مسببات الهجرة غير الشرعية للشباب الجزائري نحو أوروبا

تساؤلات عن الظاهرة

بقلم الأستاذ: قواسمية عادل، طالب دكتوراه جامعة الأمير عبد القادر قسنطينة.

تعتبر ظاهرة الهجرة ظاهرة قديمة قدم نشأت المجتمعات، التي ساهمت في تشكيل الحضارات، إلا أن الزيادة الكبيرة التي شهدها عدد السكان في عصرنا مع تردي الأوضاع الإقتصادية بصورة عامة، وإنتشار ثورة الإتصالات و المواصلات و تسهيل حركة المرور للأفراد بين الدول، فتح الباب بفرصة الحلم بعمل يتطلع إليه الفرد خارج وطنه .نحو أرض جديدة قد يجد فيها ما لم يجده في أرض المهجر .

ونظرا للتغيرات التي يشهدها عالم اليوم من صراع سياسي و أزمات إقتصادية، ضيق من فرص الهجرة إلى الدول المرغوب فيها،  و بات حلم الأفراد بالضفة الأخرى غير مرحبا به، مما جعل من الحالمون بفرصة عمل في البحث عن أساليب غير مشروعة للنفاذ إلى تلك الدول . فظهرت ” الهجرة غير الشرعية ”  التي يلخصها العالم الديمغرافي الفرنسي الكبير “ألفريد صوفي” Alfred Sauvy  بقوله : “إما أن ترحل الثروات حيث يوجد البشر وإما أن يرحل البشر حيث توجد الثروات”.و لعل إسقاط هذا التعريف على الفرد الجزائري أن الهجرة إلى الضفة الأخرى للبحث عن ثروات أو عمل.

 

جريمة  الإتجار بالبشر

 

إن الحديث عن الهجرة غير المشروعة يدفعنا إلى ربطها بصورة مباشرة مع جريمة  الإتجار بالبشر، حيث يتم استغلال ظروف راغبي الهجرة بطلب مبالغ من المال نظير نقلهم بشكل غير قانوني عبر الحدود.

و بصفة عامة يمكننا الحكم على ظاهرة الهجرة غير المشروعة كإحدى نتائج الإتجار بالبشر، و غالبا ما تكون عملية النقل غير مأمونة .

تعد الهجرة غير المشروعة إنتهاكا لقوانين حماية الإنسان و إنتهاكا لقوانين الهجرة إلى البلد – المهاجر إليه – من جانب الضحية و عصابة التهريب، على قوارب الموت التي لا ترحم .

و يتعرض حاليا نسبة كبيرة من الشباب للموت المحقق أثناء عملية التهريب و هم يحاولون الوصول إلى الدول التي يعتقدون أن الملاذ فيها و أن فرص العمل متوفرة، حيث تتركهم شبكات التهريب في المياه يصارعون الموت أو الوقوع في أيدي السلطات الحكومية هذا إن تم وصولهم ..؟ .

وترجع ظاهرة الهجرة غير المشروعة – و غير القانونية – لجملة من الأسباب لعل أهمها يتمثل في : تردي الظروف المعيشية و إنتشار الفقر و الطمع في كنوز البلد الآخر – الكنوز الوهمية – كما تعد البطالة و نقص فرص العمل من الأسباب التي تدفع بالشباب إلى التوجه لمثل هكذا ظاهرة، و إن إتساع الهوة بين الغني و الفقير، أو بين من يملك و لا يملك، هو ما يؤدي إلى تزايد النزوح البشري غير المشروع من الدول الفقيرة إلى الدول الغنية ، سعيا لنيل فرص معيشية أفضل بعيدا عن ظروف إقتصادية قاسية أو نظم سياسية غير مستقرة .

 

مشكلة حية وحساسة

 

و لعل المجتمع الجزائري كباقي مجتمعات دول العالم يعاني ظاهرة الهجرة السرية أو ما يعرف عنها بظاهرة (الحراقة)، باللغة العامية، هذه الظاهرة التي استطاعت إشعار كل مؤسسات الدولة وأصبحت مشكلة حية وحساسة.

و يؤكد باحث بكلية العلوم الاجتماعية بالجزائر-  أن مشكلة حقيقية تحدث من خلال الأحداث المأساوية التي تتداولها الصحف أو الأخبار التلفزيونية من حين لآخر. وهي مشكلة حساسة لكونها تمس جميع شرائح المجتمع بحيث أصبحت الظاهرة لا تمس فئة الشباب وخاصة الذكور، بل تعدت إلى فئة الإناث والأطفال القصر، وأصبح مصطلح (الحرقة) متداولا حتى في الأغاني للتعبير عن الظاهرة.

وتتميز ظاهرة الهجرة السرية بامتدادها على طول السنة أي إنها مستمرة في الزمن ومنتشرة في المكان، بعدما كانت منتشرة بكثرة في غرب البلاد، امتدت بصورة فائقة إلى وسط وشرق البلاد حيث تم توقيف 130 مهاجرا سريا بولاية عين تموشنت سنة 2007، وإعادة أكثر من 540 مطرودا من إسبانيا إلى ولاية وهران سنة 2008، وتوقيف أكثر من 1100 في ولاية عنابة سنة 2007.

 

مأساوية الشعارات

 

إن المتمعن في هذه الظاهرة بل في المقبلين عليها أي الحراڤة يكتشف مدى مأساوية شعاراتهم التي نقرأها في الكثير من جدران العمارات والمؤسسات العمومية مثل شعار “تأكلني سمكة (غرقا في البحر) أفضل من أن تأكلني دودة بعد الدفن في الأرض”، وهو يحمل الكثير من دلالات البؤس والإحباط.

و هو الأمر الذي يدفعنا للحديث عن الجهود الدولية المبذولة من المنظمات الدولية و حتى الحكومبة منها، للتعاون الدولي كمحاولة للقضاء على هذه الظاهرة – ظاهرة الهجرة غير الشرعية – .

إن ما تم عرضه سلفا سنأتي عليه في هذا البحث وصفا و تحليلا بالحديث عن أسباب هذه الظاهرة و إنعكاساتها الأمنية على الدول المستقبلة لها ، دول الممر و العبور، مما أدى إلى فتح قنوات إتصال مباشرة بين أجهزة الشرطة المحلية الجزائرية و باقي الدول المستقبلة لهذه الظاهرة غير القانونية .

يأتي هذا الشرح البسيط لظاهرة الهجرة السرية أو الهجرة غير الشرعية في الوقت الذي نتساءل فيه عن : الأسباب و الدوافع الحقيقية وراء هجرة الشباب الجزائري نحو أوروبا ؟ 

 محاولين الإستعانة بـ :

  • تحديد مفهوم الهجرة غير المشروعة، و أشكالها المختلفة ؟ 
  • إنعكاسات هذه الظاهرة على مستقبل الشباب الجزائري ؟ 
  • ماهي أهم الجهود الدولية المبذولة للحد من هذه الظاهرة ..؟ 

 

مفهوم الهجرة غير المشروعة :

“الهجرة”  ظاهرة اجتماعية عرفها الإنسان و الحيوان منذ بدأ الخليقة و معناها لغويا الترك و الإنتقال، و اصطلاحا ترك الموطن الأصلي إلى غيره من المواطن، و على المستوى الإنساني هي إنتقال البشر من موطن إلى آخر، و تستخدم في العلوم الإجتماعية بمعنى التحركات الجغرافية للأفراد و الجماعات .

وقد أمرنا الله تعالى بالهجرة فقال “ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها “( النساء – 97)، و بالهجرة تكونت حضارات إنسانية عديدة، فتعمير الأرض تطلب من الإنسان الهجرة من مكان إلى آخر، واستقرار كل جماعة متوافقة على قطعة من الأرض بصفة الدوام و الإستمرار.و هذه هي الهجرة المشروعة التي إستمرت تحدث منذ ملايين السنين هي عمر الإنسان على الأرض منذ أن أرسل الله آدم و حواء على الأرض .

و نبادر إلى التأكيد على أن “الهجرة” حق الإنتقال من مكان إلى آخر، هي حق من حقوق الإنسان أمرت و حثت عليها الأديان السماوية لعمارة الأرض . و أقرتها المواثيق الدولية من خلال الأطر القانونية التي تحددها كل دولة لدخول أجنبي إلى أراضيها، و في حالة مخالفة القوانين المعمول بها تتحول الهجرة من حق إلى عمل غير مشروع .

و لو حاولنا إعطاء مفهوم للهجرة الشرعية بسيطا لقلنا بأنّها الانتقالُ مِنَ البلد الأمّ للاستقرار في بلدٍ آخر، وهي حركة أفراد التي يتمّ فيها الانتقالُ بشكلٍ فرديّ أو جماعيّ من موطنهم الأصليّ إلى وطن جديد، وعادةً ما توجدُ ظروفٌ عديدةٌ تُؤدّي إلى الهجرة، مثل انتشار الحروب الأهليّة أو الخارجيّة في الدّول، أو سوء الأوضاع الاقتصاديّة والتي تُعتبرُ من المُحفّزات للهجرةِ. وتحرصُ دول المَهجر على تطبيقِ مجموعةٍ من الآليات القانونيّة والتشريعيّة، والتي تَضمن حماية واحترام كامل حقوق المُهاجرين. ووفقاً للتّعداد العامّ للهجرة عام 2013م وصلَ عدد المُهاجرين من دولهم الأصليّة إلى 247 مليون نسمة.(1)

إن ما سبق سرده يدفعنا للحديث عن الهجرة غير الشرعية التي تعرف من وجهة نظر الدولة المهاجر منها: على أنها خروج المواطن من إقليم دولته بطريقة غير مشروعية سواء من غير المنافذ المخصصة لذلك، أو من منفذ مشروع و لكن بطريقة غير مشروعة مثل إستخدام وثيقة سفر مزورة أو خروج المهاجر متخفيا .

بينما الهجرة غير المشروعة من وجهة نظر الدولة المهاجر إليها : هي وصول المهاجر إلى حدود أراضيها البرية أو البحرية بأي طريق مشروع كان أو غير مشروع، و مهما كان غرضه، طالما كان ذلك بغير موافقة تلك الدولة، و يشمل ذلك الوصول المشروع لأرض الدولة و إقامته بها لمدة مؤقتة بموافقتها، ثم رفض المغادرة بعد إنتهاء مدة الإقامة المحددة سلفا .

وهكذا يختلف مفهوم الهجرة غير المشروعة من وجهة الدولة المهاجرة منها الفرد ، عن وجهة نظر الدولة المهاجر إليها ، وتلك أحد جوانب المشكلة . 

الهجرة غير المشروعة أو غير الشرعية أو السرية عبارة عن هجرة من بلد إلى آخر بشكل يخرق القوانين المراعية في البلد المقصود، بحيث يتم دخول البلاد دون تأشيرة الدخول.

ينتمي أغلب المهاجرين غير الشرعيين إلى بلدان العالم الثالث، الذين نحاول أن نخص بالذكر منهم المهاجرين الجزائريين نحو أوروبا .

و كما جاء طرحا في إشكاليتنا حول مفهوم الهجرة غير الشرعية و ما يرتبط بها من  أشكال مختلفة، فإن توصيفنا لأشكال تلك الهجرة سيكون مختصرا، لأنه جاء من باب التلميح لا من باب التصريح . الهجرة الإنتقالية، التهجير القسري و الاتجار بالبشر .(2)

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك