ما فائدة الدكتوراه؟

السؤال الجدير بالطرح

بقلم احسن خلاص

أظهر الجدل الحاد الذي أعقب قرار إلغاء الانتقاء المسبق لدخول مرحلة الماستر والدكتوراه الوضعية المزرية التي تعيشها الجامعات الجزائرية وكشف بؤس منظومتنا التعليمية التي تقع فيها الشهادات في موقع محوري وتتحول إلى مجال نقاش مركزي في مكان الإنتاج الفكري والعلمي والمهارات.

أول المنتفضين على قرار فتح وتوسيع مجال تجربة نيل الشهادات العليا هم الدكاترة والأساتذة الجامعيون أنفسهم بحجة رفضهم تمييع الشهادات العليا وما يصحبه من انعكاسات سلبية على نوعية التعليم العالي والبحث العلمي في نظرهم فإعطاء فرصة الدكترة للجميع يقضي على طابعها النخبوي ويجعل الساهرين المجتهدين الذين أنفقوا وقتهم وجهدهم ليكونوا جديرين بهذا التشريف متساوين مع متسلقين طفيليين مزاحمين بدعوى المساواة في حظوظ العلم فضلا عن أنهم يعتبرون هذه الخطوة بمثابة تسييس للجامعة واتجاه إلى الشعبوية التي ستقضي عليها تماما لاسيما وأن قدرات تأطير الدكتوراه لا تزال ضعيفة عمليا وواقعيا بالرغم من ترقية المئات من الأساتذة المحاضرين إلى أساتذة التعليم العالي بدرجة بروفيسور.

لم يعد ما يسمى تمييع الدراسات العليا جديدا فهو عملية بدأت منذ عدة سنوات وسيطرت ضرورة البحث العاجل عن المؤطرين لآلاف الطلبة المؤهلين للماستر الذين صار عددهم يتزايد منذ عدة سنوات إلى درجة أن التحصيل العلمي الحقيقي كان ضحية هذا الانفتاح إذ انطبق على الجامعة ما انطبق تماما على أطوار التعليم الأخرى عندما شهد توظيف أساتذة أطوار التعليم الإبتدائي والمتوسط والثانوي تراجعا رهيبا في المعايير المطلوبة وتخلت وزارة التربية عن المعاهد التكنولوجية للتعليم وساوت تقريبا بين خريجي المدارس العليا للأساتذة وخريجي الجامعات العادية من حيث فرص التوظيف وقبلها ارتفاع نسبة الناجحين في البكالوريا.

كانت الجزائر تعيش لمدة لا تقل من العشرين سنة الأولى للاستقلال في تبعية رهيبة في سلك التدريس حيث كان الحائزون على الشهادات الجامعية العليا قلة قليلة لاسيما الدكتوراه الذي بدأت تعرف الجزائر الموجة الأولى منها خلال سبعينيات القرن الماضي تحت تأطير أساتذة أجانب أغلبهم من فرنسا وأوروبا الشرقية وأغلب الذين زاولوا دراساتهم العليا لنيل دكتوراه الدرجة الثالثة أو دكتوراه الدولة قلة ممن حظي بمنحة دراسة إلى فرنسا أو بريطانيا أو أوروبا الشرقية وعلى رأسها الاتحاد السوفياتي آنذاك وهو ما أورث صراعا لسنوات بين هذه الوجهات في الجامعة الجزاىرية. لكن الوضع اليوم استحال إلى تخمة دكتورالية وبروفيسورالية تعرفها الجزائر لأول مرة.

بمقابل هذه التخمة في الشهادات التي تقف الأسرة الجامعية اليوم دون استمرارها إلى حد الابتذال والميوعة لا نجد أثرا لجامعة جزائرية مرموقة بل صارت الجامعة على غرار قطاعات واسعة من المجتمع مرتعا للفساد وضياع القيم العلمية واندثار الجهد وما قرار فتح مجال الماستر والدكتوراه دون انتقاء مسبق إلا القطرة التي أفاضت الكأس في منظومة أتفق فيها الجميع على إفسادها وتجريدها من القدرة على مواكبة المعايير الدولية. لقد تواطأت الأسرة الجامعية على إنتاج جامعة تعيش الزيف وتحاول إقناع نفسها أنها حقا جامعة بما تقتضيه من مسايرة ما يجري في جامعات بلدان مجاورة في مجالات التدريس والبحث والتأطير.

لقد نجح الجميع في عزل الجامعة الجزائرية عن المحيط السياسي والاقتصادي والاجتماعي حيث لا تزال منغلقة على نفسها ضعيفة التفاعل مع محيطها القريب فضلا عن أن تتطلع إلى التفاعل مع جامعات العالم ومسايرة مستجدات البحث العلمي وتجديد المناهج الدراسية بالرغم مما تنفقه وزارة التعليم العالي لإجراء تربصات واحتكاكات خارج الوطن خاصة ضمن التعاون بين الجزائر وبعض البلدان الأوروبية مثل فرنسا، هذا التعاون الذي لم تظهر له أي ثمار ولم يؤد إلى تفعيل سلك التأطير والبحث الذي لا يزال يراوح مكانه دون أن تستفيد منه الدولة والمجتمع.

قد يجب انتظار توضيحات جديدة من وزارة التعليم العالي بشأن ما ورد عن مجلس الوزراء إذ أن مجمل المنظمات الطلابية رحب بهذا الانفتاح الذي من شأنه أن يقضي على جبروت وبيروقراطية المجالس العلمية ويتيح المجال لتنافس حقيقي أو قليل الزيف إذا تم الإبقاء على المسابقات. غير أن المعركة الحقيقية تنطلق من تساؤل آخر: من هو الدكتور الذي نحتاجه، أهو الذي أنهى أطروحة أكاديمية ونظرية ونال بها الشهادة على يد لجنة مناقشة متكونة من أساتذة لم يغادروا برجهم العاجي ولم يعرفوا حقائق الميدان ولا صلة لهم بالمجتمع وحقائق المحيط الاقتصادي وتطورات البحث داخليا وخارجيا؟ أم هو الدكتور الذي انطلق من تجربة ميدانية يستخلص منها أفكارا جديدة على ضوء فرضيات تجيب عن انشغالات من الواقع؟

ما فائدة الدكتوراه إذا كانت الجامعة الجزائرية منفصلة عن الواقع وقابعة في مناهج تعود لعقود من الزمن ولم يكلف سلك التدريس والبحث عناء تحيينها؟ ما فائدة الدكتوراه في جامعة يعين فيها البيروقراطيون الفاسدون والمطبلون على رأس اداراتها ويوضع المجتهدون والمبادرون على الهامش؟ ما فائدة الدكتوراه التي يحاول بعض الأساتذة الجامعيون حماية ما تبقى من هيبتها وقيمتها في بلد لا يزال يعتمد على الولاء والمحاباة والعشائرية في تولي المسؤوليات وتقدم الصفوف؟ ثم ما فائدة الشهادات في عالم لا يعتمد عليها كثيرا لاسيما الشركات الكبرى التي تبحث عن المهارات أكثر مما تعتمد على الشهادات؟ ما فائدة دكتوراه لا تساوي شيئا خارج باب الجامعة؟

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك