ما لا تفهمه الدوائر الاستعمارية!!.

بلادة

بقلم: صالح عوض

عندما وصف المفكر الأممي فرانس فانون الاستعمار بقوله: “إن الاستعمار حيوان بليد” لم يكن يبتعد كثيرا عن الدقة.. فعندما يتكرر الدرس تلو الدرس وتكون النتيجة نفسها يصبح على المعنيين تعديل الهدف أو تغيير الوسيلة، واستحداث أسلوب جديد.. أما أن تستمر الجريمة والقتل والغطرسة هي نفسها خلال ما يقارب عشر قرون فهذا يعني ان هناك عقيدة متمكنة من صناع القرار لا تهمهم شعوبهم ولا البشرية بغض النظر عن توجهاتهم الفكرية والسياسية وحسب وصف العلامة البشير الإبراهيمي: ان الاستعماريين هم أنفسهم سواء ترسملوا او تشركوا يركبون سفن الغريزة العدوانية الشريرة.. 

ولكن هنا يطرح السؤال البديهي ألا يكفي الاستعماريين أنهم يرون بأم أعينهم إلى أين تنتهي كل معركة يخوضونها ضد الأمة؟ إنهم يزرعون الجراح والأحقاد والكره بين الشعوب المتجاورة حول المتوسط ويكلفون شعوبهم خسارات فادحة في البنين والأموال ثم تكون الهزيمة لهم؟ فلم الإصرار على الاستمرار في العدوان مجددا في فلسطين وسورية وليبيا والعراق وفي مناطق أخرى بشكل سافر، وكما يواصلون عدوانهم بأشكال متسترة في جبهات عديدة في السياسة والاقتصاد في أكثر من مكان؟ والى متى يصرون على ضلالهم في دعم منقطع النظير لوجود الكيان الصهيوني على ارض الشعب الفلسطيني؟.. وحتى نمتلئ وعيا بما يحكم العلاقة التاريخية بيننا وبينهم من المهم أن نبسط لسياق الصراع المفروض على أمتنا منذ عشر قرون، فلعل في ذلك تنبيه إلى الطبيعة الاستعمارية التي ليس لها من علاج إلا مزيدا من التحرر الثقافي والاقتصادي والإعداد في شتى المجالات وأولها رص الصفوف والوحدة وأحياء قيمة الانتماء.

صيرورة الصراع:

 لا نريد أن نذهب بعيدا في التأسيس للصراع قبل الميلاد بقرون أي منذ حرب قرطاج وهنبعل مع روما لأن الصراع القومي مع أهميته ومع ما يمكن أن يترك من خلفيات نفسية لكنه ليس هو موضوع البحث هنا، إنما حديثنا هنا عن الصراع الحضاري والذي أخذ أبعاده بوضوح منذ الاشتباك الأول في بواتييه وبلاط الشهداء.. قبل ألف سنة بدأ الهجوم الاستعماري على أمتنا بكل ما حمله من مآسي وجراح عميقة وتوترات و كانت الدوائر الاستعمارية الفرنسية منذ بدأ تصديها لفكر ابن رشد في عصور الظلام في أوربا هي طليعة الهجمة على أمتنا مشرقا ومغربا تجر معها قوى الاستعمار في أوربا في محاولة انتحارية لتحطيمنا وإنهاء وجودنا ليس فقط الحضاري بل والإنساني..

الدوافع الاستعمارية عديدة منها ما هو استراتيجي ومنها ما هو ظرفي منها ما هو ظاهر ومنها ما هو عميق ويراها كل باحث من زاوية فيقدم ويؤخر حسب وجهة نظره ولكن مهما كانت قوة الدوافع إلا أنها لا تبرر الفعل الإجرامي في حق شعوب لم تحمل للغرب إلا العلم والفضيلة..  فقد كانت أوروبا تعيش في تلك الآونة نظاماً طبقياً إقطاعياً وكانت طبقة رجال الدين والنبلاء هي الطبقة الأبرز والمسيطرة على كل خيرات البلاد، فاستعبد الإقطاعِيّ الفلاحين، فكانت دعوة الباباوات للفُقراء: وهم الذين عانوا من ظلم الإقطاعِي، ومن شُحِّ الحياة، فوجدوا في الحملات الصليبية تلك قاربُ النجاةِ لهم، أولاً للتخلص من ظلم الإقطاعي، وثانياً للبحث عن خيرات ووسائل أخرى للدخل، وهذا ما وُعِدُوا به من قِبَل الباباوات.. حتى لو لم يكن هناك فقر فانهم سيسوقون جيوشهم المقهورة لساحات حرب ويفتحون أبواب مصانعهم لتزويد الحروب.

تطورت آلة القتل وأصبحت صناعة تدر الأرباح وتضمن الهيمنة وتطور نظام الدولة وتمركز استبدادها وأصبحت المجتمعات في قيد العبيد من جيوش مصنعة وآلات متطورة ومصالح متجددة.. وفي كل مرة يرفع شعارا للعدوان تجد الشعوب انها مساقة إليه بلا رأي منها ولا رغبة.. فأصبحت الحرب أكثر شراسة.. فلربما كان الجهل في أزمنة سابقة يحول دون تحرك الشعوب ووضع حد لجشع المستعمرين إلا أن المجتمعات الآن رغم المعرفة والإعلام والدراية ورغم رفضها لا تستطيع أن توقف عدوانا حتى لو صارت في الشوارع بالملايين تهتف ضد الحرب ذلك لان النظام والدولة أصبحت هي السيد والشعوب عبيد.

ألف سنة يهدأ الاشتباك قرونا ليندلع قرونا أخرى أو عقودا متتالية عنيفا بين كر وفر حتى كانت الحملة الفرنسية الأخيرة على المشرق العربي ثم المغرب العربي على التوالي قبل قرنين ونصف تقريبا.. ولم يزل الصراع مفتوحا في اخطر المواقع في فلسطين فبعد ان ادرك الاستعماريون ان كل قوتهم لم تمكنهم من احتلال بيت المقدس وتغيير هويته جاءوا بعصابات من شتات الأرض بشعارات عنصرية  ممزوجة بالقتل والإمكانات المادية الرهيبة ومجند لها كل شيء لاغتصاب ارض فلسطين وإقامة الكيان الصهيوني وتغيير معالم بيت المقدس وكل فلسطين.. إنهم يدركون أن هذا الأمر إلى زوال ولكنهم يزيدون في نكأ الجراح.. ويحاولون  تمديد عمر الكيان الصهيوني لتكبيل الأمة واختراقها وتفسيخها.

الدرس التاريخي:

بدأ هجوم الفرنجة على مشرق الأمة ومغربها في مرحلة تاريخية واحدة وكانت الإستراتيجية تقضي بإسقاط القدس الرمز الروحي وإسقاط الأندلس الرمز الحضاري معا..  وفي ظل هذه الإستراتيجية يسيطر الأوروبيون على خيرات الدولة الإسلامية المترامية من حدود الصين الى حدود فرنسا، واقتصادها، وذلك عن طريق السيطرة على تجارتها وزراعتها، وممراتها المائية والبرية، وبالتالي إنعاش الاقتصاد الأوروبي.

 ففي الجزء الغربي سقطت أول قلاع المسلمين في الأندلس طليطلة عام 1085 تحت سطوة الهجمة الغربية وبعدها كان سقوط القدس في العام 1099م بيد الصليبيين ليتواصل الهجوم مشرقا ومغربا لإسقاط قلاع العرب فاجتاحت القوات الصليبية ساحل الشام واقتحمت مدنا مصرية وفي الأندلس بدأ الهجوم وتوالى سقوط القلاع الأندلسية واحدة تلو الأخرى.. لقد كان سقوط طليطلة، والقدس بمثابة جرعة معنوية كبيرة للنزعة العدوانية في الغرب المتطرف ضد العرب والمسلمين.. في هذه الحملات العنصرية ارتكبت أبشع الجرائم في حق الإنسانية ولقد دافع المسلمون عن ديارهم وحضارتهم من بيت الى بيت ومن قلعة الى قلعة ولكن الهمجية العنصرية بلغت مادها ففي يوم واحد تم قتل سبعين ألفا من أهل بيت المقدس في فلسطين أما ما حصل في الأندلس من محاكم التفتيش فهو اكبر من الوصف.. توالت الحملات الصليبية او حملات الفرنجة كما كان يسميها أسلافنا على المشرق واقتحمت جيوش الأسبان بلاد المغرب العربي ففرضت سلطانها على الساحل الجزائري وعلى مدن مغربية إلا أن النجدة العثمانية وتلاحمها مع مقاومة المسلمين في الجزائر أفشل الحملة وردها على أعقابها.. كما كان للأيوبيين في المشرق الدور الرئيس في تحرير بيت المقدس وفلسطين وبلاد الشام ومصر ولقد تمكنوا من أسر قائد الحملة الصليبية..  كان سقوط غرناطة يناير/كانون الثاني 1492.. وكانت آخر حملة صليبية تلك التي استهدفت الإسكندرية 1365م.. سقط الأندلس كله وأصبح بالنسبة للعرب والمسلمين فردوسا مفقودا يصلح لتدبر والشجن.. ولكن تم إنقاذ المغرب العربي من مخالب الاستعمار مرة بالتدخل العثماني ومرة بثورة الجزائر المجيدة ولكن لايزال الوطن العربي يصارع في ساحات معركة البقاء والوجود بمعطيات مختلفة وشروط أيضا مختلفة..

آخر الحروب:

..عاد إلينا الاستعمار الغربي بعد أربعة قرون تقريبا مدفوعا بطموح مستبد لتوفير الموارد الأساسية لنهضة اقتصادية أوربية انطلقت متحررة من سطوة الكنيسة فتحرك نابليون بونابرت إلى المشرق واجتاح عسكره مصر بعد معارك ضارية ولكنه انكسر عند أسوار عكا وانهارت الحملة وارتدت عن بلاد الشام وسقط مشروعها، ولم تحقق أهدافها العسكرية، وخرجت من مصر ولكنها تركت أسوأ ما حملته من أدوات للتغريب والاختراق الثقافي، وفي المغرب العربي بعد أربعين سنة على حملة نابليون على المشرق تحرك الاستعماريون الفرنسيون بقرار أوربي لغزو الجزائر وإنهاء دورها الإقليمي ووضع حد لمطالبها بحقوقها المستحقة.. واستمرت المعركة 130 سنة بين إرادتين الأولى: استعمارية تقضي بشطب الجزائر من الخريطة العربية الإسلامية، لتصبح جزءا من الكيان الفرنسي ينطلق منها المشروع الاستعماري في كل إفريقيا، والثانية: إرادة الشعب الجزائري مركزة في قياداته التاريخية التي بعثت النهضة والعودة إلى الذات الحضارية، وأطلقت الثورات والمقاومات وصولا إلى ثورة نوفمبر وتمكن الشعب الجزائري من طرد الاستعمار وبهذا رحل الاستعماريون من كل المغرب العربي رغم ما تركوه من مخلفات ليست فقط حقول الألغام في الصحراء والإشعاعات الضارة نتيجة تجاربهم النووية في الصحراء بل أيضا حقول ألغام ثقافية.. وهكذا لايزال الصراع مفتوحا على أكثر من جبهة.

في هذه الحرب شنوا عدوانا غير مبرر على مصر في سنة 1956 استهدف أمنها واقتصادها وفي هذه الحرب شنّوا حربهم الاستعمارية على العراق بلا مبرر ولا مسوغ مستهدفين وجود الدولة واقتصادها وشنوا عدوانهم على لبنان وليبيا وفي هذه الحرب الأخيرة زودوا الكيان الصهيوني بمفاعل نووي أنشأته فرنسا في  النقب الفلسطيني تمكن من إنتاج مئات الرؤوس النووية..

في آخر الحروب تمكن الاستعماريون أن يجهزوها بأطر قانونية من صناعتهم بعد أن أسسوا للقانون الدولي الذي كتبوه برغباتهم والشرعية الدولية التي يرفعوا شعاراتها مؤسسات تفضي إلى إنجاز رؤيتهم في خريطة العالم الإسلامي والوطن العربي.. 

في آخر الحروب يتجلى إصرارهم أنهم لا يريدون سلاما ولا علاقات ودية مع العرب والعالم الإسلامي.. وستظل الشعوب العربية والغربية هي الضحية لهذه السياسات الاستعمارية التي يوجهها أشخاص وعصابات المال في العالم لا دين لهم إلا الربح والمصلحة.

مالا يفهمونه: 

تبدو المسألة تمر بجدلية عجيبة حيث يتولد الخير من الشر.. والقوة من الضعف والنصر من الهزيمة.. من امتزاج قوانين حركة التاريخ وتحليل عميق لما عليه الاستعماريين واستكشاف لعميق الوجدان العربي والإسلامي نرى أن ما لا يفهمونه او لا يردون التعامل وفقه سيقودهم إلى نهاياتهم المنطقية يقول سبحانه وتعالى: ” اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ”  

 لا يفهمون أن الأمة تنمو وتزداد وعيا ولاتزال قادرة على الصمود والمقاومة وأنها تسير بثقة نحو مستقبلها تنظف صفوفها من الخبائث وتعبد الطريق بعرقها ودمها نحو غد حتما سيكون لها ولقد أثبتت أنها في المعارك كلها قادرة على صناعة النصر.

لا يفهمون أن دعمهم للاستعماريين الصهاينة هو أقصر طريق للخسارة الرهيبة لهم ولمشاريعهم، فدعم هذا الكيان يكشف نواياهم ويفضح أهدافهم ويسهل على أحرار الأمة تجنيد طاقات الخير فيها للتصدي للمشاريع الاستحواذية الاستعمارية.

لا يفهمون أن سنن الحياة تسير بلا مراعاة ولا محاباة لأحد و أن المجتمعات كالأجسام والتاريخ كائن حي يسير بصيرورة فكل ما عندهم الآن لا يمكن اعتباره مضمونا في اشتراطات التغيرات العميقة التي تشهدها مجتمعاتهم المرهونة بأيدي عصابات المال ومغامراتهم.

مالا يفهمونه أن العرب شعب عريق صبور جلود قادر على العيش الضنك وان المسلمين لديهم من رصيدهم الحضاري ما يكفي أن يزودهم بطاقة معنوية قادرة أن تثبت يقينهم بغد أفضل.. والله غالب على أمره.

   

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك