ما لم يقله جراد

عن إحياء المجلس الاقتصادي الاجتماعي

بقلم: احسن خلاص

 

عاد المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي بعد أن كاد أن يُنسى تماما في غمرة الارتجالية التي كانت تميز تسيير الشأن الاقتصادي والاجتماعي الوطني. ها هو يعود بثوب جديد إذا ما استندنا إلى ما تنويه الحكومة وما تنتظره من المجلس على لسان السيد الوزير الأول عبد العزيز جراد الذي تلا على مسامع أعضائه يوم تنصيب رئيسه الجديد جملة من المجالات التي ينتظر أن يتدخل فيها وهي كثيرة ومتعددة قد ترقى به إلى مرتبة حكومة موازية أو غرفة ثالثة للبرلمان.

 

يعود “الكناس” إذن بعد نفض الغبار عنه ليلعب “دورا استشاريا رائدا في اتخاذ القرار وتعزيز الحوار بين مختلف شرائح المجتمع” حسب ما وعد به جراد حيث سيرتقي على حد تعبيره دائما، وتحت سلطة رئيس الجمهورية، ليصبح مركز دراسات وأبحاث لفائدة التنمية الوطنية واستكمال دوره الرائد في مجال المساعدة على اتخاذ القرار في مختلف مجالات العمل العمومي”. ومن هنا فالحكومة لن تتردد في طلب رأي الكناس في القضايا الاقتصادية والاجتماعية التي تحظى بالاهتمام الكامل للحكومة من أجل كسب رهان إنعاش الاستثمار وعصرنة الاقتصاد وتنمية تنافسيته وتسريع وتيرة التنمية والتوزيع المنصف لثمراته”

ولن تتعدى تدخلات الكناس، حسب الحكومة تقديم الآراء والملاحظات والاقتراحات وفق ما تطلبه الحكومة لاسيما في مواجهة الجبهة الاجتماعية التي ينتظر أن تشتعل في الأشهر القليلة المقبلة إذا ما فشلت الحكومة في التصدي لرهان التوزيع العادل للثروات الوطنية والتكفل بالفئات الهشة وذات الدخل الضعيف ومراجعة سياسة الدعم المعتمدة إلى يومنا هذا من أجل ضمان الحد الأدنى للسلم المدني في ظل تضاؤل موارد ومداخيل الدولة من ريع المحروقات وإعادة تكييف الموارد البشرية من خلال توجيه التكوين ضمن متطلبات سوق العمل.

وإلى جانب دوره في البحث والدراسة لن يتخلى الكناس عن دوره التقليدي الذي أنشئ من أجله في البداية وهو دور الوسيط بين الحكومة وبين الفعاليات النقابية والأكاديمية وجميع أطراف المجتمع المدني من أجل ضمان انخراط جميع الشركاء الاقتصاديين والاجتماعيين في عمل الحكومة ومن هنا أوصت الحكومة “كناسها” بإطلاق الحوار والتشاور مع جميع مكونات النسيج الاجتماعي والجامعي من أجل تقديم مسعى الحكومة للرأي العام وتعزيز ثقة وانخراط جميع فئات الشعب”.

غير أن رضا تير، الرئيس الجديد للمجلس الوطني الاقتصادي الاجتماعي قد ذكر بالوظيفة التقليدية لهيئته وهي “دعم القرار العمومي والتفتح على الحريات الاقتصادية الجماعية والفردية وتنوير الرأي العام من أجل ضمان انخراط أكثر في السياسات العامة” لكنه وعد بفتح حق اللجوء إلى هيئته أمام البرلمان والعرائض الشعبية. ولا تختلف توصيات الحكومة   عن الأدوار الأساسية المنوطة بالمجلس وهي لا تزال قائمة على موقعها الإلكتروني وهي توفير إطار لمشاركة المجتمع المدني في التشاور الوطني حول سياسات التنمية الاقتصادية والاجتماعية وضمان ديمومة الحوار والتشاور بين الشركاء الاقتصاديين والاجتماعيين الوطنيين وتقييم المسائل ذات المصلحة الوطنية في المجال الاقتصادي والاجتماعي والتربوي، والتكويني والتعليم العالي والثقافة والبيئة، ودراستها وعرض اقتراحات وتوصيات على الحكومة.

لكن ما لم تحدثنا عنه حكومة جراد ولا رئيس المجلس الجديد هو مدى قدرة تركيبة المجلس الموروثة على العهود السابقة على أداء الأدوار التي ذكرناها وهل يمكنها، وهي على هذه الحال من الخمول والسلبية والفساد أن تكون في مستوى الرهانات الجديدة للحكومة المعبرة عنها في أكثر من مرة؟ ألم يتحول هذا المجلس في السنوات الأخيرة كباقي المجالس الاستشارية إلى مركز بيروقراطي يعتاش من خزينة الدولة بعد أن تحول من قوة نقد واقتراح في عهد رئيسه الأول محمد الصالح منتوري إلى مركز تعبئة لتحصين النظام الفاسد من غضب الشارع مثل ما حدث في 2012 عندما نظم الجلسات الوطنية للشباب فيما يسمى بالربيع الجزائري الخاص، قبل أن يتوقف تماما عن النشاط بعد وفاة رئيسه محمد الصغير باباس الذي تزامن مع عودة احمد أويحيى إلى رئاسة الوزراء.

ويرى المراقبون الأكثر تفاؤلا أن الإبقاء على المجلس بتركيبته ونظامه الحالي كالمستجير من الرمضاء بالنار بل يعني إحياء الهيئة  بمهامها التقليدية التي لا تتعدى إعداد التقارير والتوصيات وتزكية سياسات معدة سلفا كما تساءلوا عن جدواه في وقت تمتلك الحكومة ما يكفي من الوزارات والوكالات وآليات الاستشراف وجمع المعلومات لاتخاذ القرارات الاستراتيجية  فلا أحد يظن أن المجلس يستطيع أن يقدم إضافة نوعية إلا إذا فكر مسؤولوه خارج صندوق المنظومة البيروقراطية كما ذكر لنا أحد المستثمرين الذي استدل على قوله بأن المجلس منذ تأسيسه لم يستطع أن يبادر دون إيعاز فهو همزة وصل لكنه أقرب إلى صندوق بريد أو هو وسيلة لشراء السلم الاجتماعي وقد أعيد إحياؤه بعد مصادقة البرلمان على الخطة الحكومية التي لم يساهم في صياغتها.

لم تحدثنا الحكومة إلا عن المهام الجديدة القديمة للمجلس دون أن تفصح ما إذا كانت تنوي إعادة هيكلته وضخ دم جديد فيه من الفعاليات القائمة في المجال الاقتصادي والاجتماعي والفاعلين في المجتمع المدني. ومن حق المتابعين النظر إلى هذا المجلس بأنه رقم آخر يضاف إلى مؤسسات استشارية وتشريعية ورقابية لم تؤد دورها وظلت حبيسة تفكير بيروقراطي لا يعرف إلا تزكية السياسات بحجة الانضباط مع مصالح الدولة العليا في وقت تحتاج الجزائر إلى المئات من مراكز الأبحاث والدراسات الخاصة والجامعية وهي تملك من الطاقات العلمية ما يغنيها من الاستعانة بمراكز ولدت وترعرعت ضمن النظرة الشمولية للدولة.

 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك