محاكمة عرّاب الجماعات الإسلامية

التاريخ الدّامي

بقلم: الوليد فرج
إن العنف طبع حيواني ، قد يجد أساسا له في الجينات البيولوجية ، يتهذب إطرادا مع الشيفرات الثقافية ، التي تصنع العنف الرمزي داخل البيئة الفكرية و منظومة الأفكار التي تنبني عليها العملية العقلية التي جعلت من الانسان أشرس من الحيوان في ممارسة العنف بأبشع الطرق .
 يبقى التاريخ اكبر شاهد قديما و حديثا عن فضاعة الإنسان المجرم ، فمن ذبح عمرو بن ود العامري باسم الله ، إلى ذبح الحسين بن علي باسم بني أمية ، إلى رمي ابن المقفع في نار حامية إلى التنكيل بالحلاج وصلبه ، إلى حرب صفين و انهار الدم التي ضجت بخريرها سرايا التاريخ ؛ وحاضرا نجد العنف أكثر فضاعة يغنيني علم الجميع بها ، عن ذكرها .
ليبقى السؤال الأكثر إلحاحا من أين تستمد التنظيمات الإرهابية المتطرفة فكرها ؟ من أين استمد و غرف الشيخ أبو الأعلى المودودي مؤسس الجماعات الإسلامية فكره الذي يعتبر المنهج التطبيقي للجماعات الإرهابية ؟!  من أين استمد و في أي مدرسة تبلور فكر الشيخ رضا الذي بثه في مجلة المنار ؟ اي مرجعية استند عليها الشيخ قطب ؟
ان هؤلاء جميعا تخرجوا من كلية ابن تيمية، فهل فيهم من قرأ رأي المحدث  الفقيه الحافظ ولي الدين العراقي بن الشيخ الحافظ زين الدين العراقي في كتابه الأجوبة المرضية عن الأسئلة المكية : (علمه اكبر من عقله) وقال (خرق الاجماع في مسائل كثيرة قيل تبلغ 60 مسألة بعضها في الأصول و بعضها في الفروع خالف فيها بعد انعقاد الإجماع عليها) فتصدى له علماء عصره منهم ومنهم من بدعه على رأسهم الإمام الحافظ حجة زمانه تاج الدين السبكي حيث قال في الدرة المضيئة ما نصه :(أما بعد فإنه لمّا احدث ابن تيمية ما أحدث في اصول العقائد ونقض من دعائم الإسلام الأركان و المعاقد بعد أن كان مستترا بتبعية الكتاب و السنة مظهرا انه داع الى الحق هاد إلى الجنة فخرج عن الإتباع إلى الابتداع وقال بما يقضي الجسمية -مذهب ظال- والتركيب في الذات المقدس ، وان الافتقار إلى الجزء (أي افتقار الله إلى الجزء) ليس بمحال ، (أي أن الله مركب من أجزاء و يحتاج إلى أجزاء) وقال بحدوث الحوادث بذات الله) تعالى الله عم يصف .
و لعل الاكتفاء بإثارة مسألة فرعية بسيطة ، نستجلي فيها رأي العلماء، يغنينا عن إثارة زحم و زخم التكفير في فكر ابن تيمية ، وهي مسألة: التلفظ بالنية في الصلاة ، حيث يقول :  عبد الرحمن الجزيري، الفقيه الأزهري (المتوفي سنة 1941)، يقول إن التلفظ بالنية جائز باتفاق الشافعية والحنابلة والمالكية، “لأن في ذلك تنبيها للقلب” .
فكيف أفتى ابن تيمية في المتلفظ بالنية للصلاة : يقول ابن تيمية في كتابه  (الفتاوى الكبرى) الحاوي لـ : 37 مجلد  (الجهر بلفظ النية ليس مشروعا.. ومن ادعى أن ذلك دين الله وأنه واجب، يجب تعريفه الشريعة واستتابته من هذا القول. فإن أصر على ذلك قتل.) . و يقتل ابن تيمية عن مسألة رآه علماء غيره لا بالبدعة ولا الحرام ، بل فيهم من ذهب إلى أنها مستحب . وفي نفس المرجع الفتاوى الكبرى قتل ابن تيمية مؤخر الصلاة مهما كان عذره يقول “من أخر الصلاة لصناعة أو صيد أو خدمة أستاذ حتى تغيب الشمس وجب عقوبته بل يجب قتله عند جمهور العلماء بعد أن يستتاب”.
هذه الآراء المتطرفة ، دفعت الكثير من الفقهاء و المحدثين للرد على ابن تيمية و إتباعه ، من الذين يعتبرونه مجتهدا ، وجب اتباعه ، رغم مروقه في كثير من الأصول كمسألة (العالم أزلي بجنسه) ، أي أن جنس العالم لم يتقدم الله بالوجود وإنما تقدم الأفراد المعينة ، وقد اتفق المسلمون على تكفير من يقول بأزلية العالم مع الله ، سواء جعله أزلي بنوعه فقط أو أزلي بنوعه و تركيبه و أفراده المعينة ، وقد نص على هذا ابن تيمية في خمسة من كتبه .
وقال بدر الدين الزركشي العالم الأصولي وغيره أن من قال بهذا القول كافر !
وقائمة المسائل التي خالف فيها ابن تيمية الإجماع تبقى طويلة ، اوقع بها الكثير من العوام في العيَّ كمسالة يمين الطلاق التي رأى بأنها لا تقع ، بل عليه فيها كفارة يمين ،  ولم يقل بالكفارة قبله أحد . وان طلاق الحائض لا يقع و طلاق في طهر مسها فيه ، وان طلاق الثلاث يرد إلى واحدة ، وان الحائض تطوف بالبيت من غير كفارة وهو مباح لها ! وان المكوس حلال لمن اقطعها ! وان أخذت من التجار أجزأتهم عن الزكاة وان لم تكن باسم الزكاة !  وان الجنب يصلي تطوعا بالليل تيمما ! وغيرها من الابتداعات التي لم يأتي بها غيره لا قبله ولا بعده كثر اللغط على أثره .
و قد استتيب مرارا و دعي مرارا للكف عن مغايراته للأصول  إلا أنه كان ينقضها كل مرة ، حتى تم سجنه بفتوى المشهورة للقضاة الأربعة وكان أحدهم مالكيا والآخر شافعيا و الآخر حنفيا والآخر حنبليا . وحكموا عليه بأنه ضال يجب التحذير منه كمال قال ابن شاكر الكتبي في عيون التاريخ وهو من تلامذته . واصدر بذلك الملك محمد بن قلاوون منشور يقرأ على المنابر في مصر و الشام يحذر منه و من أتباعه . (انظر في ذلك كتاب نجم الدين المهتدي ) .
إن تاريخ سفك الدم ، من قتل ابن آدم لأخيه إلى آخر جريمة قتل تُقتَرف على هذه الأرض ، تبقى دون أي عنوان آخر يزاحم عنوان : حيوانية الإنسان .

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك