مخطط أعباء المهندس المعماري، وجدلية الوصول للطلب العمومي

ليس الوقت مناسبا للسكوت...!

محمودي عبد الحفيظ مهندس معماري

 

القوانين تعمل على تنظيم المهنة وإرساء أعرافها، تنجح في أغلب الأحيان في بلوغ الأهداف فليس من أحد يصل درجة الكمال، بالطبع ربما جانبت الصواب في البحث عن أفضل السبل وفي الدفاع عن القضايا المهمة التي توفر العدل في ممارسة المهام بين جميع أعضائها، آملين دائما في تحقيق الأفضل على الدوام.

تستمر الجهود ولا ينبغي للمرء أن ينسى أن لكل مجتهد نصيب، ودون ان نرمي بعضنا بسهام الشكوك حول النوايا والمقاصد ومن الحكمة ان تحدد الهيئة أهدافا جديدة وسبلا مختلفة، عندما نقتنع ان التحديد والتنفيذ من قبل الجميع ولفائدة الجميع ..انه التجديد إذا … 

حتى وقت قريب لم نكن في حاجة لإثارة نقاط كهذه ولم ننتبه لتقصير محتمل او سوء تقدير من البعض ممن له يد في وضع وتنفيذ السياسات الاقتصادية التي تحكم قطاع الدراسات الهندسية، لا سيما طريقة استجلاب العروض بكيفيات غير متوازنة. 

كل ما يحيط بهذه العملية يصيبنا بالذهول، نتساءل دائما عن مصدر استلهامهم لهذا العلم الغزير الذي اعطاهم السلطة المطلقة لاقتراح ما يشاؤون دون استناد لمنطق أو معيار، الا يعتبر هذا القطاع أحد الأوجه الهامة لصرف المال العام، ويعتبر عرضا اقتصاديا يخضع لمعيار الكلفة والأرقام، يفترض ان تكون المعايير جد محددة ولا اعتقد ان الوصاية بكل امكانياتها تعجز عن حصر هذه المعايير وإلزام الجميع بها، بدل أن يتعمد أولئك المسؤولون والمدراء بحشو تلك الشروط المجحفة في دفاتر الشروط ؟؟

 

المسابقات المعمارية

 

ليس هناك ما يبرر إطلاق المسابقات المعمارية “دراسة ومتابعة” في عرض واحد مما يضر بمبدأ المنافسة وتوفير شروط العرض الاقتصادي الملائم؟ حتى إذا كانت الحاجة ملحة لإطلاق مسابقة معمارية لما يفوق ألف مسكن مثلا في عملية واحدة، ليس هناك ما يمنع طرح مهمة المتابعة في عرض مختلف يتنافس فيه الجميع بما فيه من أسندت له مهمة الدراسة لنضمن التجزئة التي تسمح بتوفير أكبر عدد ممكن من فرص الخدمات …

يصطدم الكثير بعدم الاقتناع بضرورة اسناد المئات من المساكن الاجتماعية في عملية واحدة مما يوحي باستحباب مبدأ الاحتكار لصالح الأقلية المحظوظة ضد الأقلية البائسة. 

أغلب المسابقات وحتى الاشكال الأخرى للمنافسة يشوبها الغموض خاصة عندما يتعلق الامر بالعروض الكبيرة نسبيا ربما من الضروري الان إعادة تصنيف المشاريع من حيث درجة التعقيد أو كلفة الإنجاز ، كل المعطيات التكنولوجية ووسائل الدراسة تغيرت لم تعد الكفاءة تحتسب بعدد سنوات الخبرة او المشاريع المنجزة بقدر ما يساهم التكوين المستمر و تجديد المعارف في مجالات كثيرة للوصول الى الاعتراف بالكفاءة و القدرة على انجاز الدراسات بمختلف انوعها …ربما تغلب التلميذ على استاذه ، أصبحت مشاريع الصنف “ا” اشبه بالقسم التحضيري في التعليم الابتدائي يمكن تأهيل الأطفال في دور الحضانة أو المدارس على السواء .. ! تصحيح نقطه المبدأ للمعلم هي مشاريع الصنف “ب ” شكل المباني والارتفاعات تغيرت، الحد الأدنى لعقد الخدمات تغير، الشيء الوحيد الذي بقي هو مستوى الخدمات ودخل المهندس. لا يعقل ان يكون أحد عشر (11) مسكنا يتطلب تأهيلا خاصا وقدرات مسبقة، والا كيف نفسر الحالات الكارثية لمئات المشاريع ذات النوعية الرديئة في الدراسة والمتابعة في حين اغلبها اسند بمعايير مشددة تشترط القدرات الدنيا التي لا نراها الا في الأوراق دون الواقع، وعند القلة التي تحارب الأكثرية باستئثارها بفرص الاقلية …؟

 

القيود العقيمة و التعسف المبطن

 

إذا كان لأصحاب المشاريع القدرة على تبسيط وتحرير الشروط من القيود العقيمة والقضاء على التعسف المبطن باحترام القانون لا غير، ستظهر فئة جديدة من أصحاب القدرات الذين قد يقلبون معايير الاختيار في لاحق الأيام، لان الابداع لا تحتكره السنون ولا الحظ المفتعل. ويصبح الولوج للطلبية العمومية عرضا مفتوحا للتنافس على القدرات وفقط دون قيود محبطة.

ألف مسكن ربما يعادل في حقيقة الامر خمسين (50) مسكنا من ناحية التصميم التكراري، لا توجد عمارة ضخمة بألف (1000) سكن، ومن حيث المتابعة فهي تشبه جني خمسين (50) هكتارا من البرتقال او الليمون، تعتمد على عدد المتدخلين وليس على كفاءاتهم، كأنها عمل يدوي محض، حتى الخبرة التي تنص عليها القوانين هي ارقام عدد سنوات العمل دون الإشارة الى ما يقابلها من دراسات فعلية، انها سنوات خدمة عددية ولو كان صاحبها في سبات عن العمل والإنتاج الفكري.

اين هي المعايير الخرافية التي توضع أحيانا دون وجود وسائل تقييم رياضية وعلمية لتقييم العروض، العدد الكبير من المشاريع السكنية وحتى التجهيزات في بعض الأحيان عبارة عن تحميل واقتباس مباشر او شبه مباشر من مخططات متاحة مجانا على الانترنت دون معرفة حتى عناوين المصادر وكلنا نتفق مهما كان المصمم انها هياكل بلا ارواح تفتقر احيانا للمعنى الاجتماعي للهندسة بالمفهوم الفلسفي لجدليه العمارة.

 

الثانويات والمتوسطات 

نسخ متشابهة من حيث الهيكل والمظهر العام

 

حتى أغلب ثانويات ومتوسطات الوطن نسخ متشابهة من حيث الهيكل والمظهر العام، ربما لأنها تؤدي نفس الوظيفة وبنفس توزيع المساحات، بينما للمساكن نمطان واحد للشمال وآخر للجنوب، و كان من الأنسب اعتماد الدراسة التكييفية في منح المشاريع لأنها اوفر للخزينة واوفر حظا لبقية المهندسين ممن لم يسعفهم الحظ في سد الرمق  والاستفادة من مشروع او بقايا مشروع .البعض لا تروقه الدراسة التكييفية بحجة قتل الابداع ، رغم أن هذا الأخير هو الغائب الوحيد حتي في المسابقات المعمارية لاسيما في مشاريع السكنات ، و الاكيد ان المواطن المستفيد من سكن لا يرى الفرق اطلاقا بين نموذج وآخر. لأنه غير راض عن الجميع ومعه حق. لان عوامل الاختيار لا تكاد تبتعد عن عمليات الافتتان بجمال المظهر الذي تزول آثاره مع الأيام، بينما العالم كله يعتمد بالدرجة الأولى على احترام البيئة واقتصاد الطاقة، ولم يحالفني الحظ وان رأيت معايير كهذه في دفاتر الشروط ،  فما فائدة ان يحصى الاعتماد لما يقارب 9000 مهندس معماري واخضاعهم لبطالة مقننة، اصبح لا يعني أصحاب المشاريع ممثلا في الوصاية بكل تفريعاتها الا تسجيل المشاريع وانجازها دون تحمل المسؤولية المهنية في اشراك اكبر قدر ممكن من الإمكانيات البشرية المتوفرة  ، بل تساهم هذه الظروف في إيجاد طبيعة معتمة تسمح بالمفاوضات غير القانونية بين افراد يتحينون الفرص لفرض منطقهم الاحتكاري ، لا سيما و بعض من يشرف على وضع دفاتر الشروط او تقييم العروض فيما بعد يبهرون الجميع بقدراتهم البارعة في إخفاء آثار الفساد بوضع جداول تنقيط مبهمة تسمح بالتمدد و التقلص حسب الحاجة دون ان يلزمهم القانون بعرض الاختيارات بمبررات واضحة لا سيما ما يتعلق بتنقيط المنهجية المعتمدة في العمل ، حتى امتحان الفلسة له منهجية تنقيط واضحة و مضبوطة و لا يختلف عندها اثنان ، أما بخصوص موضوعنا يحتمل الامر أراء عديدة حيثما تم تصويبها فهي الصواب  ، مراجعة المنظومة القانونية بشكل اكثر تفصيلا أصبحت فريضة قائمة .

 

البطاقية الوطنية للمستشارين الفنيين

 

حقيقة أن هيئة المهندسين لها كل الشكر في اقتراحها المقدم لوزير القطاع ضمن بيانها المؤرخ في 22/04/ 2020 باستحداث البطاقية الوطنية للمستشارين الفنيين وتسقيف مخططات أعبائهم لا سيما الخاصة بالجزء المتغير، سعيا للوصول الى تكافؤ الفرص بين الجميع وتسقيف عدد مشاريعهم، كان يفترض ان يكون الاقتراح مطبقا من وقت بعيد، غير أن مسالة منع التخفيض تتنافى مع الأعراف الاقتصادية في مرحلتي الدراسة والمتابعة، لان كل مؤسسة تمتلك قدرات تنافسية خاصة تعتبر من اسرار عملها او تفوقها وليس من الضرورة اظهارها للغير، يصبح من الضروري حينئذ فقط احترام قوانين المنافسة ومنع الاحتكار لا غير، حتى لا نبيع خدمتنا بأقل من سعر التكلفة من ناحية العرض الاقتصادي.

 

التنقيط المعتمد آليا وتنظيميا

 

كيف يكون التقييم منطقيا إذا حددت قيمة المشروع ونسبة الخدمات، كل العروض تتساوى في هذه الحالة ويصبح التنقيط المعتمد آليا وتنظيميا فقط للخروج بحل لمعادلة المنح دون مراعاة للمنهجية المطلوبة، فعلى سبيل المثال مصلحة متعاقدة اعتمدت معيار اختيار مكتب دراسات الاقدم لمنح مشروع بسيط جدا من صنف أ في حال تساوي العروض المالية، أي منطق هذا؟ في حين كان يفترض إن المعيار المالي له كلمة الفصل، ولو تم تخفيض اتعاب الخدمات ليس امرا مهما بقدر ديمومة النشاط لان البقاء يشترط الممارسة المتواصلة.

حتى أصبح الارتفاع من مشاريع الصنف” أ “الى مشاريع الصنف ” ب ” أصعب من صعود مكوك الى الفضاء فان لم تكن”الفا “او تكون “باءا ” لا يمكن ان تكون “جيما” باي حال من الأحوال، فكيف يحصل أحدهم على المشروع الأول ليمر الى الثاني بكفاءته؟ ولكن بعده لن يمر أبدا…

 

مشاريع هندسة مركبة ومعقدة

 

هل هي مشاريع هندسة مركبة ومعقدة حتى نركب القمع الذي لا يمر منه الا اصحاب الحضوة على اعتبار ان طالب الهندسة قبل تخرجه يشتغل على مختلف المشاريع ويمر بنجاح الا إذا شككنا في قدرة الجامعات على تخريج الكفاءات وهي نفسها من تخرج فيها أصحاب السمو.

أين مشاركة أولئك في مشروع المركز الدولي للمؤتمرات، ودار الاوبرا، ومطار الجزائر الدولي. ربما هذا الصنف فقط من يشترط فيه القدرات الدنيا التي لن يطالها كثير منهم -هؤلاء وأولئك-رغم كثرة مشاريعهم وصفحات خبراتهم. !

 انها بيئة تساهم في تكديس المشاريع في ايد قلة من المحظوظين المصطنعين دونما الالتفات للبقية، كأنما الجامعة لم تدرس غيرهم او كأنما احتكروا المعرفة والدراية بشؤون الهندسة، يحسبهم من يرى مخطط اعبائهم المنتفخ انهم ارباب التصاميم في هذه البلاد منهم ” الزهوات الحديدات ” وغيرهم تلاميذ في اول الطريق.

إذا استمر الجمود على حاله بموجب هذه الممارسات سوف لن يرتقي أحد في سلم المشاريع وندع الجمل بما حمل لأصحاب القدرات الخرافية من يعتقدون أن تسجل أعمالهم في التراث الإنساني، ونجد أنفسنا مستقبلا عندما تدور الدوائر لا أحد يستطيع ان ينجز مجمعا مدرسيا واحدا بحجة عدم الكفاءة، ورغم كل هذا، تحية اجلال لكل الزملاء.

 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك