ما السبيل إلى نجاح الحكومة؟

وهي تعرض مخطط عملها

بقلم: احسن خلاص   

ينتظر أن يستقبل المجلس الشعبي الوطني هذه الأيام أعضاء حكومة عبد العزيز جراد لعرض مخططها للمناقشة والمصادقة كما ينص على ذلك الدستور. ولعله من السابق لأوانه تناول تفاصيل هذا المخطط بالتحليل والنقد بينما لم تتوفر بعد المعلومات الكاملة لدى الرأي العام عن خطوطه العريضة. ولأن الطبيعة لا تحتمل الفراغ، فسنخصص الوقت الذي نقضيه في قاعة الانتظار للحديث عن المحيط والسياق الذي يأتي فيه هذا المخطط، وبعبارة أدق ما هي العوامل الداخلية والخارجية التي تساعده على التجسيد مقابل العوامل التي تترصده لتعيق بلوغ أهدافه.

 

وقبل الحديث عن هذه العوامل يحسن بنا أن نقوم بتجميع بعض وافع النجاح المثالية لأي حكومة في أي بلد وهي عوامل متعددة ومتشعبة تنتهي في النهاية في مصب واحد. أول هذه العوامل أن تكون الحكومة، إذا كانت حكومة جمهورية، نابعة عن الإرادة الشعبية المعبر عنها بنزاهة وشفافية من قبل أغلبية المواطنين وأن تشتغل في دولة يسود فيها القانون ويعلو على الإرادات والأمزجة وأن تنال قراراتها الاحترام قبل أن تحظى بالالتزام في دولة مهابة تحظى بثقة الأغلبية. ولا يمكن تصور حكومة ناجحة دون أن تكون بحوزتها السلطات كلها في دائرة ما يخول لها الدستور والقوانين، دون أن ينقص من سلطاتها شيء، فلا يُعتدى على مجالها الحيوي ولا تعتدي هي على المجالات الحيوية لغيرها، إذ لا يمكن تصور أي نجاح خارج حدود المسؤوليات المنوطة. ولا يمكن أن يرتجى الفلاح من حكومة غير مستقرة وغير مستقلة ولا قيمة لأعضائها ولا سلطة لها على القطاعات التي تديرها ولا يمكنها أن تدير دفة التغيير والوصول إلى أهدافها باعتماد المناهج والأدوات والكوادر التي أدارت بها الحكومات السابقة نجاحها في الفشل. ولا سبيل لحكومة موفقة إذا اعتمدت في تركيبتها على الولاءات العشائرية والجهوية والعصب والمحاباة بذريعة الوفاء والثقة ثم أنه لا يتصور نجاح حكومة لا تحظى بالدعم السياسي اللازم من جانب ولا تخضع للرقابة المؤسساتية والشعبية من جانب آخر ولا تملك سياسة اتصالية ذكية ومقنعة يلتئم فيها الخطاب المحفز بلغة واقعية متينة.

هذا غيض من فيض العوامل التي ينبغي أن تتوفر لتنجح الحكومة في مهامها. يضاف إليها أنها تأتي، في الحالة الجزائرية، ضمن منعرج العشرية الثانية من هذه الألفية التي شهدت حراكا أعاد النظر، على المستوى النظري على الأقل، في المعايير التي يتم بها اختيار الطاقم الحكومي، ولو أن التصور العام لدور عضو الحكومة ومكانته في جهاز الدولة وطريقة تعيينه لا يزالان مرتبطين بعهد الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة ولا شيء يثبت إلى حد الآن أي تغيير في قواعد التعيين في الحكومة والمناصب العليا للدولة، وكثيرٌ من وزراء الحكومة الحالية كانوا ضمن الفرق الحكومية السابقة وأدركوا تماما المكانة التي كانوا يحتلونها ضمن مراكز القرار في عهد الرئيس السابق. لقد كان الوزير ذلك الموظف السامي الذي “يمسح فيه الموس” عند الفشل ولا يذكر اسمه عند محطات النجاح، يعلن عن اسمه دون علمه ضمن أي تغيير حكومي جديد ويظل ينتظر حتى يفاجأ بسقوط اسمه في التعديل الحكومي المقبل. وبين هذه اللحظة وتلك يجتهد الوزير ليظهر آيات الولاء والثناء لمن أنعم عليه واختاره من بين المئات الذي انتظروا عند الباب، ولا يأسف سياسيا لمغادرته الوزارة فتلك سنة من خلوا من قبله من الوزراء، فلو دامت لغيره ما وصلت إليه كما يقال. يظل الوزير صباح مساء يتغنى ببرنامج هلامي يسميه برنامج رئيس الجمهورية وهو يعلم أنه بمنأى عن أي حساب عند مغادرته المنصب إذا آوى إلى ركن شديد.

ستنزل الحكومة هذه الأيام بشارع زيغوت يوسف حاملة مخطط عملها فتجد نوابا قد عادوا من عطلة طويلة الأمد كادت تنسيهم أنهم نواب، تجدهم وقد استاءوا وهم يسمعون الرئيس تبون يتوعدهم بحل المجلس الشعبي الوطني في النصف الثاني من هذا العام. ستجد الحكومة أغلبية برلمانية فقدت بوصلتها بعد أن تفرق صوتها بين المترشحين للانتخابات الرئاسية الأخيرة بينما ستواجه الكتل البرلمانية حكومة تشكلت قبل أن تبلور برنامج عملها بدل أن تتشكل حول برنامج عمل تلتف حوله، فهل نبحث عن برنامج قوي لحكومة أم نبحث عن حكومة لبرنامج قوي؟

لكن، قبل الحديث عن برنامج عمل الحكومة، وهو ما سنأتي إليه بالتفصيل في حلقاتنا المقبلة، يحق لنا أن نتساءل: ما هي فرص نجاح حكومة ستتعرض لتغيير عميق بمناسبة مخرجات الانتخابات البرلمانية المنتظرة في الخريف القادم؟ وقبل ذلك ستشتغل في أغلب ما تبقى لها من عمرها ضمن قانون مالية أعدته الحكومة السابقة.

لقد سئم المواطنون من الخطب والبرامج، فقد سمعوا منها الكثير قبل أن تنكشف عورة السلطة ويتبين أن “حاميها هو حراميها” كما يقال. رهان السلطة اليوم إن أرادت النجاح هو استعادة الثقة وبعث الإشارات الضرورية لذلك بالأفعال والقرارات المتينة والجريئة التي لا تقبل التراجع، رهانها حكومة قوية مستقلة ومنسجمة تعلم وتعمل ما تريد.

 

 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك