مشاهد بائسة تنذر بالخطر

تجرنا إلى أزمة عميقة

بقلم احسن خلاص

كان الجزائريون عند بداية انتشار فيروس كورونا اللعين يتابعونه من بعيد وهم مطمئنون أن بلدهم آمن يستعد لإقلاع جديد يمحي آثار أزمة سياسية واقتصادية ويقبل على مرحلة من الاستقرار والبناء ورأب الصدع إلى أن جاء يوم 27 فبراير ليكون يوما مفصليا قلب الأمور رأسا على عقب، فقد كان اليوم الذي شهدت فيه الجزائر أول حالة إصابة بالفيروس حملتها رعية إيطالية أجليت على الفور بعد أن أخضعت للحجر. وقد كانت بداية مارس إيذانا ببدء انتشار فيروس هذا الفيروس الجديد الذي لم يكن يعرف العلماء والخبراء عنه شيئا إذ لم يكن بيدهم إلا الرجاء بأن يكون مثل أقرانه من الفيروسات الموسمية التي تأتي عابرة وتخبط خبط عشواء حتى إذا جاء الصيف بحرارته تلاشى وذهبت ريحه ليفسح المجال لعودة الحياة إلى طبيعتها قريبا.

ظل الكوفيد يعدنا بالانصراف ولم يكن يعدنا إلا غرورا فقد كانت وعوده شبيهة بوعود الحكام في الأنظمة العربية بضمان التداول على السلطة وتنظيم الانتقال الديمقراطي السلس أو بالأنظمة الاستعمارية التي تزداد شهيتها لمزيد من الاحتلال والإذلال كلما تقدمت في السيطرة على الأرض. هذا هو حال كورونا الذي يبدو أن مقاومته لم تُجد نفعا في دحره ودفعه نحو الانسحاب بل صار يظفر بمساحات جديدة تزيد من شهيته ورغبته في البقاء مستغلا بؤسنا وتعاستنا التي نرى مظاهرها تعود من خلال الطوابير المخيفة أمام مكاتب البريد دون الاكتراث لما قد تسببه من عدوى قاتلة ومظاهر تسويق الكباش دون مراعاة أدنى شروط النظافة وفي الحرائق التي تندلع هنا وهناك وتأتي على ما تبقى من غاباتنا التي تعد شريان الحياة وما يحدث في المستشفيات من اعتداء على السلك الطبي وعمال الصحة وآخر مشاهد البؤس والتعاسة وليس الأخير، قوافل الحرقة التي عادت بقوة كما كانت عليه في عهد ما قبل الحراك.

تُظهر هذه المشاهد المجتمع وكأنه فضل الانسحاب بنفسه عندما فشل في دفع الكوفيد للانصراف وعندما يئس من عودة الحياة الطبيعية في أقرب وقت كما ظل يمني نفسه منذ بداية مارس ويحلم بعودة الرحلات نحو الخارج وإعادة فتح الشواطئ والمنتزهات والملاعب ودور الثقافة والمسرح وعودة الحيوية إلى النشاط التجاري ومجالات النشاط الأخرى وبعدما كان يمني نفسه بعودة الحيوية إلى الحياة السياسية حيث ينتعش النقاش وتتنافس البدائل. إنه زمن الردة بعدما ساد الظن أن الشعب الجزائري قام بحراك منقطع النظير أبهر به العالم بسلميته وحضاريته ومظاهر التضامن والتمدن الذي صاحبه. إنه زمن ضياع المكتسبات أو أنها على وشك أن تضيع إذا لم يهب عقلاء ونخبة المجتمع إلى تدارك الوضع والوقوف أمام موجة اليأس العاتية التي تنتاب قطاعا هاما المواطنين ولاسيما الشباب منهم.

إنها مشاهد بائسة تعيسة تنذر بالخطر وبما هو أسوأ إذا لم يسرع الجزائريون حكاما ومحكومين إلى فتح حوار وطني يشعر فيه الجميع أنه معني بالأزمة وبابتكار حلول لها في أقرب الآجال، فالآفات التي تحيط بنا لن تنتظرنا إلى أجل غير مسمى، ومن العبث أن نتصور أنها يمكن أن ترحل وحدها ولا ترحّل بإرادة وعزم. وإذا دب اليأس واستفحل في النفوس وانتشر في الأرض فلن تجد أحسن الحكومات ما تدير به شؤون البلاد وحينئذ لن تجد السلطة من منقذ إلا استنفار الأجهزة الأمنية لضمان النظام العام.

هذا هو واقعنا التعيس وإن أظهر الخطاب السياسي تفاؤلا حذرا، ومن واجب كل واحد منا أو من حقه أن يدق ناقوس الخطر وأن ينبه أهل الحل والعقد إلى العواقب الوخيمة لما تظهره المشاهد التي نراها هذه الأيام من مؤشرات وبوادر أزمة أخطر قد لا تتأخر كثيرا لتحل بالبيت الجزائري. لقد استطاعت مجموعة من العائلات والشباب “النجاح” في أولى رحلات “الحرقة”، نجاح بائس لم يتحقق منذ سنوات وهاهي الحرائق تأتي على المساحات الغابية دون أن تجد الاكتراث الذي كانت تجده لدينا قبل سنوات وها هي أزمة السيولة المالية وما تؤشر له من أزمة مالية في الأفق تضاف إليها الأحزان التي تنهال على المجتمع بسبب انتشار العدوى وما تخلفه من ضحايا.

إنها حالة قلق وتوتر عام لم تعلن عن نفسها بعد بالقدر الذي تجلي الأزمة العميقة لكنها بدأت تبعث بمؤشراتها لمن أراد أن يرى ما هو أبعد من أنفه، حالة قلق لا ينبغي أن تستنفر النظام الحاكم فحسب بل صارت مسألة تهددنا جميعا في عمقنا حيث تجعلنا نشهد انهيارا جماعيا نفقد بعده الكثير من فرص الاستقرار والإقلاع التي كنا نأمل أن تتحقق في جزائر ما بعد الحراك. لم تعد أزمتنا متعلقة بالكوفيد وإن كان هذا الأخير قد ساعد كثيرا على أن تطفو على السطح اختلالات لم نكن نراها من قبله وبين إلى حد كبير الارتجالية التي ظلت تميز نظرة وسلوك المسؤولين فلا وجود لإحصاءات دقيقة ولا لبحث علمي جدير بمعرفة واقع الأزمات التي نعيشها وحقيقتها. ولعل أم الأزمات أن لا تمتلك آليات توقع الأزمات ومواجهتها.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك