محمد حطم الأصنام.. فلماذا تعود كريهة؟

للإنسانية

 الكاتب : صالح عوض

وُلِـدَ الـهُـدى فَـالكائِناتُ ضِياءُ

وَفَـمُ الـزَمـانِ تَـبَـسُّـمٌ وَثَناءُ

الـروحُ وَالـمَـلَأُ الـمَلائِكُ حَولَهُ

لِـلـديـنِ وَالـدُنـيـا بِهِ بُشَراءُ

يـا خَـيـرَ مَن جاءَ الوُجودَ تَحِيَّةً

مِـن مُرسَلينَ إِلى الهُدى بِكَ جاؤوا

بِـكَ بَـشَّـرَ الـلَهُ السَماءَ فَزُيِّنَت

وَتَـضَـوَّعَـت مِـسكاً بِكَ الغَبراءُ

أَثـنـى المَسيحُ عَلَيهِ خَلفَ سَمائِهِ

وَتَـهَـلَّـلَـت وَاِهـتَـزَّتِ العَذراءُ

أَمّـا الـجَمالُ فَأَنتَ شَمسُ سَمائِهِ

وَمَـلاحَـةُ الـصِـدّيـقِ مِنكَ أَياءُ

وَإِذا قَـضَـيـتَ فَـلا اِرتِيابَ كَأَنَّما

جـاءَ الـخُصومَ مِنَ السَماءِ قَضاءُ

والدين يسر والخلافة بيعة والأمر شورى والحقوق قضاء

مهمة أساسية:

لم أجد أجمل في كلام الناس جميعا من كلام أمير الشعراء أحمد شوقي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في رائعتهولد الهدى“.. وهنا أحاول التركيز على المهمة الأساسية التي جاءت بها رسالته، إنها تحطيم الأصنام من حياة الناس بتحرير العقل والنفس والروح من الأوهام والأنانية والتيه.. أجل إنها المهمة الكبيرة التي قام بها الرسول الكريم محمد بن عبدالله صلوات الله وسلامه عليه بكل دأب وأبرز دورها وقيمتها وجعل لها في وجدان كل أتباعه مرجعية واضحة عميقة لتتجلى معاني الإنسان وحقوقه ودوره الايجابي في الأفكار والسلوك والعلاقات الاجتماعية ومسيرة البشر وليصبح أي تجاوز على حقوق الناس والعدل بينهم والنظرة بسواء لهم دربا من الجاهلية وظل جهده وتوجيهه المتواصل لتكون رسالته وأمته رحمة للبشر والحيوان والنبات والحجر.. كما أن الشقوة والحروب والعنصرية والبغضاء لم تكن إلا نتيجة طبيعية لانغلاق الإنسان في دائرة مغلقة من الصنمية مهما كان عنوانها، الصنمية المولدة لكل شر.

فلقد كانت الأوثان بأشكالها المختلفة تتوزع البشرية، كما هي تتوزعها الآن، أوثان في النفوس وفي واقع الناس.. تكبر وتصغر بمقياس صغر الأفكار وكبرها، ولعل الأصنام تسربت من كل مدخل نفسي أو اجتماعي أو سياسي أو مصلحي فأفسدت على الناس حياتهم وعكرت صفاءهم، وألقت فيما بينهم الضغينة والبغضاء.. وقيدتهم بعبودية تجري في عروقهم فتولد عن ذلك نزوعهم إلى الأنانية والعدوان والتكبر والعنصرية.

ولقد ألف الناس العبودية الضعاف للأسياد والأسياد للأصنام مما تصنع تتعبده وتقدم لها القرابين: المصريون يقدمون للنيل أجمل الفتيات، والفرس يوقدون نيرانهم، والروم يدخلون الدين في سلطان اليد فيسمون الناس نبلاء وعبيد.. كما أفسد العرب حنيفية أبيهم إبراهيم بأزلام وأنصاب يصنعونها بأيديهم وحولوا بيت الله الأول والذي رفع إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام قواعده إلى بيت لأصنام العرب وفد أفرغ من قيمته التحررية والتوحيدية.. وتبلورت كل قوانين الأرض في غياب الوحي الإلهي وفي ظل التمايز والتمييز والقوة والعنصرية منعكسة على جوانب الحياة جميعها الاقتصادي والسياسي والثقافي. وتتجلي صعوبة مواجهة الأصنام ليس لأن أهلها مؤمنون بها بل لعلهم يعانون من تداعي التمسك بها فلقد كان العربي يأخذ كمية من العجوة ويشكلها على نمط معين يتعبدها وإذا جاع عاد إليها فأكلها إنما كان يعبر من خلال ذلك عن حقيقة عبودية هشة ولكنها قائمة في حياتهم وكانت هذه الأصنام مثار القلق والتمزق الروحي في المجتمع العربي فلطالما ركل احد العرب إلهه المصنوع من خشب او طين أو بال عليه يستفزه: رد عنك الأذى إن كنت تسمع او ترى.. ورغم ذلك عندما جاءهم رجل منهم  هو اصدق العالمين بإجماعهم وأكثرهم أمانة يحذرهم من فساد الرأي وتيه المشاعر وانحراف المعتقد قاموا في وجهه يدافعون عن أصنام لا يؤمنون بجدواها ولا قدرتها ولا وجاهتها ولطالما وبخوها وهم في أكثر الأحوال تطرفا يعتبرونها تقربهم زلفى الى الله الواحد الأحد.. الا ان دفاعهم عن سلبيتهم وفساد رأيهم قادهم الى حروب وصراعات استمرت سنين طويلة ضد رسالة التوحيد.

وعندما انتصر العقل على الجهالة وتقدم الوعي على التعصب وانتشرت الفضيلة على حساب سواها وجههم رسول الله الى ان يحطم كل قوم صنمهم بأيديهم فتهاوت الأصنام واحدا تلو الآخر واكتشف الجميع بان هذه الأصنام لا جدوى منها ولا فائدة ترجى عندها.. وانتقلوا الى عقيدة الإسلام التي حررت العقول ففتحت أمامها عملية ضخمة من التفكير والتجدد الإنساني فصنعوا قاعدة انطلاق حضاري تراكمت عليها انجازات لازالت الامة تقتات منها

الصنمية المعاصرة:

انتشرتالصنميةوالوثنيةفيالعالموقدأسلملهاالبشرالمفادفيخاصةأمرهموعمومه،وتحولتالأسرةالبشريةاليقوافلمنالعبيدفيظلتعددالآلهةومناهجالاستعبادلاسيماتلكالمتعلقةبعجلةالاقتصادالتيصنعتتركيبةالمجتمعبكيفيةمعينةوأرستطاوبهاتالمواقفوقيودالجهلعلىالعقلوالروح.. فأصبح العمل والبنك أدوات من أدوات الاستعباد كما أصبح صوت الأحرار محاصرا مقموعا كما حصل في شوارع باريس لعدة أشهر تدفق فيها العمال يطالبون بتحسين شروط معيشتهم فقوبلوا بالقمع والاستهتار والإصرار على إعادتهم إلى حظيرة العبودية.. وكما يعاني عشرات ملايين الناس في الولايات المتحدة من حرمانهم من التامين الاجتماعي والطبي رغم ان اقتصادها أعظم اقتصاد في العالم.

وفي بلدان العرب والمسلمين تنتشر الصنمية في منظوماتنا الفكرية والثقافية.. وقد تم تحويل الدين من خلال تشكيلات اجتماعية ثقافية أو أنظمة حكم عن مهماته الاجتماعية والإنسانية التحررية والتوحيدية والمنفعة للناس إلى أن يصبح أداة استعباد و قتل وتشويه وتخريب في المجتمعات والحياة الآدمية.. ولقد أصبح التشويه كبيرا ومتنوعا في كل حياتنا ولعله أخطر ما تعرضت له الأمة في العشريات السابقة.

بين عبادة الأصنام والتحرر منها استمرت حركة العقل العربي تترنح ذات اليمين وذات الشمال.. وكلما قدح مصلح زناد الوعي تبخرت الأصنام او اختفت وكلما غطت الأوضاع المختلة واقع الأمة تمددت الأصنام والوثنية تحت كل المسميات لتعطل كل إمكانيات الإنتاج العقلي.. وكانت الوثنية وعبادة الأصنام هي البديل المنطقي والطبيعي لغياب الحرية والوعي.

ونحن الآن لسنا بدعا من حركة المجتمعات عبر التاريخ ونواميسها فلقد تسللت الوثنية والأصنام إلينا وتحولت كثير من الأوضاع والأفهام شكلا من أشكال الصنمية والوثنية ولم تستثن هذه الموجة أي جزء من مكوناتنا الثقافية والسياسية..

صحيح ان كثيرا من الأفكار ولدت كاستجابة لتحد ما كالفكرة القومية والاشتراكية وكان لها انجازات معتبرة الا انها سريعا ما تحولت الى أصنام فأصبح العرقيون يتعبدون بها وأصبح الاشتراكيون المتعصبون يجدوا فيها دينا لهم.. واخطر الدوائر التي تسللت اليها الوثنية والصنمية المتلونة تلك التي لها علاقة بالدين فأصبح الدين مع هؤلاء قاتلا مجللا بالدم والفتك..

وبسرعة شديدة من خلال نظرة سريعة على القرآن الكريم نكتشف أعمدته الأساسية وعلى رأسها الرحمة والعدل والفضيلة ومجموعة القيم الإنسانية المتميزة هذا جنبا الى جنب التحرير العقلي والنفسي والقلبي من كل الإيحاءات بان هناك تسللا للشيطانالأصنام والوثنية“.. نجد القران الكريم حالة متكاملة من الحرب ضد الإمعية والوثنية والصنمية والنمطية انه يدعو للتفكر والتدبر ولإحداث عملية يقظة من التفكير للوصول الى ما يبتغيه الله لعبده.

تشويه الرسالة:

وبنظرة سريعة أيضا على واقع الدعاة الى الإسلام من خلال تيارات عدة نكتشف فورا ان هناك تسللا خطيرا للصنمية والوثنية.. عندما يتحول كلام الشيخ الفلاني او العلاني الى مرجعية لايرد عليها فان ذلك يعني اننا إزاء وثنية صنمية والخطورة هذا يحصل في حين يظن أصحاب هذا الابتلاء انهم يحسنون صنعا.. فالدفاع عن الطائفية وثنية مقيتة والدفاع عن الحزبية صنمية وثنية رديئة والدفاع عن الأشخاص جملة انما هو درب للضلال والتيه.

لقد أصبح قول الشيخ الفلاني او العلاني في محل التقديس والعصمة حتى لو اصطدمت مواقف له مع صريح التوجيه القرآني ومقصد الشريعة كما هو واضح لدى كثير من الرجال المعتمدين كمراجع. ولقد حذر الرسول محمد صلى الله عليه واله وسلم من اتخاذ الرهبان والأحبار آلهة من دون الله يحرمون ويحللون برأيهم.

لقد تم نقل الإسلام من دوره الاجتماعي والإنساني الى نمطية سلوك فردي متخم بالتنطع والمزايدات التي توغل في التشدد بالتحوط على صعيد الشكل فيما هي قد فرطت بتوجيهات الإسلام الاجتماعية التي هي الترجمان الحقيقي للإيمان وهي مناط التكليف نحو عباد الله.. لقد تمت زحزحة الإسلام عن وظيفته الإنسانية والاجتماعية ففي حين اعتمد الإسلام على قاعدة حرية الاعتقاد والتزام السلوك المفيد للمجموع انقلب هؤلاء المستجدون القدماء الى المحاسبة على المعتقد والتفلت من كل التزام مادي عملي نحو المجموع.

فان الانحراف الذي يحاصر الدين في طائفة ومرجعية الدين في شيخ وعالم دين يكون قد وجه الطعنة الأولى لدور رسالة الإسلام والخطوة الخبيثة التي تفقده إنسانيته وطبيعة رسالته الى العالمين اما الضربة الأخرى القاتلة هي محاولة تقديم صورة معينة عن الإسلام وكل من لاعتقدها ويعلن التزامه بها تشن عليه الحرب التي تستبيح دمه وعرضه وماله.

تطل علينا الأصنام والوثنية من جديد في الوطن العربي والعالم الإسلامي وللأسف ان الصنمية المعاصرة اخطر من تلك القديمة.. فاليوم تقوم مؤسسات دولية بتمويل كبير لصناعة نمطية دينية معينة تقوم بتشويه صورة الإسلام ورسالته فتحد من تدفقه في الغرب المتعطش هذا من جهة ومن جهة أخرى لتفتيت المجتمعات العربية والإسلامية وتفجيرها بمقولات وأوضاع تخريبية كما حصل مع داعش والنصرة والقاعدة وتيار التشدد والتطرف.

الرسول من جديد:

ومن هنا فنحن نقف بشكل ما أمام واجب استثنائي في هذه المرحلة الخطيرة التي تمر بها البشرية وامتنا ولعلها اشد الأخطار ضراوة تلك التي تشوه منهج الإسلام وتغير معالم الدين ومن هنا كانت حكمة الدعاءولا تجعل فتنتا في ديننا“.. هنا الاشتباك المتشعب والخسارات الفادحة الداخلية.. ولقد تآلبت على الإسلام قوى عديدة منها قوى استعمارية أنانية من خلال مؤسسات الاستشراق ومراكز الدراسات الموجهة ومنها قوى داخلية في الأمة.

من الواضح ان هناك جملة إجراءات تمت لتوليد مناخ حاضن للعنف والإرهاب ولتيار يقوم بأسوأ مهمة مرت في تاريخنا الإسلامي.. والعملية ليست ارتجالية او جزئية إنما هي تتم من خلال مؤسسات سيادية عليا عدوانية بناء على دراسات ومراكز تقدير الموقف ورسم الخطط.

في القرون الأخيرة اشتغلت المؤسسات الاستعمارية على مستويين الأول صناعة مناخ يولد الإرهاب من خلال نشر جماعات وثقافة تنشر أفكارا وسلوكا يوقع الخسارة الفادحة بجبهاتنا الداخلية وذلك تكاملا مع هجومه المباشر على عناصر وجودنا الإنساني.. وبلا شك تقدم البعض ممن ينتسبون الى الإسلام بتصرفات منفرة مستفزة لاسيما يكون هذا البعض في مواجهة مع الغرب وهكذا تتكامل عملية تشويه الإسلام.. لكن لحسن الحظ هناك تنامي للمثقفين والمفكرين الأوربيين المتفتحين على الآخر ويقدمون رؤى حضارية جميلة.. ويحاورن الإسلام بمنهجية علمية ويدافعون باستبسال عن الإسلام دينا ينبذ العنف ويتصدى للعنصرية.

ومن هنا يجب ان تتكامل مهماتنا في التصدي للاستعمار الخارجي وتطهير ميدان الأفكار والثقافة الدينية من الانحرافات داخليا..

ولعل مهمة الرسول أصبحت أكثر وضوحا في هذه المرحلة بكل ما يحمله من نقاء وصفاء وطهر وإنسانية ووعي وإدراك ويقين، والرسول الآن بمعانيه النبوية ومهمته الرسالية ليس حكرا على العرب ولا على المسلمين بل ينبغي ان يخاطب الآخرين الذين ويعرض عليهم رسالته.

الرسول اليوم ينهض في العرب والمسلمين كما ينهض في الغرب تماما، فلئن حمل العرب والمسلمون الإرث والحيز الزماني والمكاني للرسالة فان الغرب ارتقت به المعاني الإنسانية وأبواب الإدراك بالحقوق والواجبات والتقدم المادي المذهل وهذا يستدعي بروز جيل إنساني منفتح على الرسالة بوعي ومسئولية يتقدم بالإسلام منهجا لخير البشرية ومصلحتها وغني عن القول لابد من التحرر من التعامل مع الإسلام كإرث للعرب والمسلمين. والله غالب على أمره.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك