مستقبل تحولات القوة في ظل فوضى النظام الدولي

اضطرابات قادمة:

 بيتر زيهان/ عرض: ياسمين أيمن – باحثة في العلوم السياسية

مركز المستقبل للدراسات والأبحاث المتقدمة

 

 تشكّلت ملامح نظام دولي جديد تقوده الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عظمى بالتحالف مع مجموعة من الدول في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وسادت حالة من السلم والاستقرار العالميين، كما زادت حركة تأمين ممرات التجارة الدولية، فنشط حجم التبادل التجاري. وقد مثل التعاون مع واشنطن طوق نجاة للحماية من التهديدات السوفيتية، والصراعات التي ترتبط بالحدود الجغرافية. ولكن مع الانسحاب التدريجي للولايات المتحدة الأمريكية من مواقع سيطرتها المختلفة حول العالم، يُثار تساؤل رئيسي حول مستقبل النظام الدولي القادم.

وفي إطار الإجابة عن هذا التساؤل، يناقش “بيتر زيهان” (مؤسس مؤسسة زيهان الجيوسياسية، ونائب الرئيس بمؤسسة ستراتفور لأكثر من اثني عشر عامًا) في كتابه المُعنون “أمم متفرقة: التكالب على القوة في عالم غير محكوم”، كيفية تغير النظام الدولي، بالتزامن مع تحولات القوى الكبرى الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية. وفي الكتاب يطرح الكاتب تصورًا مستقبليًّا للنظام الدولي الجديد. 

 

تراجع النفوذ

 

يجادل “زيهان” بأن العالم قد تمتع بمكاسب غير عادية عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، ويرجع ذلك بصورة رئيسية للنظام الدولي الذي ترعاه الولايات المتحدة الأمريكية، والذي يسمح بالتبادل التجاري الآمن بين الدول. ويرى الكاتب أن التجارة الحرة ليست مجرد تبادل للسلع والخدمات، بل هو شبكة عالمية من التحالفات، يحكمها نظام إداري عالمي.

ويوضح “زيهان” أن الولايات المتحدة قد عقدت تحالفات مع دول عدة من بينها ألمانيا واليابان، وقد استمر عدد الدول المتحالفة معها في الازدياد حتى انهار الاتحاد السوفيتي في عام 1991، فانضمت دول الكتلة الشرقية الشيوعية لدول الكتلة الغربية الرأسمالية. ولحقتهم الصين التي أرادت تحقيق مكاسب اقتصادية من الاندماج مع الاقتصادات الرأسمالية، فحدث توازن واستقرار عالمي، مخلفًا وراءه ممرًّا تجاريًّا آمنًا ومنظمًا بين دول العالم. 

لكن الكاتب يرى أن سقوط الاتحاد السوفيتي السابق قد ثبّط من عزيمة الولايات المتحدة على الحفاظ على النظام الدولي. كما ساعدت طفرة النفط الصخري الأمريكي في تقليل حاجة واشنطن من الحصول على نفط منطقة الشرق الأوسط، حيث لم تعد تهتم بالحفاظ على استقراره بصورة كبيرة كما كان في السابق.

لذا يرى “زيهان” أن النظام الدولي الذي هيمنت عليه الولايات المتحدة الأمريكية قد ولّى. ويشير إلى أننا بصدد نظام جديد تحكمه المنافسة بين أمم صغيرة بآسيا وأوروبا. وأكبر شاهد على هذا هو إدارة الرئيس “دونالد ترامب”، التي هي بمثابة انحراف واضح عن مسار السياسة الأمريكية المعتاد. 

يَذكر الكتاب أن الولايات المتحدة -بمساندة الدول المتوافقة مع سياستها- قد استطاعت تأمين العالم من عدم حدوث حرب عالمية ثالثة، يكون السلاح النووي أحد وسائلها، لكنها اليوم لم تعد مستعدة لتقديم الدعم العسكري والاقتصادي والسياسي للدول في حال احتاجت له. 

ويُضيف الكاتب أن السنوات الأخيرة أثبتت فشل السياسة الخارجية الأمريكية، ويعزو “زيهان” ذلك لتركيز الولايات المتحدة على تطوير أدواتها العسكرية بشكل أكبر من أدواتها الدبلوماسية ومساعداتها الاقتصادية التي تقدمها للدول منذ سقوط الاتحاد السوفيتي، وهو الأمر الذي جعل سياستها الخارجية ضعيفة مقارنة بدول أخرى.

وبناء على ذلك يجادل “زيهان” بأن عام 2020 هو العام الفاصل لزيادة كراهية الولايات المتحدة الأمريكية وسياستها الخارجية على مستوى العالم، مشبهًا إياه بعام 2003 عندما سقط العراق في يد الاحتلال الأمريكي، مخلفًا وراءه كراهية عالمية لأمريكا وممارساتها. 

ويرى “زيهان” أن تراجع الهيمنة الأمريكية عالميًّا هو أمر إيجابي على المستوى الأمريكي الداخلي، حيث سيمكّنها من إعادة بناء ذاتها، وتطوير قدراتها الداخلية، وسد نقاط العجز بمؤسساتها.

 

ملامح الاضطراب

 

يُشير “زيهان” في كتابه إلى ملامح الاضطراب في النظام الدولي، حيث يرى أن التحالفات لن تستمر بدون مجابهة تهديدات متنوعة. ويذكر أن الاتحاد الأوروبي معرض للتفكك نتيجة زيادة نقاط الخلل في مؤسساته، حيث ستتراجع مكانة ألمانيا داخل الاتحاد، مفسحة المجال لفرنسا للقيام بدور أكبر، ويَعزو هذا لامتلاك باريس جيشًا عسكريًّا قويًّا ومتطلعًا، مما سيُكسبها مزيدًا من النفوذ العالمي، فتهمين على الوجود الألماني. ويتحدث عن ضعف بريطانيا تدريجيًّا في أعقاب خروجها من الاتحاد الأوروبي، وأنها ستتحول إلى تابع لسياسات الولايات المتحدة الأمريكية. 

ويقول “زيهان” إن الاقتصاد الصيني ضعيف لأنه قائم على نظام اقتصاد الفقاعة، وهو ما يجعله معرضًا للتدهور، في ضوء انسحاب الولايات المتحدة من تأمين الممرات التجارية، وضعف الاقتصاد الصيني القائم على التجارة العالمية، ومن ثم عدم قدرتها على التحول إلى قوة عسكرية عالمية. ولذلك يرى أن على الدول الاستعداد للاعتماد على الذات في النواحي التصنيعية في ظل احتمالية تأثر التجارة مع الصين.

ويُضيف الكاتب أن مفهوم الاستمرارية، الذي هو أحد المفاهيم الراسخة عند القوى الكبرى، سيتغير قريبًا. فمع اضطراب النظام الدولي لن تكون الدول الكبرى قادرة على الاستمرارية في الحفاظ على أمنها الغذائي، والصحي، والمجتمعي، والمائي، والسياسي، حيث إن المهدِّدات القادمة لن تتعلق باستعمال السلاح أو الاستعمار من قبل قوى كبرى، وإنما هي مهددات غير تقليدية بحاجة لتفكير غير نمطي في مواجهتها.

ويوضح “زيهان” في كتابه أنواع المهدِّدات غير التقليدية التي تشمل التغيّرات المناخية، وما ستسببه من فيضانات وجفاف يؤثر على الأمن المائي والغذائي العالميين. مضيفًا أن سوء القيادة السياسية سيكون سببًا رئيسيًّا في أفول نجم القوى الكبرى. 

ويشير “زيهان” في كتابه إلى الأمراض الوبائية الكفيلة بتغيير منظومة الأمن العالمي؛ لقدرتها على التأثير في الثقافات الشعبية، كزيادة حدة العنصرية والعنف تجاه فئات معينة، أو زيادة التباعد الاجتماعي، والقضاء على بعض العادات، فضلًا عن قدرتها على إضعاف المنظومة التعليمية وتدمير البنى التحتية داخل الدول. ويوضح “زيهان” أن التعافي من آثار الأمراض الوبائية أمر ممكن، إلا أنه يتطلب فترات زمنية طويلة نسبيًّا.

ويتحدّث “زيهان” عن تراجع مفهوم وفورات الحجم أو اقتصادات الحجم Economies of scale، أي انخفاض متوسط التكلفة الكلية في الأجل الطويل مع زيادة الإنتاج، ويحدث هذا مع زيادة التخصص وزيادة مقدار الابتكار عند الأشخاص، وعند فقدان تلك الخاصية تفقد الدول نقطة من نقاط تميزها. فامتلاك الدول لخاصيتي الاستمرارية ووفورات الحجم يمكّنها من تكوين إمبراطورية والتحوّل لقوة عالمية. لذلك يتنبأ “زيهان” بفقدان القوى الكبرى التقليدية لتلك الخواص وتراجع مكانتها عالميًّا.

 

ملامح النظام الجديد

 

يجادل “زيهان” بتأثر قطاع الطاقة العالمي، وتأثر الأمن الغذائي مع تراجع الحماية التي تقدمها الولايات المتحدة لدول العالم، ويرجع ذلك لاعتماد دول العالم على استيراد أنواع معينة من الطعام والسماد التي ترتبط بضمان تدفق حركة التجارة العالمية. ومع تراجع الحماية الأمريكية، يحدث خلل في السلاسل الغذائية العالمية، ويزيد معدل الجوع حول العالم، وحينها لن ينصبّ تركيز العالم على مكافحة الإرهاب، وإنما على تأمين طرق التجارة، مما سيدفع الدول إلى تبنّي استراتيجيات أمنية جديدة. 

وعند تحقق هذا السيناريو، سيكون الأمن الاقتصادي والغذائي قائمًا على موارد الدول المحلية، مما سيمثل ميزة نسبية لفرنسا والأرجنتين والولايات المتحدة، نظرًا لامتلاكهم أراضي زراعية واسعة وعالية الجودة، فضلًا عن أنظمة نقل داخلية منخفضة التكلفة، وقدرة على الوصول الآمن لموارد الطاقة، وقوة عاملة شبابية. أما الصين فستكون في مأزق لافتقارها لكثير من تلك العناصر. وكل ما سبق سيكون مؤثرًا بالسلب على المكاسب المادية التي حققتها الدول خلال عقود، فتزيد حدة الفقر، وتتراجع برامج التنمية داخل الدول.

ويتنبأ “زيهان” بإعادة تشكل الملامح الجيوسياسية للدول بفعل التغييرات المناخية، وبتراجع حركة التنمية داخل الدول لأزمات العولمة. ويتوقع الكاتب حدوث انهيار اقتصادي بالدول الكبرى يصاحبه ارتباك سياسي، وتراجع مؤسسي، وهنا ستظهر الحاجة داخل الدول الديمقراطية لإعادة صياغة العقود الاجتماعية مع المواطنين، وهو ما سيتطلب أوقاتًا طويلة، فتشكيل الإمبريالية الأوروبية -على سبيل المثال- قد تطلّب قرونًا حتى وصلت الدول الأوروبية إلى ما كانت عليه قبل الحرب العالمية الثانية.

ويتوقع “زيهان” انتشار بعض الاحتجاجات طويلة الأمد داخل الدول الأوروبية، وسيكون توقف الاحتجاجات رهينًا بإصلاح الدول الأوروبية لذاتها، وهو ما قد يستغرق عدة عقود. ومن المحتمل استمرار الصراعات بين الدول وبعضها بعضًا، حيث ستطفو على السطح الكراهية والتنافس الذي اختفى لعقود طويلة.

ومع انسحاب الولايات المتحدة من قيادة النظام الدولي الذي تشكّل في أعقاب الحرب العالمية الثانية، يشير “زيهان” إلى تجدد ظهور الصراعات الجيوسياسية القديمة، حيث ستزداد الخلافات بين الصين واليابان حول السيطرة على المياه المجاورة لهما. وستكون هناك حالة من حالات التحفظ بين كلٍّ من روسيا وألمانيا، ويُعزى هذا إلى نظرتهما المتعطشة لتعظيم الاستفادة من دول أوروبا الشرقية. 

ويشير الكاتب إلى ملامح سعي تركيا وإيران لاستعادة مجدهما الإمبراطوري السابق. فيذكر أن أنقرة تعمل على زيادة نفوذها السياسي، وتغلغلها الثقافي في الدول، لكن النموذج الإمبريالي التركي ستشوبه بعض التشوهات، وذلك لأن تركيا تعتمد على خبرتها التاريخية القديمة في الاستعمار، كما أنها لا تمتلك كافة المقومات التي تؤهلها لإعادة بناء الإمبراطورية العثمانية مرة أخرى.

ويرى “زيهان” أن القوى الناشئة الجديدة لن تكون متماثلة القوة مع الدول الكبرى التي أفل نجمها. ويضيف أنه خلال هذا العقد والعقد التالي، ستنكمش الفجوات التكنولوجية بين الدول. كما أن الإمبريالية ستأخذ طابعًا تعاونيًّا ومرنًا بين الدول، وستتم بصورة تدريجية، كما تفعل تركيا بسوريا حاليًّا. ويؤكد “زيهان” أن الصين والهند والبرازيل وروسيا لن تكون قوى كبرى عاقلة في المستقبل.

 ويتوقع “زيهان” أن تلعب اليابان دورًا مستقبليًّا أكثر قوة بين دول آسيا، نتيجة لإدراكها سبل صناعة التكنولوجيا، وامتلاكها رأس المال، والقوة البحرية التي تؤهلها لسد فراغ الولايات المتحدة في بعض المناطق، ومن ثم فهي قادرة نوعًا ما على الدفع نحو تكوين تحالفات عالمية مع الدول، مع ضمان تأمين سبل التجارة بينها.

وربط “زيهان” بين التحول الديموغرافي وبين ارتفاع مستوى الرفاه داخل المجتمعات، فحينما تكون المجتمعات أكثر ثراء، يتراجع معدل وفيات الرضع. ويركز الآباء بشكل متزايد على نوعية الحياة التي يمكنهم توفيرها لأطفالهم، بدلًا من التركيز على كمية الأطفال. كما ترتفع نسب النساء المتعلمات المتواجدات في سوق العمل، حيث يملن لقضاء أوقات أقل في تربية الأطفال، وأوقات أكبر في أعمالهن. 

ويرى “زيهان” أن التغييرات الديموغرافية التي لحقت ببعض الدول المتقدمة ستكون لها آثار سلبية في المدى المتوسط والبعيد، حيث يرى أن البلدان شديدة التحضر -كألمانيا واليابان- تواجه تقلصًا في عدد السكان الأصليين، نتيجة لانخفاض معدلات المواليد لفترة طويلة؛ إلا أن محاولات الدولتين للتغلب على المشكلة الديموغرافية، سواء عبر فتح باب الهجرة كألمانيا أو عبر زيادة الاعتماد على الأتمتة كما في حالة اليابان، لن تحل مشكلة زيادة نسبة كبار السن المُعالين من قبل الدولة مقارنة بحجم القوة الشابة الضرورية لإنعاش سوق العمل وتحقيق معدلات تنمية اقتصادية مرتفعة. 

 

ختامًا

يؤكد “زيهان” أن مستوى التنمية الذي حققته عديد من الدول بعد الحرب العالمية الثانية، كان له عميق الأثر في الدول والمجتمعات، وبالتالي تراجع سياساتها في إثارة الفوضى العالمية. كما أن غياب المعايير الاقتصادية المعتادة سيؤدي لتحطيم المعايير السياسية المختلفة، وسيكون على بعض الدول التعامل مع أمواج من اللاجئين والمتطرفين التي ستنتجها الأنظمة الفاشلة للدول الأخرى.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك