ما وراء التعيين في المناصب العليا؟

بين رجال الولاء ورجال الدولة

بقلم: احسن خلاص

لم يمر أكثر من شهر على تنصيبه شرع الرئيس تبون في جملة من التعيينات الجديدة في المناصب العليا لمؤسسات الدولة وقد شملت عدة قطاعات منها الجمارك وسوناطراك والتلفزيون والحكومة والرئاسة والإدارة المحلية كما أعاد إلى الواجهة منصب وسيط الجمهورية الذي ألغاه الرئيس السابق. ولا يمر تعيين جديد دون أن يثير الجدل، حتى لدى من يعترض على منظومة الحكم بأكملها، لما للتعيينات في المناصب من أهمية كونها مفتاح ممارسة السلطة وتأثير يفوق تأثير تغيير النصوص القانونية ولا يقل أهمية عن تأثير القرارات السياسية الكبرى.
لذا نجد الرأي العام ينتظر بحرص شديد نوع التعيينات التي يقوم بها الرئيس الجديد لاسيما في المناصب الحساسة ليتبين له الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الطبيعة الحقيقية للسياسات التي ينتهجها بعيدا عن الشعارات البراقة التي تحملها عادة الحملات الانتخابية، فمن خلال السير الذاتية للمعينين وماضيهم المهني والسياسي وكفاءاتهم العلمية ورصيدهم من النزاهة يتبين الرأي العام طبيعة النوايا القائمة وراء هذا التعيين أو ذاك ومدى نجاح الرئيس في مهمته.
ويذهب الموالون للرئيس والمدافعون عن خياراته السياسية عادة إلى تبرير إخفاقه وفشله في هذا المجال أو ذاك بفساد الأفراد المحيطين به وأنه “لم يرزق البطانة الصالحة” التي ترشده إلى الطريق السليم، حرصا منهم على الاحتفاظ ببياض صورة الرئيس لدى الرأي العام مع أنه هو المسؤول الأول والأخير، حسب الدستور، عن جميع التعيينات في مناصب الدولة.
ومع أن لرئيس الجمهورية المسؤولية المطلقة في التعيين في المناصب المدنية والعسكرية مثل ما ينص عليه الدستور فإن السبل التي ينبغي أن يسلكها المرشحون للتعيين متعددة ومتشعبة وتخضع لمعايير معقدة ليس من السهل إلا لفئة قليلة من الإطارات معرفتها ثم لفئة أقل استيفاء شروطها بالنظر إلى اختلاف منابعها والصراعات القائمة حولها بالنظر إلى أن المناصب مجالات تأثير ونفوذ بامتياز منها ترجى المصالح والمنافع وتتقى المصائب والأضرار.
غير أن الدولة لا تملك معايير ثابتة للتعيين في المناصب، وإذا وجدت فإنها تعد آخر ما يتجه إليه، فثمة اعتبارات أخرى خارج الكفاءة والتدرج الوظيفي والخبرة وغيرها من المعايير المهنية تمارس تأثيرها على قرارات التعيين وقد بينت تجربة السنوات الماضية كيف أن دوائر خارجية، سياسية ومالية وعسكرية ودينية وعشائرية وعائلية كانت لها الكلمة الفصل في تعيين هذا وذاك من الإطارات في المناصب السامية للدولة. لذا عادة ما يقوم الذي ينتظر ترقية أو تعيينا قريبا بمساعي ماراطونية لدى محيط الرئيس العائلي أو الديني لاسيما الزوايا أو لدى دوائر المال المقربة من أجل التوسط للظفر بالتعيين. كما تلعب الصداقات والزمالات القديمة دورها الفاعل في اختيار هذا أو ذاك لهذا المنصب أو ذاك وقد تكون الجهود المقدمة سابقا مبررا آخر للاختيار. وعادة ما تتكون شبكة من المصالح حول التعيينات لاسيما في المناصب التي توفر امتيازات مثل الوزراء والولاة وحيث توزع الأولويات في الصفقات العمومية “غير المثمرة” والخدمات التي تقدم بشكل غير رسمي أو عن طريق التلفونات.
هذا هو واقع التعيين في المناصب السامية للدولة فلا يكاد يميز المراقبون لحركات التعيين الجديدة في الحكومة والولايات والدوائر والسفارات والمؤسسات السيادية والاستراتيجية بين رجال الدولة ورجال الرئيس ورجالات الدوائر المؤثرة في القرارات، فهل يدرك الرئيس الجديد أهمية وضع الرجل المناسب في المكان المناسب أو في مكان المكاسب؟
أثار تعيين السيد كريم يونس في منصب وسيط الجمهورية جدلا واسعا شمل جانبين مهمين أولهما أن المنصب غير منصوص عليه في الدستور إذا اعتبرنا أن وساطة الجمهورية هيئة قائمة بذاتها، ولا تدخل الوساطة في مجال الصلاحيات التي يمكن للرئيس تفويضها، مع أن المنصب ليس جديدا في أعراف الدولة الجزائرية فقد سبق أن عين في الرئيس الأسبق ليامين زروال عبد السلام حباشي إثر نجاحه في تنظيم مراقبة الانتخابات الرئاسية لعام 1995 التي فاز بها زروال لكن المفارقة أن الرئيس زروال لم يبادر بدسترة المنصب خلال التعديلات التي أدخلها على الدستور في 1996 وهو ما جعل الرئيس بوتفليقة لا يجد عناء كبيرا لإلغائه تماما كما ألغى منصب محافظ الجزائر الكبرى بدعوى عدم دستوريته. وثاني دواعي الجدل أن الرئيس تبون عين كريم يونس “مكافأة له” على قيادة لجنة الوساطة والحوار في سبيل تشكيل السلطة الوطنية لتنظيم الانتخابات وهو ما أعاد إلى السطح المعايير التي يعتمدها الرئيس تبون للتعيين في الوظائف السامية للدولة، أهي الولاء السياسي أو التوازنات داخل النظام أم خلفيات أخرى لا يعلمها إلا محيطه المباشر؟ ومع إعلان الرئيس تبون أنه فوض بعض سلطات التعيين للوزير الأول جراد إلا أن كل التعيينات التي صدرت كانت بتوقيع الرئيس ما عدا تعيين مدير الجمارك الذي صدر لأول مرة عن مجلس الوزراء قبل إلغائه في آخر لحظة لأسباب لم يطلع عليها الرأي العام.
ويبقى التعيين في الوظائف العليا للدولة تلك النافذة التي يطل من خلالها الرأي العام لمعرفة مدى توفر إرادة التغيير والقطيعة مع أساليب الحكامة السابقة ووضع رجال الدولة مكان رجال الولاءات.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك