مصر والسودان والعراق في خطر

حرب إفناء

بقلم: صالح عوض

 

  من لا يموت في الحروب يموت في الفتن وإلا الموت عطشا وأما الناجون ففي حرب الإفناء .. إنه  المسلسل الصهيواستعماري؟.. وفي المقابل انسحب النظام العربي رسميا من الحرب مع الكيان الصهيوني بعد ان انسحب عمليا بحجة أن الحرب تعطل التنمية والتقدم، و تجر المشكلات مع الدوائر الاستعمارية في أمريكا والغرب.. و هرول كثير من النظام العربي نحو تل أبيب لإقامة علاقات أمنية وتطبيع سياسي، وانهمك قادة العدو بتقوية ترسانتهم وأجهزتهم و بإقامة العلاقات مع إفريقيا المجاورة للعرب، فما الذي نتج؟.. تدهور عميق في المجتمعات العربية، وأزمات داخلية دامية وديون تتراكم وحروب متتالية بعناوين مختلفة.

 وفي كل مرحلة معركة لإغراق العرب في النزف المستمر.. وكأن القاعدة لا تغادر ساحاتنا: إن التخلي عن الإعداد والاستعداد يورث الذل والمهانة.. ولسبب له أسراره تقع بلدان المشرق العربي في وضع حرج دوما، يستدعي يقظتها وقدرتها فهاهي منابع الأنهر التي تروي عطشها وتسقي أرضها بيد أقوام آخرين يغضّون الطرف حينا وينتبهون لخطورة ما بأيديهم حينا آخر ليستخدموه لابتزاز العرب و خنقهم.. لكن يبدو أننا اليوم نواجه الأخطر على الإطلاق.. إنها ليست فقط حرب المياه بل واستخدام المياه كسلاح إفناء و لنكتشف أن كل ما سبقها من حروب اقل خطرا.. مصر والسودان أمام تحدي السياسة الإثيوبية المدعومة صهيونيا لتعطيشهما او إفنائهما، و أما العراق فأمامه إيران تحول مجاري بعض الروافد التي تصب في دجلة هل ستواجه مصر ضغوط  إسرائيل التي تحاول تركيعها للقبول بإمداد “ترعة السلام” عبر سيناء مقابل وقف دعمها لإثيوبيا آم أن المطلوب أخطر؟ وهل تجف دجلة فيفر العراقيون من بلادهم؟ 

 

سدّ النهضة:   

اعترفت السودان مؤخرا بان هناك خطرا على حقها المائي في حال تشغيل البحيرة في سد النهضة وبهذا يقترب موقف الخرطوم من القاهرة بعد الإحساس بان اديس ابابا سائرة في خطتها بتعبئة البحيرة دونما اكتراث بموقف الخرطوم او القاهرة وأنها لا تكترث بكل المبادرات والوساطات الدولية .. على بُعد 30 كم شرق الحدود السودانية يُبنى سد النهضة الإثيوبي، وقد تم اختياره لاعتبارات جغرافية وجيولوجية واقتصادية، وهذا المكان على النيل الأزرق الذي يساهم بنحو 80 % من حجم المياه القادمة إلى مصر، ومن المتوقع أن يحجز خلفه 74.4 مليار متر مكعب من المياه،  أي نحو نصف السعة التخزينية لبحيرة السد العالي في مصر، مما يعني نقل المخزون المائي من أمام بحيرة ناصر إلى الهضبة الإثيوبية، مما سيؤثر في الاحتياجات المائية لمصر بانخفاض السعة التخزينية لبحيرة ناصر الى النصف. 

 وهناك عددٌ من الآثار السلبية على مصر والسودان؛ فمباشرة سيتوقف تدفق نهر النيل إلى مصر حتى يمتلئ السدّ وذلك خلال عام كامل، كما أن له تأثيرا سلبيا على السودان الذي سوف يُحرم من الطمي مثلما هو الحال في مصر الآن وتتدهور التربة فيه، كما أن موقع السد الحالي بالقرب من الأخدود الإفريقي العظيم النشيط تكتونياً، يمثل خطرا مستقبليا ماحقا فمع ملء بحيرة السد المقترحة “2375 كم2 ” سوف ينشأ عن ذلك ضغط هائل على قاع البحيرة، الأمر الذي يهدد بحدوث زلازل رهيبة تتسبب في انهيار السد، فإن ذلك معناه بمنتهى البساطة عدم تأثر إثيوبيا ودمار ساحق لدولتي السودان ومصر. وهكذا يتضح انه في حالة المساس بسد النهضة الاثيوبي أو انهياره لأي سبب كان يعنى ذلك ببساطه انهيار السد العالي ،فجسد السد العالي لن يتحمل ضغط المياه المفاجئ الناتج عن انهيار سد النهضة, فتصبح الكارثة بالنسبة لمصر  كارثتين. ويقول خبراء ومتخصصون انه بأجراء حسابات بسيطة، فإن انهيار سد النهضة والسد العالي في آن واحد يعنى غرق الكتلة السكانية في صعيد ودلتا مصر بالكامل وفناء أكثر من 70 مليون  شخص!

ان هناك من دفع إثيوبيا للتحرك نحو بناء سد النهضة وستة سدود أخرى؛ انه الكيان الصهيوني حيث يتم توفير القروض والاستشارات لهذه المشاريع على اعتبار أن ذلك من شأنه تشكيل ضغط استراتيجي دائم على مصر لاسيما عندما يطرح موضوع بيع المياه لإسرائيل من إثيوبيا اذا رفضت مصر تزويد إسرائيل بها.

 بالتأكيد كان هناك ما ينبغي فعله لجعل الإصرار الإثيوبي على إقامة السدود واستكمالها أمرا ضعيفا فيما لو قامت الدول العربية المعنية، لاسيما مصر والسودان والصومال والقرن الإفريقي، بالتنسيق من اجل أمن قومي وإقليمي مشترك ولإحداث توازن ضد النفوذ الغربي والصهيوني في إثيوبيا، والمبادرة بمساندة القضية الصومالية لتحرير أغادين من إثيوبيا، وهي منطقة تمثل نصف إثيوبيا ويعيش فيها صوماليون “عرب مسلمون سُنَّة”، وهذا سيقوم بصد المخطط الصهيوني الغربي في إثيوبيا.. ويفرض تحديات حقيقية على اديس ابابا.

كما ان هناك إمكانية لتيسير إقامة مشروعات أعالي النيل لتوفير مصادر مياه أخرى تغطى الاحتياجات والتوجّه نحو تنمية المنابع الاستوائية لنهر النيل، فإذا كان سد النهضة متوقَّعا أن يحرم مصر من 10 إلى 15 مليار متر مكعب من المياه، فإذا تم تنفيذ مشروعات أعالي النيل الاستوائية سوف يزيد الإيراد المائي عند أسوان بـ12 مليار متر مكعب.

ورغم ان الوقت قد فات في ضرب منشآت السد وتفجيره كما كانت مصر قديما تهدد فان ضغوطا حقيقية يجب ممارستها، لكي تضمن الحصة المائية الضرورية للبلدين العربيين .. ان السودان ومصر أمام حتمية التحالف الاستراتيجي والتعاون والتكامل لمواجهة أخطار محدقة، فهل ينتبه السياسيون إلى ذلك؟ 

خنق العراق:

تشكل مياه الأنهار الممتدة من تركيا وإيران 70 في المائة من موارد العراق المائية، بدأت تركيا بتشغيل سد إليسو الذي انتهت من بنائه في يناير/كانون الثاني 2018، مما عجّل من انخفاض منسوب المياه الى نصف الكمية، ووضع العراق أمام مشكلة حقيقية، خصوصاً بعد أن قامت إيران بتحويل مجرى 43 رافداً من أصل 45 كانت تتدفق إلى العراق وتصب في نهر دجلة في مناطق شمال بغداد وكردستان.التي كانت تساهم بتزويد العراق بالمياه وقالت حكومة إقليم كردستان العراق إن إيران ” غيرت مجرى نهر الكارون بالكامل وأقامت ثلاثة سدود كبيرة على نهر الكرخة بعدما كان هذان النهران يمثلان مصدرين رئيسين لمياه الإقليم والعراق ككل”. وأكدت أن تدفق المياه توقف كلياً، ويعد الزاب الصغير أحد أهم الروافد الخمسة الرئيسية لنهر “دجلة”. وسيعجل من جفاف الإقليم 

تتوقع المؤشرات المائية العالمية، وأبرزها “مؤشر الإجهاد المائي”، ان العراق سيكون أرضا بلا انهار بحدود 2040، ولن يصل النهران العظيمان إلى المصب النهائي في البحر، وبعد ثمانية أعوام (2025) ستكون ملامح الجفاف الشديد واضحة جداً في عموم العراق مع جفاف كُلي لنهر الفرات باتجاه الجنوب، وتحول دجلة إلى مجرد مجرى مائي صغير محدود الموارد. 

 في السنوات العشر الأخيرة خسر العراق نحو 80 في المائة من المياه المتدفقة إليه من إيران وفقاً للجنة الزراعة والمياه النيابية العراقية بعد ان غيّرت مسار أهم رافدين هما “الوند” و”الكارون”، بعد ان كان يدفع بـ14 مليار متر مكعب من المياه العذبة سنويا في شط العرب، ما اضرّ كثيراً بالمساحات الزراعية الواسعة في البصرة و واسط و ديالى وفي العام 2011 اقرت الحكومة الإيرانية مشروعاً لبناء 152 سد، بعضها للتحكم و”استنقاذ” المياه الداخلة الى العراق.

ويشير النائب الكردي المعارض أمين بكر (“حركة التغيير”) ان الحكومة الإيرانية أكملت بناء سد “گولگه سردشت” على الزاب في أراضيها مع نهاية 2017، بقدرة تخزينية تصل الى 800 مليون م3، فضلاً عن مشروع آخر لإحياء بحيرة “ورّنة” الجافة من خلال تحويل مياه الزاب الصغير إليها وتخطط لبناء 3 سدود ضخمة على روافد أخرى.

وعلى الرغم من العلاقات الوثيقة التي تربط السلطة العراقية الجديدة بطهران، إلاّ ان الأخيرة لا تقيم وزناً للمصالح العراقية. وكمثال على ذلك ما يجري للمناطق الجنوبية من رفع لنسبة الملوحة جرّاء تحويل إيران لمياه البزل المالحة الى الأراضي العراقية. وتعارض طهران بشدة إقامة مشروع “ناظم شط العرب” المصمم للحفاظ على مناسيب مياه عذبة مرتفعة في الشط لتقليل الملوحة، ومنع اللسان الملحي القادم من البحر من الصعود الى مناطق شمال البصرة. وأبقت على مجرى صغير يسمح بتدفق 10م3/ثا يصل منها فعلياً الى نهر خانقين متر مكعب واحد/ثا فقط، فتوقفت الزراعة وتعرض نحو 700 ألف نسمة الى الجفاف. وبحسب مجلس ديالى، فان المحافظة تخسر 1000 مزارع سنوياً. أن “أكثر من 50 قرية و3000 دونم من بساتين مدينة خانقين منيت بأضرار كبيرة نتيجة لتجفيف النهر”، ووضح المركز العالمي للدراسات التنموية البريطاني إن “إيران تستعمر 60 بالمائة من مياه الوند، ما تسبب في تدمير الأراضي الخصبة، وهجرة الأهالي وتراجع الإنتاج الزراعي بنسب كبيرة وصلت إلى 80 في المائة مع تردٍ كبير في جودتها”.

لم تكتف إيران بحجب المياه الحلوة، فاستخدمت الروافد الجافة لدفع مياه البزل المالحة باتجاه الأراضي العراقية. حتى أن تلك المياه الضارة غمرت جزءاً كبيراً من الشريط الحدودي بين العراق وإيران عند البصرة، بما فيها مخافر حدودية، ما اضطرها الى الانكفاء الى العمق العراقي هرباً من الأذى ومن فيضان محتمل. وهدد السيل المالح بغزو البصرة التي تعاني أصلا من الملوحة والتصحر وتقلص الأراضي الزراعية والتلوث النفطي وزيادة السرطانات.

وانتقد برلمانيون عراقيون أداء الإيرانيين في تلويث البيئة العراقية وتدمير بُنيتها الزراعية،وأشاروا إلى أن طهران تتعمد “إغلاق الكارون وفتح السيل المالح للمبازل نحو أراضينا (…). نسبة الملوحة الآن باتت 8000 جزء لكل مليون ليتر بمنطقة سيحان الشهيرة بالبساتين والنخيل، فيما النسبة بمركز المدينة 3000 جزء، وفي كلتا الحالتين النسبة تتجاوز المعدل الطبيعي بكثير”. ووفقاً لبيان “مديرية زراعة البصرة فإن المد الملحي الإيراني ألحق أضراراً كبيرة بالمناطق قرب شط العرب بعمق 100 كلم. وبحسب مدير ماء البصرة فإن التركيز الملحي القادم من المصدر (البحر + مياه البزل الإيرانية) زاد بشكل مخيف بدءاً من تموز /يوليو 2017.. وأدى تناقص المياه العذبة في البصرة الى صعود اللسان الملحي القادم من البحر ومياه المبازل الإيرانية، ووصوله الى أعماق غير متوقعة عند ناحية العكيكة في محافظة ذي قار، بنسبة ملوحة بلغت 5500 ppmm.

ولقد أدى شح الموارد المائية خلال الأعوام الفائتة الى  توتر وتشاحن بين العشائر بالسلاح لضمان حصة مائية لري أراضيها. وخلال العام 2017، سجلت عشرات الحوادث اليومية بين العشائر الزراعية في نطاق الوحدة الإدارية، او بين المحافظات المتجاورة. وسجلت ناحية “الإصلاح” في ذي قار لوحدها خلال الربع الأخير من العام الفائت نحو 20 اشتباكاً مسلحاً بين  العشائر بسبب شحة المياه. وتقول الشرطة ان معدل الجريمة زاد بنسبة 40 في المائة في ريف المحافظة نتيجة تدهور الزراعة.. وقد تقلصت مساحة الاهوار في ميسان الى 35 كلم مربع فقط من أصل 1733 كم مربعا، وتحتاج عملية إدامة الاهوار سنوياً الى 16 مليار م3. ولم يستطع العراق تحقيق أي اكتفاءٍ ذاتيٍ في محصولاته الإستراتيجية (القمح، الشعير، الأرز، الذرة) فيما تقلصت زراعتي القطن والنخيل على نحو كبير. ويقول اتحاد الجمعيات الفلاحية أن مساحة زراعة الأرز تراجعت الى 40 في المائة وباتت توجد في أراض محدودة وبإنتاجية ضعيفة، ولا تسد ربع الحاجة المحلية سنوياً، 

الخروج من الفوضى:

لا تنفع النوايا الحسنة أمام المخطط القاضي بتعطيش الأمة وإفنائها، وان العجز العربي الرسمي عن مواجهة الأخطار المحدقة بالعرب هو الجسر الذي تعبر عليه المخططات الإجرامية، ومن نافلة القول إن المؤامرة لا تخص بلدا عربيا دون آخر بل إن ما نراه من استهداف لمصر نجد شبيهه ضد الأردن أو سورية أو الجزائر أو السودان.. لذلك فمن العبث مضيعة مزيد من الوقت دون  تفاهمات عميقة لحماية آمننا القومي فبعد أن ضيعنا بعبثنا وعدم إحساسنا بالمسئولية فلسطين والقدس وضيعنا سلمنا المجتمعي وضيعنا ثرواتنا الضخمة فها نحن أمام خطر وجودي.. وسيكون من العبث إضاعة الوقت في تناحرات بينية واستعراض قوى في غير محلها.. نحن أمام تحد خطير وستعيش الأجيال القادمة ما يصنعه هذا الجيل في هذه المرحلة..  ولعلنا وصلنا إلى نقطة الاستنهاض الحقيقي والاستفزاز الكبير.. والله غالب على أمره.

 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك