مراكز الأبحاث لرسم سيناريوهات العدوان

غطرسة

بقلم: صالح عوض

تعيش الولايات المتحدة الأمريكية مرحلة ما بعد الدولة.. صحيح أنها تتمتع بكل صفات الإمبراطورية و لكنها لم تتوقف عندها فقد تجاوزتها بقفزة ميزتها عن طبيعة الدولة التقليدية حيث يتفرد رأس المال المكرس في قطاعاته العملاقة :”النفط والمجمع الصناعي العسكري والعقارات والبنوك” في بناء كيان خاص-حكومة المال- يوجه الدولة لتحقيق مزيد من الربح بفعل التجارة والحروب أو السياسة والابتزاز.. وهنا نجد أنفسنا أمام نمط من الحكم مختلف تماما، فليست فقط مصلحة دولة الولايات المتحدة ولا شعوبها بل في الأساس مصالح كبار أصحاب المال.. وهنا ازدهرت مراكز الأبحاث والدراسة للقضايا خدمة لسياسة تلك المجموعة، ومنحت دورا أساسيا في صناعة القرار تجاه الداخل والخارج سواء.  

أدوات فعالة: 

يمكن تقديم تعريف مبسط لمراكز الأبحاث على أنها شبكة هيكلية من المؤسسات تتخلل المجالات الأكاديمية والسياسية والتجارية والإعلامية وتربط بينها وتتداخل معها.. ويعود تاريخ هذه المؤسسات إلى وقت بعيد. ولكن بدأ تأثيرها يتزايد مع انتهاء الحرب العالمية الثانية، وبروز الولايات المتحدة كقوة عظمى في مواجهة الاتحاد السوفييتي.

وقد بلغ عدد مراكز البحث في الولايات المتحدة 1776 مركزاً، أنشئ 91% منها منذ 1951، وأكثر من 50% منذ 1970. وتجدر الإشارة إلى أن نحو 20% من هذه المراكز تتخذ من العاصمة واشنطن مقراً لها.ولقد أصبحت منذ خمسة عقود عنصرًا أساسيا لجلسات الاستماع في دوائر صنع القرار لاسيما في الولايات المتحدة الأمريكية وما تضخه من مواضيع في الصحافة والمؤسسات الإعلامية، ومن الضروري التنبيه إلى أن توجهات السياسة الأمريكية لا تعتمد على السياسيين والأحزاب فقط، بل إن التأثير الأكبر تجاه القضايا الداخلية والخارجية يأتي من بيوت الخبرة أو «خلايا التفكير Think tanks» التي تنتج كمًّا كبيرًا من الأبحاث والدراسات، لتشكل قاعدة معلوماتية وإستراتيجية للأحزاب والحكومات. فالباحثون في مراكز الفكر يهتمون بالأسئلة الملحة وأحداث الساعة وكثيراً منهم سبق لهم أن شغلوا مناصب حكومية، الامر الذي يعزز معرفتهم بآليات صنع القرار وثقة صانع القرار بالباحثين.. لذا تضع هذه المراكز التصورات للإستراتيجية المرادة والسيناريو المراد وتغطيها إعلاميا لحروب قاسية وكبيرة كما حصل في حالة الغزو البريطاني الأمريكي للعراق.. فهي قد أصبحت تؤسس للتأثير ولكسب المصالح على مستوى العالم، و مراكز الأبحاث غير مستقلة، فإن الباحثين فيها يسعون لدفع أجندات مموليها، مكرسين بذلك ثقافة نفوذ المال في واشنطن في تسيير الدولة وسياستها الخارجية فهي لصناعة رؤية وخطة.

تحظى مراكز البحث باهتمام بالغ في الولايات المتحدة فلقد زاد عددها في العالم عن 7815 احتلت الولايات المتحدة مكانة الصدارة والأسبقية بامتلاكها 1872.. فمعهد بروكنغز الأمريكي، يعتبر أقدم المراكز البحثية عالميا، يليه المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، وهو واحد من أهم مراكز الفكر في فرنسا، ثم مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، إضافة إلى مركز بروكسل ببلجيكا. 

وتظهر أهمية مراكز الأبحاث في حجم انتشارها في الولايات المتحدة والدول الغربية فواشنطن وحدها تحتوي على 400 مركز بحثي،  فيما جميع الدول العربية تحوي نحو 497 وبغض النظر عن النوعية، وفي الكيان الصهيوني تقدر عدد المراكز بـ67، و في تركيا ما يقدر بـ46، اما إيران فقد بلغت المراكز فيها 61.. وهنا لابد من تصور الفرق الهائل بين قدرات مراكز البحث وأدوارها في كل من أمريكا وبريطانيا وفرنسا من جهة، ونظيراتها في الوطن العربي وتركيا وإيران.. ومن هنا تبحث هذه الدول عن مراكز البحث في واشنطن وتقدم لها أثمان قيامها بمهمات لها علاقة بالنظام وقبوله لدى الإدارة الأمريكية، فهناك مراكز جديدة أصبحت مختصة بالزبون العربي لم تنشأ من عدم بل من باب تمويل داخل ثري وخارج يبحث عن سهمه في دوائر الحكم، وقد كشفت مؤسسة “صن لاين” المعنية بمراقبة الشفافية أن 3 دول عربية احتلت مراكز متقدمة بين دول العالم في الإنفاق على التأثير في السياسة الأمريكية.  

تفيد الدراسات المتابعة لشأن المراكز أن عدد الباحثين في مركز (راند) الامريكي يبلغ 1600 باحث بميزانيته 150 مليون دولار سنوياً، ولا ننسى كذلك مركز (كارنيجي) و (بروكينجز) فهما في غاية الأهمية حيث يرسلان توصيات وتقارير إلى مؤسسات اتخاذ القرار في أمريكا، ويعتبران أهم المؤسسات الفكرية المؤثرة.

 وتفيد الإحصاءات أن الإنفاق على 21 مركزًا أمريكيًا يتجاوز المليار دولار في عام واحد، ويكشف هذا مدى التسارع نحو نمو هذه الصناعة؛ لذلك لا غرابة أن تجد رئيس استخبارات سابق أو سياسيًا متقاعدًا أو جنرالا متقاعدا أو متطرفًا يمينيا رأسماليا يسارعون لامتلاك مراكز التفكير أو إدارتها او الوظيفة فيها برتبة مستشار.. ولكل مؤسسة أبحاث ووظيفة معينة بشكل جوهري.

أدوات حرب:

من خلال متابعة ما يصدر من تقارير تصلنا بعد فوات الأوان من مراكز الأبحاث والدراسات الأمريكية والغربية يفاجئنا الاهتمام الدقيق والتفصيلي بشئوننا ونستغرب لحجم الوضوح فيها ونتساءل لم يتم الإفراج عنها؟ ولكن يبدو أن الإفراج عن بعضها في منتصف الطريق يتم لأهداف نفسية، لنكتشف أن كثيرا من بلداننا يتم إدارة الصراع فيها أو حولها من خلال مراكز الأبحاث الأجنبية.. فلا توجد قضية من قضايانا الا وقد تمت حولها دراسات وبحوث مستفيضة انتهت الى سيناريوهات قدمت الى صانع القرار في أمريكا.

وبمتابعة لمراكز البحث والدراسة الأمريكية والتقارير السياسية نكتشف الاهتمام التفصيلي بشئون بلداننا العربية وقضاياها وطرح الحلول لها والمقترحات فلا تكاد تكون هناك معضلة داخلية أو خارجية تعاني منها بلداننا إلا وهي موجودة على طاولة البحث لصناعة السيناريوهات و الأجواء الملائمة.

فقبل العدوان الثلاثيني على العراق بثمان سنوات أصدر مركز الأبحاث التابع لوزارة الخارجية الأمريكية رؤية للتعامل مع الجيش العراقي ووضع السيناريو تماما والذي تم العمل به في سنة 1991 بالتفصيل.. واقترح أن يتم جر الجيش العراقي لأزمة في دول الخليج لاسيما الكويت فيما كانت الحرب العراقية الإيرانية متواصلة. 

وفي مذكراته يقول الحاكم الأمريكي للعراق بول بريمر:  “حين دخلت مكتبي في بغداد وجدت مذكرة على سطحه معدة من مؤسسة “راند” البحثية صريحة ومهنية تشرح لي ما ينبغي فعله”.. وهكذا نكتشف أنه ليس فقط صناعة القرار والتحليل السياسي واقتراح الحلول للمشكلات أمام الإدارات الأمريكية بل امتدت إلى أن تصبح خطة يدار بها الشأن العربي مباشرة بعد الاحتلال.

 في عام 2004م  كتب الباحثان “راي تاكيا” و“جفوسديف” كتابا مهما وخطيرا بعنوان: (انحسار ظل النبي -صعود وسقوط الإسلام السياسي الراديكالي) حيث اقترحا فكرة السماح للتيار “الإسلامي الديمقراطي” بالصعود إلى السلطة ثم إسقاطه (حيث يتم استخدامه).. وذلك قبل الربيع العربي بسبع سنوات.

كذلك جاءت توصيات مؤسسة “راند” في عام 2004م بعنوان(الإسلام المدني الديمقراطي). يدعو فيها إلى فتح المجال والسماح “للإسلاميين الديمقراطيين” المشاركة في الانتخابات التشريعية.

وكذلك تقرير مركز راند الخطير الذي صدر في عام 2007م وكان بعنوان: (بناء شبكات مسلمة معتدلة)، وبعد ذلك بناء شبكات العنف داعش وسواها كما أكدت هيلاري كلينتون، وفي السياق تصف الباحثة الكندية ( نعومي كلاين) في كتابها (عقيدة الصدمة) دور المستشرق والباحث والمفكر الرأسمالي المتطرف (ميلتون فريدمان) في تشكيل قرار المؤسسة الأمريكية في السياسة الأمريكية، ودوره في معظم الكوارث التي رعتها أمريكا، ومن كتبه المشهورة “الرأسمالية والحرية”.

 وليس أخيرا صفقة القرن التي عكف عليها رهط كبير من الباحثين الأمريكان في شتى التخصصات بإشراف كوشنير صهر ترمب وقدموا رؤية تفصيلية لحل القضية الفلسطينية من وجهة نظرهم.

  أهم المراكز

تتحرك  مراكز الفكر بإمكانات معتبرة حيث تتشكل هيئاتها الاستشارية من شخصيات لها وزنها المالي والسياسي فتتحرك بثقة على دوائر صنع القرار بعدة آليات بالاتصال المباشر مع صناع القرار وأمام لجان الكونجرس حول المواضيع ذات الاختصاص مثل لجنة الشئون الخارجية والموازنة والقوات المسلحة.. ويتم من خلال التواصل مع كبار الموظفين الإفساح لهم مستقبلا عن وظائف معتبرة في مراكز الأبحاث، و من خلال الظهور المستمر عبر وسائل الإعلام تصبح هذه المراكز ورجالاتها أداة تشكيل الرأي العام باتجاه معين.. وتعتمد هذه المراكز الكتيبات والدراسات وتوزيعها بشكل دقيق على صناع القرار.

 نشير هنا الى أبرز 6 مراكز، حسب أحدث تقرير أصدرته جامعة «بنسلفانيا» الأمريكية:

  1. معهد بروكينغز ومقره في واشنطن وتأسس سنة 1916 وهو يحتل المركز الأول بين «مراكز الفكر» في الولايات المتحدة الأمريكية في مجال الإعلام، وفي قاعات «الكونجرس» بين أعضاء الحزبين، ومن ناحية أخرى فهو يُعد أحد أكثر مراكز الفكر تأثيرًا في السياسات الأمريكية العامة. 

2 مؤسسة «كارنيغي» تشكل قاعدة ضخمة من المعلومات والتقارير والأفكار التي تؤثر على السياسة الخارجية الأمريكية بشكل كبير  وذلك  لتوزع فروعها في واشنطن وموسكو وبيروت وبكين وبروكسل، و لقد بدأ برنامجها  الخاص بالعرب   في عام 2002 تحت عنوان «من أجل تقديم وجهات نظر تحليلية وفهم مقارن واسع لكيفية حدوث التحولات السياسية وخبرة إقليمية عميقة للتأثير على مسألة التطور السياسي في العالم العربي».

  1. مؤسسة الدراسات الإستراتيجية والدولية ومقرها واشنطن العاصمة وتأسس سنة  1962 وهو يُعد أفضل مركز فكر في مجال الأمن والشؤون الدولية، وتؤخذ تقاريره بعين الاعتبار في مجالات التجارة والتكنولوجيا والتمويل والطاقة.
  2. “مؤسسة راند” ومقرها كاليفورنيا وتأسست سنة 1948 بدأت في عام 1946 كمشروع مموّل من سلاح القوات الجوية الأمريكية ليضم حوالي 200 من الباحثين والعلماء والرياضيين ثم استقل المشروع بفضل تمويل ضخم من شركة «فورد» الأمريكية ليأخذ شكله الحالي. وتملك 9 مقرات حول العالم، أحدها في الدوحة عاصمة قطر.
  3. “مجلس العلاقات الخارجية” ومقره نيويورك وتأسس سنة 1921 وهو يُعد أحد أكثر المراكز تأثيرًا في السياسة الخارجية والعلاقات الدولية في أمريكا، ويصدر عدة مطبوعات ويقدم استشارات للهيئات الحكومية الاستخباراتية الأمريكية.
  4. مركز “وودرو ويلسون الدولي للباحثين” ومقره واشنطن العاصمة وتأسس في سنة 1968  تقديرًا لاسم الرئيس الأمريكي الأسبق «وودرو ويلسون»، يعمل المركز على 9 برامج منها برنامج الشرق الأوسط الذي بدأ في عام 1998، وبرنامج مميز لتوثيق كوريا الشمالية.

 المال العربي في الخدمة: 

لغياب مراكز البحث المحلية العربية أو لهزالها، تلجأ  الدول العربية إلى توظيف شركات العلاقات العامة أو ما يُعرف بمؤسسات الضغط “”Lobbying في واشنطن، و تسعى دول الخليج العربي للتعاقد مع معهد الشرق الأوسط Middle East Institute، ومجلس سياسة الشرق الأوسط Middle East Policy Council، مؤسسة “بيل وهيلاري وتشيلسي كلينتون”.. وتتنافس دول مجلس التعاون الخليجي فيما بينها لترويج سياساتها منذ بداية عقد السبعينيات وطفرة النفط، وذكر تقرير نشرته  “نيويورك تايمز” قائمة من الدول التي تسعى الى ذلك منها المغرب ومصر والسودان، فضلا عن قطر والإمارات،. . وذكرت الصحيفة في تقريرها: “الترتيبات تشمل معظم مراكز الأبحاث الكبرى والنافذة في واشنطن، منها معهد بروكينغز مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية والمجلس الأطلسي، مضيفة أن كلّ واحد منها يتلقى أموالاً من مصادر أجنبية، لقاء تقديم دراسات سياسية، وترتيب منتديات نقاشية وعقد لقاءات خاصة بمسئولين رفيعي المستوى تتعلق بأجندات الحكومات الأجنبية”.. تشير الإحصاءات إلى أن 64 حكومة أجنبية منها 9 حكومات عربية،  تنفق ملايين الدولارات، يتلقاها 28 مركز أبحاث أمريكي.  

  فمثلا تساهم الإمارات بنحو 20 مليون دولار  لمعهد الشرق الأوسط بواشنطن أحد أكبر خلايا التفكير في واشنطن.. وتعهّدت قطر بتقديم “مساعدة” مالية لمعهد بروكينغز مقدارها 21.6 مليون دولار، منذ عام 2011، ما حدا بإدارته إنشاء فرع له بالدوحة ليقدم دراسات عن الشرق الأوسط وعلاقته بأمريكا، وعن الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المجتمعات المسلمة… و قامت هذه المراكز بإشاعة التهم على أطراف دول الخليج حسب الممول.  الحديث يطول عن نشاط تقوم به بعض الدول العربية في واشنطن مع مراكز الأبحاث بالذات القريبة من الصهيونية بغية توسيطها لدى صناع القرار لنيل بولصة التأمين أو تحسين صورة النظام و تطويق التهم الموجهة ضده. 

كلمة لابد منها:

يجب أن لا يتسرب إلى ذهن أحد أن مراكز الأبحاث والدراسات الأمريكية ومن يأخذ بتوصياتها تمتلك قرار “كن فيكون” كما أصاب البعض من الساسة العرب فخروا لعدوهم سجدا.. إن اليقين هنا مسألة علمية يسندها الواقع والتاريخ فلطالما أسقطت شعوب صغيرة مشاريع الأمريكان، وصفقة القرن ليست عنا ببعيد، و صمود أمتنا ماثل لإثبات عجز السياسات الفوقية.. ولكن لابد من القراءة والمتابعة فلعل هناك ما يمكن فعله لتجنيب أمتنا الفتن والمهالك والحروب الداخلية.. والله غالب على أمره.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك