“محمد كاديك” يبرز علاقة محمد بني أبي شنب بالشعر الساخر

في كتابه الجديد " سؤال السخرية وأدوات الكتابة الساخرة "

صدر حديثا للباحث الجزائري محمد كاديك كتاب جديد عن دار ميم للنشر موسوم بـ ” سؤال السخرية وأدوات الكتابة الساخرة “، أين تناول فيه المؤلف مفهوم” السخرية “، حيث أن هذا الإصدار يعد قيمة مضافة للكتابة الأدبية والروائية بشكل عام، وهذا راجع لما يحتويه من جوانب مهمة للباحثين حيث أن فكرة الكتاب راودت كاديك منذ ثلاثين عاما، إلا أن رأت النور في عام 2020، ويأتي هذا العمل بعد قرابة مائة سنة من إصدار عمل الدكتور محمد بن شنب رحمه الله الذي خصصه لأبي دلامة وشعره حسب تصريح كاديك ليومية “الوسط”.

 

الشعر الساخر في تاريخ الأدب العربي

 

 وفي ذات السياق أشار ذات المتحدث أن أطروحة بني أبي شنب التي خصّصها لدراسة شخصيّة وشعر زند بن الجون المعروف بأبي دلامة، وكانت أول مرة في تاريخ الأدب العربي يتخلص فيها الشعر الساخر من أبواب الطرائف التي اختصه بها الإخباريون العرب على مدى تاريخ طويل، ليحظى بدراسة أكاديمية هي الأولى في جنسها. وأظهر فيها بن شنب عبقرية ونبوغا؛ ولهذا، خصص “سؤال السخرية” وقفة اعتراف للمرحوم محمد بن شنب، وصفها بأنها اعتراف بالفضل لأهل الفضل يتحقق بعد مائة سنة ، قائلا كاديك  أن أطروحة محمد بني أبي شنب أحيت فيه ذلك السّؤال العالق الّذي استقاه ، في مقبل العمر، من منتخبات حنّا الفاخوري، و الذي عايشه المؤلف في “بخلاء” الجاحظ وفي بيانه، وتلمسه في أخبار ابن قتيبة وعقد ابن عبد ربّه وإخباريين آخرين، وأحسسنا به في أشعار أبي دلامة وابن الرّومي والمتنبي والبردّوني والرّصافي؛ ورافقه في أعمال سعيد بن زرقة وسعيد بوطاجين وعمار يزلي ومحمود شاكر ومحمود السّعدني ويوسف السّباعي، وغير هؤلاء ممّن يأتون بكلّ متوقّد من الأفكار، فيمتعون ويدهشون.. تلك الدّهشة التي تستولي على قارئ إهداء السّباعي في “أرض النّفاق”، فيسارع إلى صفحة الغلاف ليتأكد من اسم مؤلف الرّواية، ويكتشف أنّه يعالج نصّا مختلفا، وخطابا يقول أشياء غير التي يقولها، تماما مثل معروف الرّصافي عندما يلبس لبوس النّاصح الأمين فيقول: «ناموا ولا تستيقظوا/ ما فاز إلا النّوم»؛ أو المتنبّي حين يرتكب لغة “الفخر”، فيصف شجاعة “الكنانيّ” و”العامريّ” وهما يتصدّيان لـ”الجرذ المستغير”، ثم يمعن في الاعتراف والتّنويه بقدرات “البطلين!!” متسائلا عن المحظوظ الّذي “غلّ حرّ السّلب”.

 

التمأسس الفلسفي والممارسة الساخرة في الحاضنة الأدبية

 

 وأوضح كاديك من خلال كتابه “سؤال السخرية”،  الذي أدى به إلى البحث عن “ماهية السخرية”، في الفصل الأول   أين توقف عند “مفهوم السّخريّة” أين طرح فيه سؤالا مركزيا و هو سؤال ماهية، وأنّ أسئلته الفرعيّة تتوجه إلى طبيعة اشتغال المفهوم وآلياته؛ حيث حاول في مستهلّه أن يقدم صورة مجملة عن “التّعريفات” الّتي تداولت على المفهوم بداية من التّعريف البلاغي؛  أين سلط الضوء على “إشكالية المصطلح في اللّغة العربية”، بعد أن تبيّن لكاديك أن الكثير من الدّراسات العربية تعتمد مصطلح “المفارقة” مقابلا لـIronie، فلم يجد بدّا من مناقشة المصطلح العربي لأجل أن يمضي في عمله على بيّنة، فلمّا قدّم ما يسوّغ اعتماد “سخريّة” ويبطل اعتماد “مفارقة” بما هي المقابل الحصيف لـ”Paradoxe”، عالج مسألة انتقال المفهوم من مستوى “الحضور” إلى مستوى “الواقع”  ليتمكن في مرحلة تالية من تتبّع آثاره في التّاريخ حتّى يتمكّن من تحديد الانتقالات الكبرى التي عرفها في أثناء سيرورة تطوّره.

 

تمييز “السّخريات” وخلفياتها الفلسفيّة

وتوقف   المؤلف في هذا الكتاب الصادر حديثا عن دار ميم للنشر، عند مقتضيات مقاربة المفهوم، “التّحليلُ” تفكيكا وتشريحا، حتى يتمكّن من تمييز “السّخريات” وخلفياتها الفلسفيّة التي نشأت فيها. وهذا مطلب يمنح المقارنة مكانة استثنائية على مدى مسار دراسته؛ ويمكنه من إلقاء الضوء على الفوارق بين مفهوم السّخرية والمفاهيم التي تجاوره؛ بمثل ما يمكن من وضع متصوّر واضح لخطاطة الأنواع السّاخرة فلم يكتف المؤلف بتجليّات الممارسة الساخرة في الحاضنة الأدبية، بل تجاوزها إلى التمأسس الفلسفي، من أجل توفير الأدوات التي تسمح للكتابة الأدبية في عمومها، موضحا أن الإحاطة بمفهوم “السخرية” من شأنها أن “تسمح للكتابة الرّوائيّة العربيّة بتجاوز المحاكاة إلى الوعي بنوعها الأجناسيّ”.

“الانتقالات الكبرى لمفهوم السّخريّة”

 

  كما عالج  الباحث بمخبر الترجمة والمصطلح بجامعة الجزائر2، مسألة انتقال المفهوم من مستوى “الحضور” إلى مستوى “الواقع” ليتتبع آثاره في التاريخ، ثم فسح للفصل الثّاني الذي خصصه لـ”الانتقالات الكبرى لمفهوم السّخريّة”، فقدم صورة عن سيرورة تطوّره عبر حقول معرفيّة مختلفة، وسجل “المحطات التّاريخية التي شهدت بروز المفهوم بالشكّل الذي يمنحه فاعليّته”، بداية من “التّهكم السّقراطي”، ثم “السّخرية الرومانسيّة” بما هي اللّحظة الفارقة في المسار العام لتطوّر لمفهوم، وانتهاء إلى مقامه الفلسفي من خلال “الحوار الهيغليّ ـ الرومانسيّ” وموقف سورين كيركغور وفريديريش نيتشه، دون أن يهمل الدراسات اللغوية التي اشتغلت على الموضوع.

 

 العودة إلى تاريخ المادة السّاخرة العربيّة

 

وقال صاحب كتاب ” سؤال السخرية وأدوات الكتابة الساخرة” الصادر حديثا عن دار ميم للنشر ،إنه لم يتمنّع “السّاخر” عنّا في شعر ولا في أدب، فهو عادة يقدّم نفسه جهوريَّ الصّوت مبينًا، قويّ الحجّة لاذعًا، ولكنّ أدواته وآلياته ظلّت تختلفُ وتتعدّدُ وتتمازج بأسلوب يتفوّق على ما يتاح للذّائقة من جماله، وضاعف من العبء أنّ الدّراسات العربيّة التي كنّا نطالعها بين حين وآخر، تُجمع على الرّبط بين “الفكاهيّ” و”السَّاخر”، وتتعامل معهما على أنّهما نوع واحد. ولقد أحسسنا دائما بذلك الفارق الدّقيق بين النّوعين، ولكنّه فارق ظلّ يوهمنا بأنّه في متناولنا، حتى إذا انعقد عزمنا على تطويقه وإحكامه، يتسرّب من بين أناملنا ويفلت منّا، فلا نجد إليه سبيلا؛ ثم تبيّن لنا، بعد محاولات متعدّدة، أنّ ما نقصد إليه مقتضاه تحديد معنى “السّخرية” بذاتها، وهذا معنى لم يكن في حوزتنا ما يمكّننا من وصفه سوى قول المتنبّي: «ولكنّه ضحك كالبكا». وظلّت هذه حالنا، إلى أن وقعنا على أطروحة محمد بن شنب، فتجدّد السّؤال العالق، وأينع الحلم النّائم، وإذا بالفكرة تستفيق، فتنتفض أوراقُها القديمة، ويتحدّد لها سؤالها المركزيّ التّالي: ما السّخرية؟!

 

الانتقالات الكبرى لمفهوم السّخريّة”

 

وخصص صاحب  الأعمال الأدبية والشعرية والنقدية ، الفصل الثاني لـ”الانتقالات الكبرى لمفهوم السّخريّة”  كاشفا المتخصص في قضايا الأدب والدراسات النقدية والمقارنة ،عن سيرورة تطوّره عبر حقول معرفيّة مختلفة، مسجلا في ذلك أبرز  المحطات التّاريخية التي شهدت بروز المفهوم بالشكّل الذي يمنحه فاعليّته، حيث توقف عند “التّهكم السّقراطي”، ثم قدّم “السّخرية الرومانسيّة” بما هي اللّحظة الفارقة في المسار العام لتطوّر لمفهوم،  مقحما إياه في الأدب،  ليمنحة  صاحب هذا الكتاب القيم مقام الموضوع الفلسفيّ من خلال “الحوار الهيغليّ ـ الرومانسيّ” وموقف سورين كيركغور وفريديريش نيتشه، ما سمح له في مرحلة موالية أن يكون موضوع درس لغويّ. فلمّا استوفى حاجته من اللّحظات الفارقة في تاريخ “المفهوم”، وتوفّر له عدد من التّعريفات لمختلف تجليّاته.

 

“تشريح السّخريّة”

 

ولقد حمل الفصل الثالث  عنوان: “تشريح السّخريّة”، وتعرّض فيه إلى المفاهيم التي تبدو مطابقةً للمفهوم موضوعٍ  الدراسة ، ولكنّها لا يمكن أن تكون هي ذاته؛ فاستخرج ما يفرّق “الفكاهة” و”الهجاء” عن “السّخريّة”، ثم استخلص الفروق بين “السّخريةّ بما هي الاسم الجامع، وأنواعه التي تصنّف تحت لافتته، ومنها “التّهكم” و”الاستهزاء” و”الكلبية”، باعتبارها تنويعات لـ”السّخريّة” ترتّب وفق طبيعة الوعي الذي ينشّطها، وتفاوت درجات قوّتها، حتى يتمكن من تقديم متصوّر عام عن تصنيف الأنواع السّاخرة من خلال تقديم ما توسّم أنّه أكثر انسجاما وشمولا مثل صنافة دوغلاس ميويك وصنافة واين كلايسون بوث.

 

“السّخرياتيّة العربية”

 

واقترح كاديك في الفصل الرّابع، ما اعتبره معالم يمكن أن تكون لها ثمراتها في حقل الدّراسات السّاخرة العربيّة؛ ولهذا كتب تحت عنوان: “السّخرياتيّة العربية”، وعاد إلى تاريخ المادة السّاخرة العربيّة، فرصد أهمّ المغالطات المصطلحيّة والفكرية التي تحول دون استيعاب عمق الفكرة، وتنحرف بالدّراسات إلى ما يصطنع أوهاما لا يحتملها المفهوم.

 

الناقد محمد كاديك ق في سطور …

 

الناقد محمد كاديك، متحصل على شهادة دكتوراه، متخصص في قضايا الأدب والدراسات النقدية والمقارنة، وهو باحث بمخبر الترجمة والمصطلح بجامعة الجزائر2 ، لديه عدة أعمال أدبية وشعرية ونقدية من بينها ” قصة الملك سيف التيجان: دراسة أجناسية” الصادر عن دار الألمعية، ومن الملحمة إلى الرواية: آليات الانتقال الأجناسي ” الذي أصدرته دار التنوير، كما أصدر رواية تحت عنوان: “طريق إلى الشمس” عن المؤسسة  الوطنية للاتصال والنشر والإشهار ” أناب”، إضافة إلى عدد معتبر من المقالات المنشورة بالمجلات المحكمة أو الصحف الوطنية والدولية، كما أن للكاتب الكثير من المقالات المنشورة والمجلات المحكمة والصحف الوطنية والدولية.

حكيم مالك 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك