“مذابح الأرمن”.. بين الحقيقة والتوظيف السياسي

في تركيا

بقلم: صالح عوض

لم تعد قضية مذابح الأرمن في تركيا 1915 مسألة داخلية أو تاريخية فقط بل إنها تمتد إلى الرأي العام الدولي والعلاقات الدولية بل وصل الأمر إلى أن تصبح شأنا داخليا في بعض الدول تثور الآن في أكثر من مكان كورقة ضغط تمارس في صياغة العلاقات بين تركيا وأوربا وأمريكا.. وهاهي تأخذ منحنى جديدا باحتمالات صراع متجدد بين أرمينيا وأذربيجان بعد مجزرة خوجالي في 1992 التي ارتكبها الأرمن، وتحرشات حدودية هذه الأيام وعلاقة ذلك كله بتطور الوضع في الإقليم.. 

العلاقة التاريخية: 

في القرن الرابع عشر، سمحت الإدارة العثمانية للأرمن بتنظيم أنفسهم كجماعة مستقلة بعد أن أصبحت مدينة بورصة عاصمة للعثمانيين عام 1326. فقبل الفتح العثماني للقسطنطينية لم يكن يُسمح للكنيسة الأرمينية الأرثوذكسية بالتمثيل لأنها مبتدعة حسب الكنيسة اليونانية؛.. وبعد فتح القسطنطينية عام 1453، قام “الفاتح” بتعيين زعيم روحي للأرمن، وهو البطريرك “هوفاكيم الأول” كما عينه بطريركًا لكنيسة أعطاها له هدية بمقاطعة صامتيا بإسطنبول.

  كانوا أحرارا في إحياء فعالياتهم الثقافية وبلغتهم وانتخاب أساقفتهم، ولقد بلغ عدد المطابع الأرمينية في الدولة 38 مطبعة في عام 1908.. وقد كان دور لكثير من أفرادهم وعائلاتهم في اقتصاد الدولة، فقد شاركوا في جميع القطاعات الاقتصادية من صناعة المجوهرات، وصناعة الخزف والمنسوجات وغيرها. ومع الوصول للقرن التاسع عشر نجد أن الدولة قد سمحت لهم بدستور خاص يتكون من 150 مادة، وكانوا يملكون مئات المدارس في القرن التاسع عشر ، ووصلت شخصيات منهم إلى أعلى مناصب في الدولة مثل وزير الخارجية، ومنهم من ذاع صيته كمؤلف للموسيقى العثمانية الكلاسيكية.

بدأت المشاكل تظهر في الربع الأخير من القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين بتحريك من الدول الأوروبية الشرقية والغربية، للمساهمة في تمزيق الدولة عبر دعم القوميين الأرمن  للانفصال بدولة على الأراضي العثمانية.. كما كان مع القوميين العرب والكرد. 

الصراع الروسي العثماني:

استمرت الحرب بين روسيا والدولة العثمانية من القرن السادس عشر حتى القرن العشرين. منها حرب بدأت في عام 1768 انتهت بهزيمة الجيش العثماني وتوقيع معاهدة «كوچوك كينارجا» بين روسيا والدولة عام 1774، أصبحت روسيا على إثرها راعية المسيحيين الأرثوذكس في الأراضي العثمانية، فشمل هذا حماية روسيا للأرمن.. وبعد إقرار معاهدة السلام التي أنهت الحرب بين روسيا والدولة العثمانية في مارس 1878، طالبت روسيا بإصلاحات للأرمن القاطنين شرقي الأناضول وأن تخبر الدول الأوروبية المهتمة بالأرمن بكل جديد يخصهم.

دعمت روسيا العناصر الأرمينية القومية، وأثناء الحرب العالمية الأولى، قرر الأرمن دعم الروس في الحرب، والانضمام إلى الجيش الروسي في حالة عبوره إلى داخل الأراضي العثمانية، حيث تم استخدام القنابل لتفجير الأبنية الحكومية، وتنفيذ المذابح بالمسلمين الموجودين في المناطق التي سيطرت عليها روسيا، وبعد توطين الأرمن كانت روسيا تقوم بعملية إدامة للوجود الأرميني في ذلك المكان وذلك بتقوية وجودهم عسكريا.

وعندما احتل الجيش الروسي شرقي الأناضول، لقي دعما كبيرا من المتطوعين الأرمن، كما انشق بعضهم عن القوات العثمانية، وانضموا إلى الجيش الروسي، وقاموا بتعطيل طرق إمدادات الجيش العثماني وإعاقة تقدمه، إضافة إلى ارتكاب العصابات الأرمينية مجازر ضد المدنيين في المناطق التي احتلتها. فلقد بلغ عدد الذين قتلوا من الأتراك في جناق قلعة نحو مائتين وخمسين ألفا مقابل ستين ألفا من الأرمن! 

الظروف المحلية:

في ظل الانهيار المتلاحق لقوة السلطنة تمتع البطاركة والحاخامات باستقلال تام في إدارة أملاك وأموال الكنائس ومؤسساتها.. كما اتسع نطاق السلطة التي يملكونها على رعاياهم، وكانوا يعتبرونها رابطتهم الوطنية والقومية، فصار آباء الكنيسة هم قادة المجتمع الأرميني بشكل مطلق.  

  وزارة الخارجية البريطانية من خلال تحقيق لها: “.. إن للسكان المسيحيين في الدولة العثمانية من دوافع الشكوى من جور رجال دينهم وأحبار كنيستهم أكثر بكثير مما لديهم من دوافع الشكوى من جور الأتراك”.. المبشر الأمريكي كريملين يؤكد في جريدة نيويورك تايمز بتاريخ 23/10/1909، :” لقد ترك رجال الدين الأرمن الدين جانبًا، واتجهوا لنشر الأفكار القومية ومع الوقت تحول التعصب الديني إلى مشاعر قومية. والجماعات الأرمينية والكتَّاب كعاداتهم يُظهرون أرقامًا خيالية في هذا الشأن، حيث ذكروا أن عدد الأرمن الذين قتلوا في أحداث آطنة 300 ألف بالرغم من أن عدد الأرمن الذي كانوا يسكنون آطنة وما حولها في تلك الأثناء 48 ألف شخص، فر منهم 25 ألف شخص إلى سوريا بسبب الأحداث الجارية، ثم عادوا مرة أخرى”. 

تأسست جمعية الصليب الأسود في مدينة «وان» عام 1878. وفي عام 1880 بدأت الجمعيات الأرمينية في روسيا ودول أوروبية بإرسال الأسلحة إلى أرمن الأناضول. وفي عام 1885 تشكل في مدينة «وان» الحزب الثوري الأرميني ، وفي عام 1887، شكل الأرمن بمدينة «جنيف» حزب «الهجناق» الذي كان يهدف إلى تأمين انفصال أرمن الأناضول.

وفي عام 1892، أعلن قيام حزب  “الطاشناق” الذي كان من ضمن أهدافه اغتيال مسئولي الحكومة و من يسمونهم الخونة من الأرمن، و من أعماله محاولة اغتيال والي «وان» عام 1892، وإثارة تمرد في مدينة “سامسون”… استمرت العصابات الأرمينية في عام 1895 في إثارة القلاقل والاضطرابات والقتل في إسطنبول، طرابزون، دياربكر، أورفة، وفي عام 1896 قامت عصابات الهنجاق والطشناق بإحداث حركة عصيان في مدينة «وان» قتل على إثرها 417 مسلمًا و 1715 أرمينيًا، وفي العام نفسه تم الهجوم على البنك العثماني في إسطنبول ، وارتقى الأمر في آخره إلى محاولة اغتيال السلطان عبد الحميد الثاني عام 1905.

التمرد:

في كنيسة جزيرة آق دمار في بحيرة وان، قرروا في “المجلس الحربي” القيام بثورات صاسون عام 1904،  و تم تحويل طلاب المدارس التبشيرية ومدرسيها الى دعاة للتحريض على الانفصال، أما كنيسة آمد ومار فكانت المصدر المالي. وقد انضم للجمعية بعض نواب المجلس والقساوسة، هذا إلى جانب النشاط البارز الذي أظهرته الكنائس الموجودة في معمورة العزيز و “وان” خاصة في شهري يناير وفبراير من عام 1915، أثناء الحرب العالمية الأولى.

 أسست الكنائس جمعية “خويبون” لهدفين: تحريض العشائر الأرمينية ، والآخر: القضاء على نفوذ ونشاط فرق الحميدية.. و قد ضبط في مراكز المدن ما يزيد عن 5000 قطعة سلاح ، وما يقرب من 300 قنبلة، و40 كجم بارود، و200 حزمة ديناميت، و5000 فتيل للديناميت. 

  البطريرك نرسيس فارجباتيان الأعلى سلطة عند الأرمن،  يقول في رسالة إلى فاركين بابازيان رئيس الجمعية الأرمنية بمانشستر عام 1878م:”إننا مدينون بالمنة لروسيا، و نأمل من إنجلترا أن توفر لنا الرفاهية المادية وسيقوم الأسقف هورين الموجود في بطرسبرج بتطبيق القسم الأول من سياستنا، أما القسم الثاني فسيتولاه البطريرك خيرميان في لندن..”  

أما البطريرك إزميليان الذي كان منظم مظاهرات صاسون عام 1894 والباب العالي 1895، و الذي وصفته الصحافة الأوروبية بأنه «البطريرك الحديدي»يقول :”نحن من الأمم التي لا تيأس ونستخدم كل الوسائل ونحارب” .. يفسر المؤرخ الأرميني فارانديان: ” عملوا على دراسة الأدب القومي، وأخذوا يمثلون المسرحيات لتذكر بانتصارات الماضي المجيد، … تحدثوا عن الأبطال والملوك القدامى، هؤلاء القساوسة أوصلوا هؤلاء الملوك إلى عنان السماء، وكانوا دائمًا مستعدين لاسترجاع فكرة الملكية كان هذا واحدًا من أقدم أوهامنا وهوسنا”  

 كانت أول عملية مهمة للقساوسة زيادة أعداد السكان الأرمن في آطنة، ومن أجل ذلك تم جلب أرمن إلى هذه المنطقة من المقاطعات الشرقية، واستقروا في الطرق والممرات الضيقة بين منازل الأرمن وأخذ الأسقف Mushegh يخطب في الناس في القرى، ويلقي المواعظ في الكنائس، ويطالب الأرمن ببيع كل ممتلكاتهم لشراء الأسلحة؛ لأنـه «فقط باستخدام الأسلحة نستطيع الاستقلال”

وفي تقرير رسمي من أحد الضباط: “في سنة 1916 عندما احتل جنودنا الروس مدينة أرضروم، لم يُسمح لأرمني واحد بدخول المدينة أو الدنو من ضواحيها”. ويضيف “لكن الحال تبدلت بعد الثورة الروسية، فانتهز الأرمن الفرصة لمهاجمة أرضروم وضواحيها، وشرعوا يسلبون المنازل وينهبون القرى ويذبحون الأهالي”.

الموقف الدولي:  

في بيان ألقاه ماكرون، أعلن “24 أبريل/نيسان يوما وطنيا لتخليد ذكرى المذابح التي قام بها الأتراك خلال الحقبة العثمانية ضد الأرمن”. وتعتبر فرنسا أن إنكار مذبحة الأرمن جريمة تستوجب عقوبة السجن لمدة سنة وغرامة قدرها 45 ألف يورو، وذلك بموجب قانون أقره البرلمان الفرنسي في ديسمبر/كانون الأول 2011. وقد اعتراف البرلمان الأوروبي بالمذابح الأرمينية في 15 أبريل/ نيسان 2015.

اعترفت 22 دولة بـ”الإبادة الأرمينية” ورفضت ذلك 193 دولة وكان لبنان الدولة العربية الوحيدة التي تبناها.  

  الكونغرس الأمريكي: إن عمليات القتل الجماعي في تركيا للأرمن ترقى للإبادة الجماعية. وفي السعودية صور تظهر تغيير مصطلح”الخلافة العثمانية” في مناهج دراسية جديدة بعد مضي قرن من الزمان عليها إلى مصطلح “الدولة الغازية”. 

الأرمن يقولون إن الدولة العثمانية أبادت 1.5 مليون أرمينيا خلال تلك الفترة الواقعة بين 1915 – 1917.. وهذا ما يفنده الأتراك الذين يقولون إن عدد الأرمن في ظل الخلافة العثمانية حسب الإحصاءات الرسمية لم يتجاوز المليون ومائة ألف.. وإن مئات آلاف الجنود الأتراك ذبحوا أثناء عودتهم من الحرب مع روسيا بتخطيط وتنفيذ من الكنائس الأرمينية المسلحة..

أراء غربية:

  نشر موقع “يوراسيا دايري” مقالا للمؤرخ الأيرلندي، باتريك والش،  يستهله بأن ما حدث يوم 24 نيسان/ أبريل هو اعتقال بضع مئات من الأرمن المرتبطين بـ”الطاشناق”، حين صادرت قوات الأمن العثمانية كميات من الأسلحة، ونقلت المشتبه بهم بالقطار إلى مواقع مختلفة ووضعت معظمهم قيد الإقامة الجبرية. وقد مُنح المعتقلون إعانة لنفقات المعيشة. وأُفرج عن معظم المعتقلين فيما بعد. وتم إعفاء حوالي 350.000 شخص من التهجير، وترك الأرمن في إسطنبول وتم نقل المسلمين في الشرق أيضًا، كما سمح للأرمن في الغرب بالعودة بمجرد انتهاء معركة جناق قلعة، وتم تخزين الممتلكات الأرمينية بدقة بانتظار عودتهم.. ويذكر والش أن “بعض المجموعات الكردية التي كانت خارج سلطة الدولة والذين كانوا خارجين عن القانون في حالة الحرب ويقاومون التجنيد، هاجموا العديد من القوافل، كرد فعل ثأري.

ويقول إن حوالي 400.000 ذهبوا إلى الشرق إلى الأراضي الروسية ، لكن روسيا رفضت السماح لهم بالعودة عندما استولت على الأراضي التي كانوا يعيشون فيها. وقد توفي أكثر من 160.000 في هذا النقل الذي حدث بالكامل خارج الأراضي العثمانية.

وأوضح أن الطاشناق ارتكبوا حملات تطهير عرقي في غرب القوقاز بين عامي 1917 و1920 في يريفان وكاراباخ ومناطق أخرى. وأكد البروفيسور جاستن مكارثي، عالم الجغرافيا الأمريكي الأيرلندي: أن معدلات الوفيات بين المسلمين تتساوى مع وفيات الأرمن. 

أما تقرير لجنة نايلز وسزرلاند الأمريكية، المفوضة من الكونغرس فيقول: “..:  أعمال النهب والمذابح، و دمار شامل في المنطقة، وخاصة مدن ولاية “بتليس” وولاية “فان”.سكان تلك المنطقة المنكوبة غالبيتهم من المسلمين “.. “إن ممتلكات الأرمن وكنائسهم وحتى النقوش التي على المنازل في “بتليس وفان” لم تُمس أو تصب بسوء في حين أن ممتلكات المسلمين ومنازلهم دمرت تدميرا كاملا”.

لازالت الوثائق تنطق بالتوصية السلطانية برعايتهم، صحيا وماليا واجتماعيا، وأمر السلطان أن يسمح لهم بنقل أموالهم المنقولة معهم، وأن تعاد إليهم مساكنهم عندما يعودون لبيوتهم، وأن لا تهدم كنائسهم، وأن يتم بناء وإصلاح الكنائس التابعة لهم التي تعرضت للضرر، كما شمل القرار إيقاع أشد العقوبات بكل من يتعرض للأرمن بالإيذاء من قبل المواطنين الأتراك الآخرين …

فيما يقول المؤرخ الأميركي “جستن مكارثي” في كتابه المهم “الطرد والإبادة “: “هجمات الأرمن على المسلمين لم يأت ذكرها أو تؤخذ في الحسبان إلا فيما ندر”.. “فإنه في العشرين من أبريل / نيسان 1915، بدأ الأرمن في مدينة “وان” بإطلاق النار على مخافر الشرطة ومساكن المسلمين، مع تقدم الأرمن وتغلبهم على قوات الأمن العثمانية، وقد أحرقوا الحي المسلم” تذكر دراسات تاريخية عديدة ان  إجمالي القتلى المدنيين بلغ ما بين 1914 – 1921 أكثر من نصف مليون شخص، على يد الميليشيات الأرمينية. 

التناقض:

إن قتل نفس واحدة إلا بالحق جريمة وإن ما حصل مأساة للأرمن والترك سواء ولابد من فتح  الوثائق المتعلقة ودراستها وعلى ذلك يتخذ الموقف اعتذارا أو مصالحة، لكن الغريب أن كل الدول التي تتكلم عن الإبادة الجماعية ارتكبتها وبإجماع البشرية، فأمريكا ضد الهنود الحمر والعراق وفيتنام، وفرنسا ضد الجزائر، و لبنان ضد مخيمات الفلسطينيين وهكذا..  فهذه الدول ليست مؤهلة للحديث عن الإنسانية.. إنهم يدعمون الحركات الانفصالية ثم يتركونها لمصيرها المجهول.. فعلوها بالأرمن وهاهم يفعلونها بالكرد وقبلهم بالقوميين العرب وسيظل هذا سلاحهم الأمضى.. فهل يقلع الانفصاليون عن أوهامهم؟ والله غالب على أمره.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك