  • 01er REP.
  • 02e RET.
  • 02e CSPL.
  • 1re CSPL.
  • 23e CPLE.
  • 22e CPLE.
  • 21e CPLE.

معركة مرتفعات فرطوطة بعيون فرنسية: 

تطلق المصادر الفرنسية على معركة مرتفعات فرطوطة التي وقعت بدوار أم خالد تسمية معركة ذراع المالح وتؤكد المصادر الفرنسية بأن هذه المعركة وقعت في منطقة ذراع المالح بالقرب من الشريعة تبسة، وحدثت خلال انطلاق عملية تيمقاد العسكرية، وشارك فيها أفراد الفرقتين 05 + 06 التابعتين للكتيبة الثانية 02éme REI، واستمرت لمدة أربع ساعات كاملة. 

وتشير المصادر الفرنسية دائما إلى أنه ومنذ اللحظات الأولى لبدء العملية يوم 22 سبتمبر وعلى الساعة 9,30 حصل اشتباك بين 11/2 R.E.I وفوج من المجاهدين من جهة أخرى في منطقة ذراع المالح، كانت معركة عنيفة جدا وعلى أرضية صعبة للغاية. 

وحول ذكر دومينيك فارال في كتابه معركة جبال النمامشة تفاصيل حول هذه المعركة بقوله: “تمكنت الفرقة السادسة من اخراج مجموعة من المتمردين من معقلها الصخري يوم 22 سبتمبر 1955، وخسرت خمسة من جنودها من بينهم ضابط برتبة ملازم، وبعدها انسحب المتمردين فقدوا اثنان وعشرين رجلا”.

وقد خلفت المعركة نتائج جد متباينة في صفوف جيش التحرير الوطني وصفوف الوحدات العسكرية الفرنسية المشاركة فيها، وبحسب ذات المصادر الفرنسية دائما فقد أسفرت عما يلي: 

  • مقتل 05 جنود فرنسيين (من بينهم الملازم ميشال غارسات. 
  • إصابة 10 جنود فرنسيين بجراح متفاوتة الخطورة.

وفي صفوف جيش التحرير الوطني فقد أسفرت حسب ذات المصدر الفرنسي إلى استشهاد 21 مجاهد وقد تم التعرف على كل من:

  • فارسي محمد بن عجرود من مواليد سنة 1908 بثليجان.
  • براجي صالح بن الطيب من مواليد سنة 1900 بالمزرعة. 
  • بوضياف عبد الله بن محمد من مواليد سنة 1921 بدوار السطح. 
  • بوعبيدة عمار بن أحمد ولد بالمزرعة. 
  • بوعلي لخضر بن الطيب من مواليد سنة 1920 ببجن. 
  • ثليجان أحمد محمد ولد بالجرف دوار السطح. 
  • حطابي بدر الدين بن أحمد من مواليد 01/06/1935 بالمزرعة. 
  • عطية أحمد بن الطاهر من مواليد سنة 1925 ببجن. 
  • عون الله عبد السلام بن سعد ولد ببجن. 
  • عيدودي علي بن مصباح من مواليد سنة 1920 بقريقر. 

وقد تمكن الجنود الفرنسيين من أسر مجاهد خلال المعركة. ومع استرجاع معدات عسكرية تمثلت في بنادق حربية كان يحملها المجاهدون الذين استشهدوا خلال المعركة وهي وموزعة كالآتي: 

  • 11 بندقية حربية (09 stattis, 01 Enfield, 01 Garant). 
  • 02 بنادق صيد. 
  • ذخيرة (معظمها إيطالي). 

تصريحات المجاهد الأسير: 

 

المجاهد الذي تمكنت القوات الفرنسية من أسره في معركة مرتفعات فرطوطة هو شاب جزائري يتراوح عمره ما بين 17 و18 سنة وقد إنظم لفوج القائد فارسي محمد بن عجرود من أسابيع فقط، والمعني هو المسمى (عبد ق بن ع بن ط) وهو من مولود بالوادي سنة 1937م (تابع لدائرة الشيخ لخضر القايد عبد الراشي الرشيد) ولقد أكد هذا الشاب بأنه سبق وأن توجه في بداية شهر أوت الماضي إلى مركز الجندرمة بمنطقة الرديف لأجل الانضمام إليها والخدمة ضمن مصالحها كما هو شأن عمه الذي يخدم ضمن وحدة قومية في الجنوب الجزائري، لكن الجندرمة حسب أقواله لم يحققوا له طلبه ورغبته بالانضمام لخدمتهم ونصحوه بدل ذلك بالذهاب إلى قفصة إذا يريد فعلا الالتحاق بالخدمة في سلك الجندرمة. ويضيف الشاب مصرحا أن المجاهدين رأوه حين دُخوله إلى مركز الجندرمة وترقبوا خروجه حيث أخذوه بعدها إلى الجبال. 

الفوج التي ارتبط بها هؤلاء الشبان تتكون من 25 مجاهدا، رئيسهم شخص يدعى لزهر (ممكن لزهر شريط) ونائبه يدعى فارسي محمد بن عجرود (استشهد في هذه المواجهة) يتقاضى كل فرد من المجاهدين 500 فرنك شهريا ولكل من يعول بالإضافة إلى التكفل بمؤونته المعيشية. 

لقد جاء أفراج الفوج إلى موعد مُرتب قصد استلام مؤونة مكونة من ذخيرة وألبسة شتوية قادمة من الشريعة، لكن في يوم 21 جاء رجل إلى لزهر (شريط) ليعلمه بأن حمولة تلك المؤونة قد تم اعتراضها من قبل B.E.P وبأن رفيقه قد استشهد أيضا، وفي مساء نفس اليوم استقبل لزهر شخصا قادما من تونس، لكن السجين (الذي وقع في الأسر أثناء المواجهة) لا يعرف محتوى الحديث الذي جرى بين الرجلين في ذلك اللقاء لكنه يؤكد بأن اللقاء هدفه وضع الترتيبات لمهمة معينه ستقوم بها العصابة في تونس خلال الأيام القادمة. 

في صبيحة يوم 22، وبعدما رأي لزهر القوات الفرنسية، ترك مقره ومعه ثلاثة رجال لجلب (حسب قول السجين) الدعم الموجود بشعبة الكشريد، ولم يستطع السجين بعدها تزويدنا بمعلومات إضافية عن المهمة المكلفة بها العصابة صبيحة يوم 22، لأنه انهار تحت ضغوطات التحقيق وانغلق على نفسه.

لقد تم الاتفاق على إن إشارة بدء الهجوم يجب أن تكون من طرف فارسي محمد بن عجرود حيث سيكون هو أول من يطلق النار كعلامة على ذلك، وقد وضع فارسي محمد بن عجرود رجاله في مواقعهم الحربية بنفسه وبعناية خاصة. 

الشهداء من أفراد الفوج الذين تعرف عليهم السجين هم: 

  • فارسي محمد بن عجرود. 
  • عيدودي صالح بن علي. 
  • حطابي بدر الدين. 
  • عطية أحمد بن الطاهر. 
  • عون الله عبد السلام بن الحاج ساعد. 
  • أو السعود. 
  • العربي. 
  • ناصر. 
  • الطاهر. 

إن الكثير من المجاهدين الذين استشهدوا في المعركة كانوا من الذين تم إعفاءهم من الجيش الفرنسي (لم تذكر الأسباب) ويبدوا أنهم يعتنون جيدا بدفاترهم العسكرية التي تساعدهم في الحصول على رخصة المرور وتأشيرات الاذن بالحركة. 

نتائج عملية تيمقاد-معركة الجرف: 

 

وبعد ذلك وفي إطار تقدم حملة التمشيط في أعالي شعبة البوقوار تمكنت وحدة من القوات الفرنسية من تدمير مخزن للمؤونة موزع على كهوف عدة وقد تم على إثرها استرداد (500 كلغ من الطحين، 100 كلغ من الفواكه، 500 كلغ من البضائع المتنوعة، 25 كلغ من البن، و15 كلغ من السكر. 

وبعد عملية تمشيط منطقة الجرف التي تخللتها اشتباكات مختلفة يمكن تثبيت الحصيلة النهائية كما يلي. 

خسائر جيش التحرير الوطني): 

  • 44 شهيد وأسيران (02). 
  • استرجاع 17 سلاح حربي. 
  • 08 بنادق صيد. 
  • كمية كبيرة من الذخيرة منها ما أتلف ومنها ما سلم للمكتب الرابع لـ D.I.N.A.
  • 05 أجهزة راديو (مذياع). 
  • إتلاف 250 لتر من الزيت. 
  • 01 طن من الطحين. 
  • شحم.
  • 200 علبة سردين. 
  • سكر. 
  • أغطية. 
  • بالإضافة إلى العديد من الوثائق وبطاقات الهوية التي تم تسليمها للمكتب الثاني لـ D.I.N.A.

من جهة المعلومات، وبغض النظر عن الوثائق ذات الأهمية الكبيرة التي تم استرجاعها وتسليمها في أسرع وقت ممكن إلى مصالح D.I.N.A. فإن شراسة القتال لم تسمح لنا بالحصول على عدد كبير من الأسرى ونكون بذلك قد حُرمنا من عنصر مهم من مصادر المعلومات. ومع ذلك فقد أدت العملية إلى: 

  • استشهاد أفراد فوج محمد بن عجرود يوم 22 سبتمبر 1955م، ورغم أنهم لم يكونوا مسلحين بشكل جيد غير أنه يبدو أنهم يمتلكون عناصر مُدربة تدريبا جيدا على الرماية وفن التمويه، بالإضافة إلى أنهم كانوا مزودين بشكل كاف من الذخيرة بشتى الأنواع. 
  • إن سكان وادي هلال يوفرون دعما تاما ومساعدة كاملة للمجاهدين الذين يظهر أنهم استقروا بارتياح تام في المنطقة، وإن بعض السكان (معظمهم مسن) الذين تمت مقابلتهم واستجوابهم خلال العملية بقوا صامتين متكتمين عن نشاطات الفلاقة، بل إن تصرفاتهم وردود أفعالهم تؤكد تورطهم مع تلك العصابات. 
  • إن جميع كهوف وادي هلال مهيأة بجدران داخلية اسودت بتأثير الادخنة المنبعثة من النيران التي يشعلها الفلاقة للانتفاع بها، مما يثبت أن هذه الجهة تكون في الأحوال العادية آهلة بالأشخاص، أما وجود المكان مهجور أثناء حضورنا فهو اثبات قوى على أن هناك تعليمات بإخلائه بعد أن بلغتهم معلومات بشأن تقدم قواتنا إلى ذلك الاتجاه. 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك