مصائب الكوفيد وفوائد ترامب

اقترح تأجيل الرئاسيات الأمريكية

بقلم احسن خلاص

قد تكون مصائب الكوفيد عند ترامب فوائد وهو ما يشير إليه مقترح تقدم به على شكل قرار صارم لا نقاش فيه بتأجيل الانتخابات الرئاسية الأمريكية المنتظر إجراؤها في 3 نوفمبر من هذه السنة إلى غاية زوال وباء كورونا. وهو ما يعني في التجربة السياسية الجزائرية القريبة تمديد العهدة الأولى. وإن كانت رغبة ترامب لا تقف وراءها نية تمديد فترة الحكم خارجة الشرعية الدستورية بذريعة فتح مرحلة انتقالية ولا طرح أصلاحات سياسية ودستورية بل تعبير عن خشية الفضيحة التي ستلحق الولايات المتحدة الأمريكية إذا ما تمت الانتخابات الرئاسية في موعدها المتزامن مع استمرار الوضع الصحي الاستثنائي الذي خلقه انتشار فيروس كورونا.

والفضيحة عند دونالد ترامب تنطلق من أن الانتشار الرهيب للكوفيد سيضطر فئات عريضة من الشعب الأمريكي لطلب التصويت عن بعد سواء عن طريق البريد العادي أو الإلكتروني أو الفاكس. وهو ما يفتح الباب للتزوير وللحصول على نتائج أقل دقة وتعبيرا عن النوايا الحقيقية للناخبين. وسيكون للجوء المكثف إلى هذا النوع من التصويت وقع هذه المرة بالنظر إلى احتمال لجوء أغلب الأمريكيين إليه بعدما كان في السابق اجراءا استثنائيا اضطراريا تلجأ إليه فئات قليلة كما يعتمد في تصويت السلك الديبلوماسي الأمريكي بالخارج.

وبالرغم من أن ترامب لا يملك سلطة تأجيل الانتخابات الرئاسية التي تعود أساسا إلى الكونغرس في حالات استثنائية قاهرة إلا أن إثارة الموضوع اعتبرت مناورة سياسية هدفها التأثير نفسيا على العملية الانتخابية التي لا يفصلنا عنها إلا 3 أشهر في ظل ما يثيره التصويت عن بعد من جدل حول تأمينه من مخاطر التزوير الذي يتوقع ترامب أن يكون تأثيره قويا هذه المرة إذا ما فضل أغلب الأمريكيين للتصويت عن بعد بسبب الخوف من الكوفيد.

وتأتي تغريدات ترامب المثيرة للجدل في ظل سلسلة الهزائم التي يتلقاها ضمن استطلاعات الرأي الأخيرة التي تؤكد تراجعه بسبب ما اعتبر فشلا ذريعا في مواجهة انتشار الفيروس حيث لا تزال الولايات المتحدة الأمريكية تتصدر دول العالم في عدد المصابين والضحايا. ويكون هذا الوضع المتدهور الذي تعرفه شعبيته وراء لجوئه إلى المناورة كعادته وهي تستهدف ضمن ما تستهدف لفت الأنظار عن هذا الانحدار للحفاظ على معنويات الفريق العامل رفقته مخافة مزيد من الانتكاسات أمام خصم ديمقراطي لم يكن بالقوة التي يمكن أن تؤثر على مصيره، بالنظر إلى ضعف حملته وتقدم سنه ورتابته التي لا تناسب عادة اندفاع الناخب الأمريكي.

ومع ذلك أثار ترامب هاجس التزوير المنتظر من عملية انتخابية لا تضمن الدقة هذه المرة. وهو هاجس لا ينطلق من فراغ فقد عرفت انتخابات رئاسية سابقة موجة تشكيك في نتائجها مثل تلك التي جرت عام 2004 وفاز فيها جورج دابليو بوش على جون كيري بفارق صغير من الأصوات اضطر الجهات المنظمة لإعادة حساب الأصوات في بعض الولايات الأمريكية. وبالمناسبة كان بوش الإبن قد أثار في ذلك الوقت فكرة تأجيل الانتخابات بسبب غرق الولايات المتحدة في حرب الخليج الثانية. فما يغذي هاجس التزوير هذه السوابق التي تدل على أن العملية الانتخابية في أمريكا ليست علوما دقيقة ونتائجها ليست مضمونة ومطمئة للجميع، فضلا عن أن الانتخابات الأخيرة التي توجت ترامب لم تمر دون أن تثير جدلا حول تأثير المخابرات الروسية في نتائجها وهو ما أثار جدلا لم يخمد إلا في السنوات الأخيرة.

ويرمي ترامب أيضا من لجوئه إلى هذه الهواجس إلى التمهيد لمناورات أخرى قد تأتي عقب انتهاء التصويت في حال ما إذا مني بالهزيمة إذ يحتمل أن يسير في المنطق ذاته باتهام المنظمين بالتزوير والطعن في دقة النتائج وأن يتهم الكونغرس الأمريكي ذي الأغلبية الديمقراطية بالتواطؤ عندما لم يصدر قرارا بتأخير الانتخابات حتى تتوفر شروط إجرائها. ويحتمل أيضا أن يطالب بإعادة عملية التصويت في بعض الدوائر الانتخابية التي عرفت لجوءا مكثفا للتصويت عن بعد.

ولكي لا يظهر ترامب بمظهر الخاىف من الهزيمة استدرك بتغريدة جديدة أقل حدة وأكثر ميلا للتنبيه والتحذير عندما قال: “لا أتمنى هذا التأخير أريد أن تجري هذه الانتخابات لكني لا أريد البتة أن ألزم بالانتظار ثلاثة أشهر لأكتشف بعدها أن أوراق التصويت ناقصة وأن هذا الاقتراع لا معنى له. وهذا ما سيحدث. هذا من العقل والجميع يعلم والناس الأذكياء يعلمون ذاك الناس السفهاء قد لا يعلمون ذلك. بعض الأشخاص لا يريدون الحديث عنه لكنهم يعلمون.” وهي إشارة واضحة إلى المعسكر الديمقراطي الذي يستشعر ترامب أنه يتهيأ لمؤامرة انتخابية غير مسبوقة في التاريخ الأمريكي ويتوقع ترامب أن تتحول الانتخابات الرئاسية الأمريكية هذه المرة إلى فضيحة تضطر العالم للانتظار إلى ما بعد تاريخ 20 يناير 2021 لمعرفة الرئيس الأمريكي القادم. غير أن إمكانية الانتظار مستبعدة بل تبدو مستحيلة بالنظر إلى أنها قد تستدعي تعديلا للدستور يوافق عليه مجلسا النواب والشيوخ قبل أن يعتمده الرئيس وهي عملية معقدة لا يكفي الوقت المتبقي لموعد 3 نوفمبر لتنفيذها.

وينتظر أن تشهد الولايات المتحدة الأمريكية هذه المرة حملة انتخابية باهتة بسبب الكوفيد الذي سيضطر أنصار المرشحين للابتعاد عن التجمعات العامة الصاخبة المألوفة في المناسبات الانتخابية، وهذا أيضا هاجس ليس أقل أهمية من الهواجس الأخرى إذ ستذكرالحملة في كل مرة بفشل ترامب أمام منافس شرس اسمه الكوفيد.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك