مساعدة ليبيا واجب أخلاقي ومصلحة عليا

توحيدها

بقلم: صالح عوض

ترهونة بعد الوطية.. أجل السيف أصدق إنباء من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب.. فبعد فشل مسلسل اللقاءات والمفاوضات والاتفاقيات والقرارات الأممية بوقف إطلاق النار والدعوة لحل سلمي، هذه هي نتائج الاشتباك المسلح الداخلي في ليبيا تظهر ملامح المستقبل.. فلقد صمدت طرابلس في مواجهة هجوم مسلح مزود بالمرتزقة، والمنظمات الدولية، ودعم من قبل دول إقليمية ودولية، وقد أثبتت قدرتها على حماية الشرعية كسلم للخروج من السقوط وأثبتت قدرتها على كسر شرعية منطق السلاح.. فما تسطره طرابلس هذه الأيام سيكون له مردوده الواضح على أمن دول الجوار.

سنة دامية عاشتها طرابلس، تعرضت خلالها لقطع مياه الشرب، وقصف مساكنها الآمنة ومستشفياتها المتواضعة، وتم تعطيل منافذها الجوية والبحرية والبرية.. رهانات كبيرة وقفت خلف الاحتراب المجنون من قبل دول عظمى ودول صغرى وطموحات غير مشروعة يسكنها الجشع واللصوصية.. ومن دمهم قدم الليبيون فاتورة الحرب العبث..

ليبيا البلد العربي بمساحته الكبيرة، وثرواته المتنوعة الهائلة، وقربه من أوربا، وطريق التواصل بين مشرق العرب ومغربهم.. الذي قدم بلا تردد واجب الإخوة قوافلا من الشهداء والمجاهدين في جهاد فلسطين، وقدم أرضه كلها دروبا لقوافل سلاح الثورة الجزائرية.. الشعب الذي تعرض لحملة تغييب عن الحياة عشرات السنين ألجأت مئات الآلاف منه إلى الهجرة في بلاد الغربة، وجد نفسه بين الخيارات الصعبة فتعرض لصواريخ القريب والبعيد ولكل عناوين الجريمة وقواها.. يعيش منذ تسع سنوات الفوضى المجنونة والتمزق القاتل وتدخل أصحاب الأجندات لإغراء بعض الليبيين ببعضهم.. إلا أن الوقائع على الأرض بعد استرداد حكومة الوفاق قاعدة عقبة بن نافغ فيالوطيةواسترداد مدينة ترهونة الاستراتيجية تسجل خطوة كبيرة نحو مستقبل يقترب من توحيد ليبيا واستعادتها لسيادتها.

  الإقليمي والدولي:

دول الجوار “مصر، تونس، الجزائر، السودان، وتشاد، النيجر” والمتدخلون الإقليميون “الإمارات،السعودية، تركيا، قطر” والبعض يضيف إيران، ولقد أكدت الصحف الصهيونية دور الموساد في دعم حفتر بتقديم معلومات مهمة له وهناك أدوار صهيونية في دول الجوار كما هو الحال في تشاد والنيجر.. والمتدخلون الدوليون: روسيا وألمانيا وبريطانيا وفرنسا وايطاليا وأمريكا.. تتقاطع المصالح حينا وتتصادم أحيانا ويختلط فيها الاستراتيجي بالتكتيكي.. فأين ليبيا من كل ذلك؟ من أين يبدأ الحل؟

ليس من المجدي إعادة ما تنشره وكالات الأنباء عن أحجام الأدوار التي تقوم بها الأطراف جميعا في الشأن الليبي، أو عن سير المعارك والاشتباكات”، ولذا سنتجه إلى الخفي من المعركة التي لا تنحبس في حدود ليبيا لان هي ساحات المعركة الحقيقية.. ففي جوار ليبيا تتصاعد الأزمة وترسم معالم سياسات جديدة وحراك سياسي جديد كما نتابع في تونس حيث محاولات الانقلاب والتطرف في الإصطفافات التي تجد دعمها من دول خليجية.. كما بالضبط ينبغي ملاحظة أنها تشعبت لتشمل البحر المتوسط وصولا الى تركيا ونزاعها البحري مع اليونان ورسم الحدود البحرية مع الدول الحوض في قبرص واليونان وايطاليا وليبيا ومصر.. وهذا يعني تفعيل أزمة حقيقية بين مصر وتركيا ولتصطف كيانات المنطقة حول المحورين في معركة لن تنتهي قريبا.. الأمر ليس فقط ترسيم حدود بحرية إنما وضع يد على حقول الغاز و الفلك الاستراتيجي للدول، وبناء موانئ وفتح أسواق وتشبيك للعلاقات الأمنية وتمدد خارج الحدود..

والأزمة كذلك تدخل في تفصيلات الحياة السياسية والاجتماعية في دول جوار ليبيا فتونس ومصر والجزائر في حالة استنفار قصوى لما ستسفر عنه نتائج الاشتباكات في طرابلس ففي حين تؤكد تونس عدم قدرتها على إيجاد توافق في التعامل على خيار محدد تجاه الأزمة الليبية يتبين إن المكونات السياسية التونسية قاب قوسين أو أدنى من انفجار مدوي يعطل عمل البرلمان وتتصاعد الأزمة التونسية على ضوء الأزمة الليبية ليصل الحد بكتل برلمانية بطلب سحب الثقة بالغنوشي وإسقاطه من رئاسة البرلمان على اثر زيارته الأخيرة لتركيا و التي حسب رايهم بدأت بالتدخل في الشأن الليبي عسكريا، وفي الجزائر استنفار امني وسياسي عالي المستوى بسبب تصاعد التدخلات الإقليمية والدولية في ليبيا فلقد احتفظت الجزائر بموقف رفض تدخل الآخرين الإقليميين والدوليين مع جهة ضد جهة كما أنها رفضت التصعيد العسكري الأخير من قبل حفتر حول طرابلس مجددة بضرورة التأكيد على شرعية دولة الوفاق الوطني.

من الواضح إن الاهتمام الأمريكي بتطورات الصراع على الأرض ظل لفترة  طويلة أقل من المعتاد مقارنة بالاهتمام الأوربي لاسيما الفرنسي والألماني والبريطاني والايطالي ولعل مرد ذلك إستراتيجية أمريكية تفضي إلى مسايرة الصراع حتى يتورط الجميع بخسائر وتشابكات معقدة تستوجب تدخلات حاسمة تعرف الإدارة الأمريكية كيف توجهها في الوقت المناسب وبالتأكيد هذا لا يعني أنها بعيدة عن المشهد بل هي ترسي قواعد فيه وتخترقه بأشخاص ووقائع سيكون لها الدور الأساس في المرحلة القادمة.. فلقد  تبدل الموقف الأمريكي من مرحب ولو بشكل غير رسمي بحفتر حيث استقبلته على متن فرقاطة أمريكية قبالة مدينة بنغازي إلا ان الإدارة الأمريكية الآن تؤكد على دعمها لحكومة الوفاق الوطني.

أما الموقف الروسي فبعد نفي الروس مشاركتهم في الحرب الدائرة على الأراضي الليبية زمنا طويلا  تم الكشف عن مجموعات العنف وعصابات الموت والمنظمات المرتزقة ثم ظهور السلاح الروسي بكثافة وإنشاء قاعدة طيران عسكري في ليبيا.. وأصبح واضحا ان هناك رغبة روسية كبيرة في التواجد في المشهد الليبي.

ملفت حقا أن تدعو برلين لعقد مؤتمر دولي في مرحلة تعاني فيها أوربا من هزال سياسي وتفكك فتتقدم برلين بهذه المبادرة الكبيرة في قضية ليست أوربية لتمنح نفسها صلاحية المبادرة في أزمات العالم،.. هذا في حضور واضح للدور الفرنسي والايطالي والبريطاني من خلال  سيطرة على حقول نفط وحمايتها بمليشيات يتم تدريبها في دول الجوار..

العرب وليبيا:

المشهد يعبر عن ترحيل العرب حل  أزماتهم الى خارج إطارهم الأمني والسياسي وتحويل قضاياهم الحساسة إلى أن تصبح شأنا دوليا يتم النظر إليه بعين المصالح الغربية في المنطقة..

وهنا نكتشف حجم دور التناحر الإقليمي العربي المحيط بليبيا في تأزيم الوضع الليبي إذ كيف يجتمع عرب الجوار تحت القبة الألمانية ولا يجتمعون لوضع خطة عربية تقوم على تنفيذها دول الطوق العربي ووضع آليات ورصد إمكانات عسكرية ومادية وسياسية وإعلامية لإنجاحها وفرض أمر واقع على كل التراب الليبي والتهيئة بتأهيل الدولة ببناء مؤسساتها وجيشها بمعايير مهنية تنهي حالة التشظي المليشيوي.. ومن باب أولى منع التدخل الروسي والفرنسي والايطالي في أي شكل كان..

التدخل الحاسم لدول الطوق مطلوب ليس فقط بدافع أخلاقي بل من باب الأمن القومي العربي في منطقة غاية في الخطورة.. فليس خافيا تدخل الأجهزة الأمنية الصهيونية في المنطقة وفي دول الجوار بالذات في تشاد والنيجر وسواها حيث يقوم المستشارين العسكريين الصهاينة بأعداد جيوش لمهمات خاصة كجيش جنوب السودان وتمتد اذرع الأجهزة الأمنية الصهيونية في ليبيا وتونس لإحداث الارتباك المطلوب.. ثم لعله من باب المعلوم بالقطع ان انفجارا امنيا في ليبيا يعني تسريب السلاح والمسلحين الى دول الجوار تونس ومصر والسودان والجزائر مما يشكل خطرا حقيقيا على الأمن القومي العربي في كل المغرب العربي والمشرق العربي.. وهكذا يتضح لنا حجم الخسارة التي تلحق بأمننا العربي مع كل لحظة لا تستغل في عمل جدي يطوق المشكلة ويبادر بحلها ولو بالقوة العربية.. ولقد سبق للعرب ان قاموا بتشكيل قوة الردع العربي في لبنان وهناك ميثاق عربي للدفاع العربي المشترك تمثل غطاء لاي جهد عربي مشترك.

وليبيا القريبة تعني بوضوح أن سلمها هو سلم المنطقة ودول الجوار وأن اضطرابها وانفلات الأمور فيها إنما هو خطر أمني واستراتيجي على المنطقة كلها..  وليبيا القريبة هي فلكٌ اقتصادي لمعيشة ملايين المصريين والتونسيين وهي بثرواتها الفائقة ضمانة حقيقية لمشاريع مستقبلية في الاستثمار في محيطها العربي.

إن الأزمة الليبية موضوع حساس لأنه يهم الأمن الإقليمي ولأن الانفلات الأمني في ليبيا أصبح خطرا يهدد الإقليم برمته وهنا تتضح أهمية بحث دول الجوار بالتنسيق مع القوى الموجودة على الأرض في ليبيا عن تنفيس الأوضاع وترتيب الوضع الأمني  بما يحقق الاستقرار بهذا البلد وينعكس على الإقليم كله.

لدي  قناعة راسخة بأن للجزائر دورها واحترامها لدى دول الإقليم، وأنه بإمكانها بناء على خبرتها الدبلوماسية العالية ومواقفها الثابتة والموثوق بها أن توفر مناخا سلميا وسليما بين الأطراف المتنازعة وتحقق في هذا المجموع الليبي حالة من التجانس والإستقرار.

 

الجزائر وليبيا:

لم يكن الشيخ المرحوم احمد توفيق المدني القيادي في الحكومة المؤقتة في كتبه “كفاح شعب” أكثر من ناقل لموقف ليبيا ونظرتها للجزائر إبان الثورة فبعد ان منعت الحكومة الليبية مرور السلاح من مصر برا إلى الجزائر عبر التراب الليبي بسبب تسريب بعضه عن طريق مخابرات مصرية لمعارضة ليبية.. توجه الشيخ احمد توفيق لمقابلة الملك السنوسي وشكا له تصرف حكومته فأمر فورا بفتح الحدود وعندما اعترض مستشاره العسكري ان ذلك يهدد امن ليبيا قال الملك المحترم: “فلنربح الجزائر حتى لو خسرنا ليبيا”.. علاقة أبدية رواها الدم المشترك ولقد شهدت سنوات الثورة الجزائرية المجيدة على عميق الإسناد الشعبي والرسمي الليبي المعبر عن أصالة العلاقات بين البلدين..

لقد ربط التاريخ كما الجغرافيا والدم كما العقيدة بين الجزائر وليبيا عبر القرون فكانت ليبيا العمق الأمني والاستراتيجي للجزائر وكانت الكتلة السكانية تنزاح من هنا إلى هناك عبر الصحراء بكل سهولة وليونة ولم تخن عبقرية المكان طبيعتها فمنحت الجزائريين الإحساس الاستراتيجي بالمسئولية والأمانة التاريخية على عمقهم في ليبيا.. ولمدة طويلة كانت الطرق الصوفية الجزائرية تمتد بنفوذها وحيويتها في ليبيا شرقا وغربا وجنوبا وعلى رأسها الحركة السنوسية.. ومن هنا فمن العبث ان يصار الى حل في الساحة الليبية دون دعم جزائري و حماية  جزائرية

من هنا تشرئب الأعناق إلى الجزائر البلد الشقيق الذي يمتلك حضورا معنويا وروحيا مميزا في ليبيا لا يمتلكه احد، ذلك لأن الجزائر تؤمن بأنه لا يجوز بأي حال من الأحوال التدخل في الشئون الداخلية لأي بلد وانه لا يجوز تبني أجندة معينة في اي دولة وتؤمن بضرورة التعامل على نفس المسافة مع جميع الرفقاء، وتؤمن الجزائر ان عدم التدخل لا يعني عدم المبالاة.. لأنه لا يمكن تخيل أمن واستقرار جزائري بدون أمن واستقرار ليبي، ومن هنا تتجدد المهمة التاريخية والدور الاستراتيجي للجزائر في الإقليم بأن يكون للجزائر مبادرتها في انجاز توافق من خلال ترجمة واضحة في مؤسسات ودستور.. ومن هنا جاءت تصريحات صناع الموقف الجزائري بأن الجزائر على أتم الاستعداد لاحتضان مؤتمر يجمع الإخوة الليبيين للحوار والنقاش وأن هذا سيجد كل الدعم من الجزائر التي ترى طرابلس خطا أحمر.

كلمة أخيرة:

بالتأكيد سيكون على الليبيين الدور الأساس وهم قد اثبتوا على مدار سنوات طويلة انهم شعب قوي ومصر على الحياة وهم قدموا حتى الآن تضحيات كبيرة من اجل تكريس نظام يوحدهم ويجمع طاقاتهم في مشروع يرفع مستوى الحياة لشعب مظلوم.

وهم الآن بعد أن استطاعوا إحداث ضربة الإيقاف الاستراتيجي في الوطية تقدموا لتحقيق الانتصار في ترهونة وسيواصلون الى الجفرة وسيرت وصولا الى بنغازي.. وان ذلك سيواجه بتدخلات عنيفة من قبل دول بعيدة تطيل من عمر الأزمة.. وكثرة المتدخلين ستزيد في تعفين المشهد مما يفرض على كل المخلصين في ليبيا وفي دول الجوار ان يسارعوا عمليا لاستكمال خطوات التوحيد وبناء مؤسسات وطنية حماية للوطن والإقليم والله غالب على امره.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك