محطات من إنتفاضة “أولاد أم الإخوة”

البطل "الحطاب بلخيرات"

بقلم: سعد بلخيرات

 

الزمان ، العقد الثالث من القرن التاسع عشر.

المكان ، مضارب أولاد نائل و بوابة الصحراء التي تعيش جواُ من التوتر والقلق والاضطراب وكثرة الإغارات بين القبائل وضغط حملات البايات على دفع الضرائب، وبداية انهيار الحكم العثماني.

  • الرجل البدوي “عيسى بن بلخير” يقطن أحد مضارب أولاد نائل الجنوبية على مشارف الصحراء، ويعد من أثرياء بدو الصحراء ومن كبار قومه “شيخ نزلة” من قبيلة أولاد أم الإخوة ذو مال وجاه و مكانة عالية بين أهله ، تزود بثقافة أعراب عصره، كان فاحش الثراء يعيش في سِعة زرق ينعم بما وهبه الله إياه ،حتى قِيل عنه أنه كانت له مجموعة من العبيد والخدم أحدهم مملوك زنجي يكنيه “البركة” عرف الشيخ عيسى بكرمه على عادةِ العرب وأهل الصحراء.

فجاء إلى حمى خيمته مجموعة فرسان من أحد قبائل “بنو هلال” لجسِ نبضه ينوون به شراً ويدبرون له مكيدة ليغزو عليه ويأخذو إبله وغنمه فلما أقبلو على “الشيخ عيسى” استقبلهم بكل حفاوة وترحاب وأكرمهم أيما إكرام وأقسم عليهم أن لا يغادرو حتى يأكلو من طعام بيته، دخلو الخيمة ،وعند جلوسهم لفت انتباههم سبعة سروج وسبعة سيوف وبنادق سأله أحدهم هل عندك وليمة أم ضيوف وفدو إليك ياشيخ ؟ فقال له الشيخ متبسماً صلي على النبي هؤلاء السروج والسيوف عُدة أبناءي ولوازم خيلهم فأندهش الضيوف وتغامزا ثم نادى “الشيخ عيسى”  أحد أولاده اسمه “الحطاب” وكان فتى يتصف بخصال أهل البوادي من حِلم وشجاعة وإقدام مولعاً بالصيد والفروسية، مفعماً بروح الشبابِ والفتوة ، أمره والده الشيخ بأن يذهب إلى المرعى ويأتي بشاة من القطيع على عجلٍ ، فيقفز الفتى اليافع على صهوة جواده وحمحمة لتعدو به في خبب ثم إهماج كجلمود صخر حطه السيل من علِ، وعند عودته يميل من على فرسه لتصل أنامله الأرض ويحمل الحصى ليرمي بها الشاة إلى أن وصل إلى “مراح البيت” فينحني مرة أخرى ليحمل الشاة ويأخذها خلف الخيمة كي يذبحها ليحضرالنسوة الطعام للوافدين ، فمن مروءة الوافدين قال كبيرهم ياشيخ كنا ننوي بك شرا، ونريد مبارزة وأخذ مالك ،لكن عند رؤية السروج وبنادق أولادك وهذا الفتى الفارس خشينا على أنفسنا من إقدامه ، فمن يكون هذا الفتى..؟ إنه “الحطاب بلخيرات” أحد فرسان “أولاد نائل” وقاتل الضابط الفرنسي “بوا جيلبار”  “Bois Guilber ” الذي حمل إسمه الشارع الرئيسي لمدينة الجلفة أيام الاحتلال كما ذكر الشيخ الرايس محمد في وثيقة سنة 1945، الذي قتله “الحطاب” في موقعة الويصال “بعين الناقة” يوم 12أكتوبر لعام 1854م حسب ماذكرهُ الأستاذ “مختار حامدي” ، كما حفظت إسمه الذاكرة الشعبية كقول الشاعر بن حرزالله مخلداً ذكراه :

يامعتاه نهار في سطح الويصال ☆☆☆ خرجولو لبطال في الحرب قبالة

الحطاب لي ظهر في ذ لقتال☆☆☆ ومعاه سيار لثنين رجالة

راه نهار مشوم وعليكم يكحال ☆☆☆بارودو شرنان نارو شعالة

كان عدد فرسان القبيلة أكثر من 400 الذين شنو هجوما خاطفا على القوة الفرنسية وفرسان (القوم) من معاونيهم ، ليخلف عدد من القتلى الفرنسيين ، وتتواصل المعارك بعدها، ومن أبطال تلك الملاحم ، الجامد بن سعد ، وبن هاشم وذوابة أحمد، قعمز بوزيدي وسيار محمد ، ليشعلو فتيل انتفاضة ومسلسل مطاردات من كر وفر ليكون ، ليظهر فرسان القبيلة شجاعة وبطولة كبيرتين و ليكون النصر حليفهم في أول مواجهة مباشرة ، لِتجد قبيلة “أولاد أم الإخوة” نفسها مقحمة في الأحداث عندما أريد إخضاعها للأمر الواقع فإنتفضت لتتحرك جنوبا صوب “جبال بوكحيل” لحقتهم قوات الاحتلال مدعمة بقوات إضافية لتنشب بينهم معركة “تينجيخت” بالجهة الشرقية لبوكحيل بالقرب من “عين الريش” التي دارت وقائعها بين القبيلة وجنود الاحتلال ليبلغ عدد الشهداء حوالي 80 شهيدا وأخذوا عشرة آلاف رأس غنم وثمانمائة من الإبل كغنائم ولما سمع المجاورين تلك الواقعة عزمو على الطاعة، حسب ماذكرته أحد الصحف الفرنسية، 

لقد كانت مأساة حقيقية و لزمن قريب كانت المقبرة معروفة بعين الريش ومن الشهداء الذين سقطوا في ميدان الشرف منهم “محمد بن العقون” ابن عمة “الحطاب” ، والتي منها تقرر القبيلة الهجرة إلى بلاد الجريد التونسي ، فتتجه قبيلة “أولاد أم الإخوة” جنوبا ليلتقو بالمقاومة في الصحراء ، وسارت تحت لواء الثائر “محمد بن عبدالله” و”ناصر بن شهرة” زعيم الأرباع حسب ماذكره الضابط الفرنسي “سيروكا ” وبعد انضمام سليمان بن جلاب في تماسين وقبائل سعيد عتبة والشعانبة ، وحسب ما ذكره الأستاذ محمد العربي حرزالله فقد سار “محمد بن عبدالله” إلى نواحي “جبل بوكحيل”، فأخذ يواجه مشكلة نفسها العائق و العويص الذي وقع فيه شيوخ الزوايا والانتفاضات الشعبية السابقة وتتمثل في تصرفات الغوغاء من بعض الأتباع وماكانو يمارسونه من أعمال أثناء الغارات على القبائل من نهب وحرق وإسراف في التبذير ، وتلك الممارسات كانت على خلفيات قديمة كالأخذ بالثأر وتحديد أرسام المراعي، ونقاط الماء ، وهي مشاكل خارج نقاط الجهاد، إن إستجابة الاهالي للدعوة والجهاد كانت صادقة فقط ينقصها التوجيه الصحيح ، وفي السنة نفسها قرّرت  السلطات الاستعمارية ببسكرة ، معاقبة “أولاد ساسي “وإلحاق هزيمة بهم فكلّفت القائد أحمد بن الحاج بن قانة بالقيام بالحملة فتوجّه إلى منطقة وادي الرّتم واد التل، أين كانت تتواجد قبيلة”أولاد ساسي” ، لكنه وجدهم مختلطين مع قبيلة أولاد أم الإخوة لم يستطع مواجهتهم لكثرة عددهم وكاد بن قانة نفسه أن يقع في كمين “الشريف بن عبدالله” الذي كان متمركزا غير بعيد ولدعم قوات سي أحمد بن قانة “lieutnane supérieur* قوات وصلت إلى 900 فارس( قوم) لتتموقع في “البعاج” أسفل واد التل للحصار  وتضييق الخناق على أولاد أم الإخوة وتحصين منطقة الزاب وفي خضم الأحداث أقدم أولاد ساسي على قتل شيخهم “بوبكر بن عيسى” مما أضطرّ العقيد “ليبر” على التوجه بنفسه إلى عين المكان بصحبة 500 من السبايس  لتلتحم بقوة سي أحمد و بوعزيز بن قانة  ، لوضع حد نهائي لتمرد أولاد ساسي سنة 1854، و أستبدل سي أحمد بن قانة بإبن حرزالله وينصب هذا الأخير قائدأً وللإنتقام من الشريف بن عبدالله وإختباراً لإبن حرزالله ، كلفته السلطات الفرنسية ببسكرة بملاحقة “أولاد أم الإخوة” الذين كانو متوجهين إلى تقرت ومعاقبتهم لتعاونهم مع “شريف بن عبدالله” ولقد استطاع إبن حرزالله القائد الجديد ان يلحق بهم هزيمة انتهت بقتل عدّة أشخاص من قبيلة “أولاد أم الإخوة” .

لقد كانت هذه الحادثة فصلا من فصول المآسي التي عرفتها القبيلة في خضم أحداث الخمسينيات من القرن التاسع عشر ، لقد كانت السياسة الفرنسية ماهرة في تأبيب الأعراش ودفعها إلى التناحر من الاختراق الجوسسي ، وبعدها تنقلت القبيلة إلى “واد سوف”  ومنها تسللت عبر الحدود لبلاد الجريد التونسي رفقة بن ناصر بن شهرة محاولين الإتصال بمحمد الصغير بن الحاج خليفة الأمير عبدالقادر وبزاوية بن عزوز البرجي بنفطة،  وفي هذه الاثناء ، حاولت بعض الجماعات من قبيلة أولاد أم الاخوة الإنفصال على الخط المتشدد لناصر بن شهرة هو الآخر المناهض للقوات الإستعمارية ، لكن هذا الأخير مع “محمد بن علاق اليعقوبي” حيث تمكن من إقناعهم وإجبارهم على مواصلة التمرد على فرنسا ،ولتهدئة الأوضاع كلفت سلطات الإحتلال خليفة واد سوف للقيام بالمهمة وجلب المتمردين ، فتوجه صحبة 600 فارس نحو الحدود لذالك الغرض لكنّه وقع في فخ نصبه لهم ناصر بن شهرة واتباعه فأقدم على مهاجمتهم وإلحاق الخسائر بهم ، حاول اللاجئون الاتصال بقنصل تونس والباي محمد باشا يحيطه علما بذالك ويعلمه انه قد وجه إليه أخاه سي النعيم وبعض رفاقه وطلب به ان يستوصي به وبرفاقه اللاجئين لدى الأعراش حسب ماذكره الدكتور يحيى بوعزيز ، و رسالته ” ونحن مهاجرين إستوصي بنا خيرا لأننا خارجين من بلادنا في طاعة الله ورسوله ولا يخصنا في بلادنا حرمة من أجل الدين” وهذا إذ دل على شيء فهو العزة والأنفة”  لكن بدون جدوى وبعد ذالك الفشل بدأ الخلاف يدب بينهم ومكثو في منطقة “الجريد” بتوزر وزاوية “مصطفى بن عزوز البرجي” الرحمانية “بنفطة” بالجنوب التونسي، التي كانت ملجأً و ملاذاً للثوار الفارين من الإستعمار لتدبير الخطط وتوفير المؤن، وجمع القوة والأنصار، حيث يقول الحاكم العام راندون في تقرير له حيث يقول “إن الوضعية الداخلية للزوايا غير معروفة لدينا وإن هذا الأمر قد يطول بنا كثيرا “

ويقول الدوق دومال ” الزوايا بؤر التمرد والثورات” كما يقول الجنرال  بودو “الزوايا هي ملجأ الدينيين الرجعيين” ومتنت القبيلة علاقتها مع الكثير من اللاجئين وأخذوا يشنون الغارات على الفرنسيين وأعوانهم داخل الحدود الجزائرية، وفي جانفي 1859م أستشهد مجموعة من أبناء القبيلة أحدهم يسمى “قويدر بن عمارة” المعروف عند أهل الحدود الشرقية “بقويدر الغربي” بعد معركة طاحنة ضد قوات الاحتلال شرقي جبل “لحمر خدو”  قادها الثائر سي الصادق بلحاج حسب ماذكره الشيخ الإمام سعد العقون في وثيقة عن أبيه ، مما جعل الباي محمد الصادق باشا يوجه رسالة إلى وزيره “خزندار” يطلب منه فيها العمل على اعتقالهم ووضع حد لنشاطهم وحسم مادة هرجهم ، وبعد أن اصبحوا عبئا ثقيلا على سلطات تونس، ومحل إحراج لقبائل آوتهم في وقت الشدة،  وكان أول من أنسحب محمد بن عبدالله مع بعض الحرازلية و أولاد ساسي نحو قابس ليختبئ في الجبال القريبة منها ، أما ناصر بن شهرة فقد انسحب مع أولاد أم الإخوة وبعض “الحرازلية” سنة 1864 نحو “واد سوف” خفية متسللين فرادا وجماعات . 

  • إن من أسباب هذه الهجرة وغيرها هي عدم البقاء تحت سلطة كافرة والهروب بالدين، وما إستعملته القوات الفرنسية ومعاونيها من الخونة لغطرستهم وحرب إبادة التي إنتهجوها ،وكذالك السلب و النهب ومصادرة الأموال والأراضي.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك