محاكمة إطارات جيش التحرير الوطني

وقعت على الأراضي التونسية

بقلم: طارق عزيز فرحاني

 

كلما حل شهر جويلية من كل سنة إلا وعادت إلى الأذهان قضية المحاكمات التي وقعت في الأراضي التونسية لمجموعة من إطارات جيش التحرير الوطني ينحدرون من ثلاث مناطق من جغرافية المنطقة الأولى سابقا باعتبار أن واد سوف ستصبح تابعة للولاية السادسة الصحراء كما هو معروف.

  • إطارات تبسة أو كما يسمى مجموعة تبسة وعلى رأسها لزهر شريط. 
  • إطارات خنشلة في مقدمتهم عباس لغرور. 
  • إطارات واد سوف في مقدمتهم السعيد عبد الحي. 

ولأن القضية لم تعالج من الناحية التاريخية كثيرا، وتم التسويق لها من طرف جهات معينة استثمرت فيها لتحقيق أهداف محدودة وجني مكاسب ومأرب فقط، واليوم يتم التسويق لهذه المحكمات على أن المجموعة تم الغدر بها في تونس، وهو ينافي الحقيقة في حد ذاتها لعدة اعتبارات تاريخية أهمها: 

  • جميع الإطارات تم محاكمتهم وإصدار الأحكام في حضورهم، وهذا ما يعني أنهم كانوا يعلمون أن نهايتهم المحتومة. 
  • البعض من الإطارات تقبل الحكم الصادر في حقه ولم يفر منه وأقصد منها تحديدا الثلاثي: لزهر شريط، عباس لغرور، والباهي شوشان، كما نعلم أن لزهر شريط عندما نُفذ في حقه حكم الإعدام ولم يمت على إثره ووجده بعض المواطنين التونسيين وطلب منه نقله إلى إحدى الثكنات الفرنسية، إلا أنه طلب منهم نقله إلى إحدى ثكنات جيش التحرير الوطني بالرغم من أنه يعلم أن الموت ينتظره مرة ثانية هناك، أما عباس لغرور فوفقا للشهادات التي اطلعت عليها فقد طلب من الجندي الذي كلف بتنفيذ حكم الإعدام أن يطلق عليه الرصاص بعد أن أستلقى على الأرض مستقبل الموت، وفي شهادة أخرى سمعتها منذ سنوات تفيد بأن عباس لغرور تم تنفيذ حكم الإعدام في حقه ذبحا، أما الباهي شوشان فكانت نهايته على يدي عمار بن عودة الذي قتله وهو يصلي وهذا ما يشير إلى الباهي تقبل الحكم الصادر في حقه وهرول إلى لقاء ربه دون أن يخاف من الموت الذي كان يلف أذرعه على المكان. 

 

وثائق وملفات المحاكمات أين هي؟

 

الغائب الأكبر اليوم هي وثائق وملفات المحاكمات باعتبار أنها هي سيدة الأدلة والتي يمكننا من خلال الوقوف عند مجريات المرافعات التهم المقدمة في حق هذه الإطارات، لندرك جيدا بعدها إن كانت الأحكام التي أصدرتها منطقية وتتناسب مع التهم التي قدمت في البداية، كما في شهادة العقيد عمار بوقلاز الذي قال بأن محمود الشريف قدم ملفا ضخما عندما كان يتولى مهمة الادعاء العام في المحكمة. 

وحتى نكون صرحا وبدلا من إلقاء اللوم على الآخرين لماذا لا نلقي اللوم على أنفسنا، ونتوقف عن النحيب والبكاء، وقبل أن نقوم بتحمل المسؤولية التاريخية للآخرين لماذا لا نحملها لقادة وإطارات الولاية الأولى الذين كانوا يشرفون على قاعدة الثورة بتونس، وأقصد بهم تحديدا مجموعة عبد الحي السعيد وعبد الكريم هالي والذين وبدلا من تقديم الخدمات المطلوبة منهم ذهبوا إلى تنفيذ أجندة خاصة بهم، باعتبار أنهم قاموا باعتقال عدد من المجاهدين الذين دخلوا إلى الأراضي التونسية والإضرار بالأمن العام، وهذا ما يتنافى مع أهداف الثورة باعتبار أن اعتداء في حد ذاته على ضرورة المصلحة التي تقتضي أن نساير أهداف السياسة التونسية التي كان يسعى إليها الرئيس لحبيب بورقيبة خصوصا وأنه يشرف على دولة نالت جزء من استقلالها حديثا ولا يريد أن تحدث مشاكل في أرضه، لأنه بين فكي كماشة من جهة الضغط الفرنسي على تونس ومن جهة الدعم الذي يتوجب تقديمه للثورة الجزائرية، وحتى لا ننسى أن تونس كانت من بين أهم القواعد الخلفية للثورة الجزائرية في تلك الفترة للأسباب التالية: 

  • وجود جالية جزائرية كانت تقيم بتونس قبل إندلاع الثورة التحريرية. 
  • قوافل التسليح التي كانت تمر فوق الأراضي التونسية متجهة إلى عدة مناطق جزائرية: الولاية الأولى، القاعدة الشرقية، الولاية الثانية، الولاية الثالثة. 
  • قضية اللاجئين (المهجّرين) الجزائريين الذين حتمت عليهم ظروف الحرب التوجه إلى الأراضي التونسية، والفرار من عمليات التقتيل التي كان يقوم الجيش الاستعماري الفرنسي في حقهم، وسؤال هنا أوجهه للذين يريدون محاسبة البعض من قادة الثورة هل كنتم ستنجحون في إدارة هذا الملف الشائك وتقديم المساعدات لمئات الألاف من الجزائريين المتواجدين بتونس. 
  • تونس كانت مهمة جدا للثورة الجزائرية باعتبار أنها ضمت عدة هياكل أقامتها قيادة جيش وجبهة التحرير الوطني، من مدارس عسكرية، ومقر جريدة المجاهد ومقر قيادة الأركان العامة، والاجتماعات التي عقدتها لجنة التنسيق والتنفيذ في تونس لعدة مرات وغيرها. 
  • الجيش التونسي سلم ثكنات عديدة لصالح جيش التحرير الوطني والتي تم استغلالها لأجل: الإيواء، التموين، التسليح، المخابرات، رسم مخططات عسكرية، بل تحول بعضها إلى إقامة دائمة لصالح المجاهدين. 
  • قضية الدعم الطبي الذي وفرته تونس للجرحى الجزائريين حيث فتحت المستشفيات التونسية لهم وتعالج الكثير منهم هناك.

                 

الجريمة المرتكبة في فيلا لاكانيا

 

القضية التي يبتعد الجميع عن تحمل نتائجها الكارثية وهي قضية الجريمة المرتكبة في فيلا لاكانيا التي راح ضحيتها قادة النمامشة، وحتى أكون صريحا في هذه الناحية وبعد أن استمعت لعدة شهادات حية وأطلعت على ما كتب حول هذه الحادثة وما خلفته، فإن البعض اليوم وأقصد هنا مدبري العملية التي أدت إلى حدوث أزمة قيادية عمقت من حجم الخلافات التي كانت تطفو فوق السطح منذ ويعود بعضها إلى حدود سنة 1955م. باعتبار أن الحادثة أدت إلى: 

– استشهاد الزين عباد عضو مجلس قيادة ناحية تبسة والمحسوب على فصيل البرارشة والذين تذمروا كثيرا مما حل به، خصوصا وأنه كان يتمتع بتقدير الجميع لمكانته ووزنه القيادي، وعقدوا اجتماعا في جبل بوكماش خلال شهر أكتوبر 1956م سلموا خلاله القيادة لأخيه الحبيب عباد. 

– تفكيك مجلس قيادة ناحية تبسة بعد الإصابات الخطيرة التي لحقت بالثاني لزهر شريط، الوردي قتال.   

– لم يسلم من الجريمة كذلك فرحي ساعي الصديق المقرب من عباس لغرور، وحسب بعض الشهادات التي تفيد بأن فرحي ساعي وبعد لقائه بعباس لغرور بعد الجريمة عندما كان يعالج في الجراح التي لحقت به، وقال له معاتبا بالحرف الواحد: “صحيتي يا سي عباس رانا عدنا نجاهدوا في بعضانا”.

– نهاية عباس لغرور بعد ذلك وكما هو معروف فإنه قام بنصب كمين محكم لقافلة عسكرية فرنسية كانت تمر بإحدى الطرق وهو ما أدى إلى مقتل ضابط سامي فرنسي وإصابة عباس لغرور بجراح خطيرة، لكنه كان مطلوبا من طرف قيادة الثورة التي أصدرت الأوامر لعلي بن أحمد مسعي للقيام بذلك، وحتى أكون صريحا أكثر فإن أفراد حراسة عباس لغرور قد تخلو عنه جميعا، بدأ بالمجاهد الذي كان يحمل البياسة الذي تحدث مع أحد المجاهدين بقوله: “كلوا بعضاكم”.

– ظهور مسألة ما يسمى بمعارضة مقررات مؤتمر الصومام التي خطط لها وحركها أحمد محساس والذي كان سببا مباشرا لإعدام بعض القيادات التي وقعت هذه الوثيقة التي استعملها محساس بعد ذلك كحجة للمعارضة وفر هاربا إلى أوربا تارك من استعمل أسماءهم يواجهون مصيرهم لوحدهم، وهنا أقول لماذا لم يتم إعدام مثلا عبد الله بلهوشات الذي أصبح رائدا في جيش التحرير الوطني وعضوا في مجلس أركان حرب الولاية الأولى رغم توقيعه للوثيقة، لماذا لم يعدم عمار بوقلاز رغم أنه كان معارضا للصومام وأصبح بعد ذلك يتولى محاكمة رفاقه الذين وقعوا معه يعني (دار عليهم) وتخلى عنهم بكل بساطة، لماذا لم تتم محاكمة محمد عواشرية، والحاج علي، والاكتفاء فقط بمحاكمة حوحة بلعيد، الباهي شوشان، ولزهر شريط لوحدهما عن هذه التهمة، رغم أنهما كانا بإمكانهما الانسحاب مثل البقية الذين تحصلوا على رتب وترقيات أعلى رغم العروض التي قدمت للزهر شريط بتكليفه بقيادة مكتب معطوبي الحرب بمصر لكنه أصر على رفض كل ما قدم له. 

نقطة أخرى يتوجب التوقف عندها مليا، حتى لا ننجر وراء العاطفة والأحاسيس التي تغلب اليوم على الكثيرين، الذين تناسوا أن ما حدث أملته ظروف الثورة في تلك الفترة وأن ما غلب على الجميع هو ما يلي: “مخير صاحبك لا بطل” -رغم أنني كنت أفضل أن يتم معاقبة القادة بعقوبات أخرى بعد أن تم محاكمتهم والتخلي عن فكرة الإعدام التي حدثت-. 

ملاحظة: هناك عدة وثائق تخص هذه الأحداث التي أشرت إليها سابقا سأعود إليها في وقت لاحق إن شاء الله.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك