ما لم يقله جاب الله

دخل على خط كورونا من الباب الخلفي

بقلم: احسن خلاص

لن تبرح كورونا الأرض حتى ترينا ما خفي من عجائب وتعيد إلى السطح ما كنا اعتبرنا  أن الزمن قد عفا عنه. ومن هذه العجائب المواقف التي أعلن عنها رئيس جبهة العدالة والتنمية السيد عبد الله جاب الله حول تعليق صلاة الجماعة في المساجد بما فيها صلاة الجمعة. فقد تساءل جاب الله لماذا استدركت لجنة الفتوى وأصدرت قرارا بغلق المساجد وتعطيل الجماعات والجمعات؟ وما هي الأدلة الشرعية التي اعتمدت عليها؟ أم هو التقليد الأعمى لما فعلته بعض الأنظمة في العالم؟

ليس المجال هنا للخوض في الاختلافات الفقهية والعقائدية، فلها أهلها ومقاماتها وشروطها وسياقاتها، إلا أن الرجل وهو يوقع مقالين متعاضدين على صفحته على موقع التواصل الاجتماعي بصفته رئيسا لحزب جبهة العدالة والتنمية، مبينا رفضه القرارات السياسية الصادرة عن السلطة التي رأى فيها تقليدا أعمى لما فعلته بعض الأنظمة في العالم، قد فتح الباب واسعا للنقاش السياسي بالرغم من أن “البروفيسور” أظهر موقفه السياسي في ثوب المفتي والواعظ الديني أكثر مما ظهر بوجهه السياسي المكشوف فقد استدل بآيات قرآنية وأحاديث نبوية ونماذج مرجعية من مواقف السلف ليجعل من قدسيتها ووقفيتها درعا واقيا من أجل إبعاد مواقفه السياسية عن النقاش السياسي.

ومع ذلك فإننا سنحاول التسلل من خلال الشقوق لنضع مواقفه على المحك. فقد رأى جاب الله أن “الفتوى الأولى التي صدرت عن اللجنة المختصة فتوى شرعية صحيحة ونافعة دلت على فهم لقيمة الصلاة ومكانة الجماعات والجمعات في دين الله تعالى، وعلى احترام المساجد والحرص على أن يذكر فيها اسم الله تعالى، كما دلت على تقدير جيد لمصلحة المواطنين وكيفية التصرف مع داء كورونا الذي انتشر في أنحاء الأرض المختلفة” قبل أن يتهم اللجنة ذاتها بالعدول عن فتواها امتثالا لإيعاز من النظام. بعدها بدأ رحلته لإقامة الحجة على النظام نفسه الذي لم يراع في نظره للنصوص الدينية حرمة وهي التي “جاءت لخدمة مصالح الناس في الدنيا والآخرة، وأن كل خير يتمناه الإنسان لنفسه وأهله ووطنه وللإنسانية كلها سواء تعلق بمصالح الدنيا أو تعلق بمصالح الآخرة فهو في دين الله تعالى، وأن مصالح الآخرة مقدمة في الاعتبار، ومنها الأحكام المتعلقة بالصلاة والمساجد والجماعات والجمعات”.

وضعنا جاب الله في ورطة كبيرة عندما أخلط بين رأيه السياسي كرئيس حزب ورأيه الديني والفقهي كإمام وداعية، الذي يبقى هو الآخر رأيا قابلا للنقاش الفقهي حتى في علاقة هذا الرأي بالنصوص القرآنية، وليس أدل على ذلك من أن سلطات المملكة العربية السعودية أصدرت أمرا بتعليق صلاة الجماعة في الحرمين الشريفين إلى غاية زوال هذه الجائحة العالمية. لذا نكتفي بالحديث عن التدابير البديلة التي اقترحها للإبقاء على صلاة الجماعة وإقامة الجمعة دون أن ينجر عن ذلك ضرر عام وتفشي سريع للوباء وفي هذا المجال لا تختلف اقتراحاته عن اقتراحات الناس إذ أن ترجيح صحتها أو بطلانها يعود لأهل الاختصاص من الأطباء وعلماء الأوبئة والفيروسات.

لقد اقترح جاب الله على النظام والقادرين من المواطنين أن يتريثوا في اتخاذ مثل هذا الإجراء حتى نتأكد من أن الداء أضحى مصيبة عامة واسعة الانتشار فإذا صار كذلك أو غلب الظن بأنه سيصير ظاهرة عامة عندئذ يمنع المرضى من الذهاب إلى المساجد، وينصح غيرهم بالتقليل من ذلك أو التقليل من المكوث فيها، وخاصة كبار السن لضعف المناعة عندهم كما ينصح الأئمة بالتعجيل في إقامة الصلاة بعد الأذان وعدم الإطالة فيها وبأن يحافظ الأئمة على رفع الأذان وإقامة الصلوات بمن حضر ولو كان عددا قليلا وأن تغلق المساجد بعد الصلوات إلا بعد المغرب لقصر الوقت بينه وبين العشاء والحرص على تنظيف أماكن الوضوء وتعقيمها المستمر وأخيرا إحياء سنّة القنوت في الصلوات مع تذكير الناس بالتوبة الصادقة وغيرها من التدابير الاحترازية الدنيوية والدينية لكون وباء كورونا، وقد قال عنه جاب الله معترفا، أنه “انتشر في العالم بسرعة غير مسبوقة، وأصبح الناس منه في هلع خالع غير مسبوق، ووقفت الأنظمة والحكومات أمامه عاجزة لحد اليوم رغم ما عليه دول الكفر من تفوق تكنولوجي عظيم، وتقدم طبي هائل، وتمكن من أنواع متعددة من القوة الفعالة والأسلحة الفتاكة،” نووية وكيماوية وبيولوجية وغيرها”.

وما لبث أن عاد جاب الله إلى الخلط بين الموقف السياسي والتأويل العقائدي عندما تحدث عن “دول الكفر” التي وقفت عاجزة “أمام جندي بسيط من جند الله تعالى لا يرى بالعين المجردة، فلجؤوا إلى محاولات الهرب منه بتطبيق الحجر، محاولة منهم لحماية مواطنيهم وحذا النظام في الجزائر حذوهم فلجأت السلطات إلى سلسلة من إجراءات وقائية رغم محدودية الانتشار لهذا الفيروس لحد اليوم”، على حد تعبير بروفيسور جامعات اليمن. إذ أن تسجيل 60 مصابا وأربعة وفيات (حسب إحصائيات سابقة متزامنة مع مقاله) لا يستدعي في نظر جاب الله تقليد المغلوب للغالب متهما ضمنيا النظام القائم بالخضوع لإملاءات الدول الكبرى في تطبيق الحجر الصحي بشكل عام وتنفيذه على المساجد بشكل خاص لكي لا يذكر فيها اسمه وسعيا في خرابها.

فضل جاب الله إذن الدخول على خط أزمة كورونا من الباب الخلفي، فلم يكن يهمه من القيامة التي قامت وما شغل به كورونا الناس وطنيا ودوليا إلا قرار السلطات بتعليق صلاة الجماعة في المساجد وأداء صلاة الجمعة وكأن ما يحيط هذه الأزمة العالمية لا يعنيه وحزبه في شيء فأصلها جندي من جنود الله لا يرى بالعين المجردة ولا يهم بالدرجة الأولى إلا دول الكفر وأنه لا يصيب البلاد الإسلامية إلا عرضا. إن هذا الحدث الشبيه بحرب كونية الذي استنفر الحكومات والمجتمعات كلها لا يهم جاب الله ولا يرى أنه حان الوقت ليشارك هو وحزبه في عملية تأهب قصوى وجهد تضامني جماعي يضع اختلاف العقائد والأفكار السياسية جانبا بدل الجدل الفقهي فيما إذا كان حفظ الدين مقدما على حفظ النفس.

ما لم يقله جاب الله أكبر أهمية بكثير مما قاله، فقد كنا ننتظر أن يحدثنا المترشح للانتخابات الرئاسية مرتين عن مقترحات فعالة للتصدي للعواقب الوخيمة للأزمة الاقتصادية التي سنرثها جراء الوضع المرتبك الذي يعيشه النظام العالمي كما كنا ننتظر أن يحدثنا عما يمكن أن يفعله حزبه ضمن الجهد التضامني الوطني لمواجهة الأزمة. غير أن جاب الله عاد إلى طبيعته الأولى منذ تأسيس تنظيمه “الدعوي”.

ويبدو أن المجتمع لم يكن ينتظر من جاب الله ومن زعماء الأحزاب السياسية شيئا بل لم ينتظر من السلطة إلا السهر على التنظيم والضبط فقد أخذ زمام أمره بنفسه وترك الجدل لمن اعتاد عليه من زمن طويل.

 

 

 

 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك