ما الذي فقده أطفالنا بين الحجر الصّحيّ والتّوحّد الالكترونيّ

في ظل الحجر المنزلي وأزمة كورونا

بقلم: لخضر بن يوسف

 

مع انتشار فيروس كورونا ووصوله إلى معظم دول العالم ، ودخول الملايين من الناس الحَجْر المنزلي بسببه ، هذا في خضمّ قرارات عديدة فرضتها الحكومات ، خاصّة قرار تمديد فترة الحجر الصّحيّ التّام على مواطنيها دون استثناء ، تظلّ معايير السّلامة الصّحيّة وإجراءات الوقاية الذّاتيّة التي ينبغي أن يتمرّس بها النّاس واضحة ومتّفقا عليها على نحو عامّ ، ولكن ليس كذلك الشّأن لدى الأطفال الصّغار ، برزت على الواجهة إشكالية التعاطي مع الأطفال وملء أوقاتهم بما هو مفيد خصوصاً وأن التعليم أصبح لدى الكثيرين عن بعد ، لأنّ طبيعة المرحلة التي يمرّون بها تقتضي إتاحة مجال وقدر واسع من الحريّة والاستقلاليّة لهم ، سواء أكان في الحركة أو اللّعب أو التّنقّل أو التّرفيه أو التّصرّف أو الاحتكاك والتفاعل ، وفق ما تؤكّده دراسات وأبحاث التّربية السّليمة في هذا العمر.

 

تحد استثنائي

 

هذه القرارات التي بدأ تطبيقها حديثاً ويتوقع أن تستمر حتى أسابيع وربما أشهر مقبلة ، شكلت تحدياً استثنائياً للعائلات حول العالم التي بدأت تطرح تساؤلات واسعة حول كيفية التعامل مع الأطفال طوال فترة “الحجر المنزلي” التي على الرغم من أنها ما زالت في بدايتها إلا أن مشاكلها وتحدياتها ظهرت سريعاً وبقوة ، لا سيما فيما يتعلق بالجوانب العلمية والتربوية والصحية للتعامل مع الأطفال . 

إنّ فرض هذه العزلة الجديدة لديهم “ الحجر الصحي ” على ملايين الأمهات والآباء البقاء في المنازل مع أطفالهم ، أغلقت المؤسسات التعليمية والتربوية  والمدارس ، والحدائق والفضاءات  العامة، ودخل الناس في حالة العزل التي منع فيها الأطفال من اللعب وتمضية الأوقات التي اعتادوا عليها ، سينجرّ عنها في كثير من الأحيان تفاقم ملامح العناد والرفض والتّوتّر والقلق الزّائد في الوسط العائليّ، وما تؤدّي إليه بدورها من تأثيرات سلبيّة قد تصل إلى حالة ” الهلع ” التي يشدّد الأخصّائيون النّفسانيون على ضرورة عدم الوصول إليها بالنّظر إلى تداعياتها على نفسيّة الطّفل المرهفة وشخصيته الحسّاسة.

 

كيف نتعامل مع الأطفال في هذه الظروف ؟

 

ما هي الأنشطة التي بإمكاننا الاستفادة منها أثناء فترة الحجر؟ هل ممكن فعلاً أن نجعل من هذه الظروف مصدر متعة واستفادة للأطفال؟ كيف نقنع الأطفال بالبقاء في الحجر المنزلي ؟ كيف يمكنني توعيتهم بمخاطر الفيروس وتطبيق الإجراءات الوقائية عليه ؟ ما الإجراءات الصحية الواجب اتخاذها مع الأطفال؟ كيف نجعلهم يقضون أوقاتهم بأشياء مفيدة ودون ملل ؟ كيف ندفعهم للدراسة المنزلية وتجنيبهم خطر إدمان الأجهزة الإلكترونية ؟ وغيرها من الأسئلة.

كل هذه الإغلاقات ” الحجر الصحي ”  بكسر الحاء غير الحجر بفتح الحاء… فمعناه العزل للاشتباه في مرض أو وباء ، وللتأكد من خلو شخص أو حيوان ما من مرض أو وباء ما … تسبب باختناق وإهمال للأطفال الذين سيتركون في أغلب الأوقات لأجهزتهم الخاصة ، يجد الأطّفال أنفسهم اليوم محاطين بالتّقنيات الحديثة والشّاشات الرّقميّة المسطّحة منذ نعومة أظافرهم ، في محيطهم الضيّق : من برامج التّلفاز والألعاب الالكترونيّة والهواتف الذّكيّة…، وهو عالم افتراضيّ خطير المدى ، يزيد الحجر الصّحيّ من حدّته وخطورته خلال هذه الظّرفيّة الاستثنائيّة ، مع انفلات واضح للوالدين ورقابة مغيّبة للوقت الزّائد المستهلك يوميّا.

 

التّوحّد الالكترونيّ

 

وهذا ما دفعنا في هذا الزّمن للحديث عن ظاهرة معاصرة ألا وهي ” التّوحّد الالكترونيّ ” أكثر من ذي قبل ، بالنّظر إلى أنّ الأطفال يمثّلون الحلقة الأضعف في ما يتعلّق بالتّكنولوجيا، فهم قد علقوا في دوّامتها وأُرْغِمُوا على إدمانها دون أخذ مخاطرها وآثارها الجانبيّة بعين الاعتبار.

لقد تجاوز مرض التّوحّد الالكترونيّ نظيره التّوحّد الطّبيعيّ المستهدف للمرحلة المبكّرة للطفولة في تقوقع الطّفل على ذاته وانعزاله عن عالمه الخارجيّ وعن علاقاته التي تربطه بالأفراد المحيطين به ، فالتكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي ليست بديلا عن التفاعل الطبيعي ، كما أنّ هؤلاء الأطفال ، لم يعد لهم مواعيد محددة للنوم واللعب والرياضة ، إلى جانب فقدانهم التفاعل الجسدي مع المعلمين والأشخاص الذين يقتدون بهم خارج المنزل ، ممّا من شأنه أن يفقد الأطفال أيضا فرصة الترابط مع أصدقائهم ، وعليه قد يكون “التعلم عن بعد ” يمثل تحديا لبعض الأطفال ، في مسألة التركيز والبقاء على المسار الصحيح .. إنّ خطوة إدمان الأطفال على الأجهزة الرقمية يضاعف ويزيد بشكل أكبر وأوسع  دور الأهل في ترسيخ مفاهيم سليمة وعادات صحيحة لاستخدامها بشكل مدروس وممنهج ،  إلى جانب التسلية ، يجب استخدام الأجهزة الرقمية في التعليم الإلكتروني فهو كنز في غاية الأهمية ويمكن تحويل الحواسيب والأجهزة الرقمية إلى مدارس افتراضية من خلال التعليم المنهجي الذي تقدمه وزارات التعليم لتعويض فترة الانقطاع أو التعلّم الحر بالاطلاع على مواضيع مفيدة وغنية كالفيديوهات الطبية والحيوانات والتجارب العلمية الممتعة ، والحصول على معلومات مبسطة حول الطقس والفيزياء والكيمياء وصولاً إلى مهارات التنشيط والمسابقات والمسرح والسينما والموسيقى  التي تخلق لدى الطفل رغبة في المشاركة وتنمّي لديه روح الإبداع والتحدّي ، وذلك كل حسب عمره، غير أنه ليس بالضرورة أن يبلغ الأهالي أطفالهم أن ما يختارونه لهم بهدف التعليم، وإنما بهدف التسلية والمتعة هذا بالإضافة إلى أن المكوث في البيت يعدّ فرصة لدى الأهل لإمضاء المزيد من الوقت مع أولادهم وهو الأمر الذي يوفّر لهم فرصة أكبر لمشاركة الكثير من الأنشطة والأفكار التي ربّما لم تكن متوفرة في السابق ، وهذا من شأنه أن يعزز دور العائلة ، ويعيد لها اعتبارها القديم في التربية وتنشئة الأجيال ، ولا شك أن محصلة ذلك ستكون مفيدة للنسيج المجتمعي ككل.

 

المرض المعاصر

 

هذه الظّاهرة المرضيّة المعاصرة جعلت الطفل في حالة اغتراب وأغرقته في عالم آخر افتراضيّ خياليّ نجح في لفت انتباهه والتّأثير الرّهيب فيه بحسن جودة التّصميم ودقّة المحاكاة وجاذبيّة الألوان بشكل يسير بواسطة الألعاب والصّور المتحرّكة والتّطبيقات الذّكيّة وغيرها الكثير، ومن ثمّة عدم مفارقتها للسّاعات الطّوال حدّ الإدمان الكليّ عليها.

وهو ما يجعلنا نطرح على أنفسنا السؤال التّالي: كيف لا يختلّ نموّ الطّفل اجتماعيّا ووجدانيّا  طالما أنّه يفتقد تدريجيّا لحميميّة العلاقات الحقيقيّة والاضمحلال النّاتج عن غياب حلقات التّفاعل والنّقاش والحوار المتبادل ؟

إنّ تلاشي روح الإبداع والتّخيّل والتّفكير والإنتاج لدى أبنائنا من خلال مجريات حياتهم اليوميّة نتيجة سيطرة عادة اللّعب ، ومشاهدة وتصفّح نفس المواقع والبرامج والتّطبيقات ، حتّى غدت ملامح الكسل والخمول تتفشّى في سلوكياتهم حدّ إصابتهم بأمراض مثل السّمنة وضغط الدّم وأمراض العين .

 

ظاهرة تتفاقم

 

ويزداد تفاقم هذا المرض يوما بعد يوم في زمننا هذا خصوصا في ظلّ غياب الرّقابة والنّصح والمتابعة والتّوجيه من قبل الأهالي المنشغلين بشؤونهم ، تاركين النّشء لأطماع الشّركات الكبرى اللاّهثة وراء الرّبح والاحتكار.

وقبل أن نختم هذا الموضوع ، لابدّ من الإصرار على جملة تدابير علّها تحدّ من وطأة هذا الواقع الذي لا مفرّ منه ، وذلك بضرورة مراقبة الوالدين لزمن تعاطي الطّفل للأجهزة الرّقميّة ، وكذلك تقسيم أوقاته ببدائل ممتعة كممارسة الرّياضة والتّنشيط بألعاب الحركة والجلوس أكثر معه ومعرفة ميولاته واهتماماته وإتاحة مزيد من الوقت للتّقرب إليه بغية عدم إشعاره بالوحدة. إضافة إلى ذلك ، تحميله المسؤوليّة بالمشاركة ببعض المهام المنزليّة كالتّنظيف والتّشجير والطّهي وخاصّة تكريس بعض الهوايات لديه كالمطالعة أو الكتابة أو الرسم أو الموسيقى وأيضا تعليمه مهارات الاستخدام الفعّال والموّجه للوسائل التّكنولوجيّة.

 

مسؤولية الأولياء

 

ينبغي للأولياء أن يضعوا برنامجا لهم ولأطفالهم ، يمكّنهم من أداء بعض مهامهم في أحسن الظروف… ويمكنوا أطفالهم من التمتع باللّعب والتعلّم في نفس الوقت…ويستحسن أن يكون البرنامج منوعا ، ومراعيا لأعمار الأطفال ومستوياتهم الذهنية والجسمية والوجدانية المتفاوتة، وأن يراعي الإمكانات والوسائل المتوافرة في البيت وما جاوره ، وينبغي أن يتصف بالمرونة ، وعدم القسوة ، والصرامة ، وقبل كل شيء بالتفهم والمحبة ، والصبر على شغب الأطفال.

 

توصيات

 

يمكن أن يتضمن برنامج الأطفال وبعض الكبار أيضا الأنشطة التالية ، والتي يمكن تعديلها ، أو إضافة أنشطة أخرى لها حسب الحاجة :

مساعدة الأطفال على ممارسة هوايات حسب ميولهم مع توجيه من طرف أوليائهم كممارسة الرسم والأعمال الفنية المختلفة أو أعمال الفك والتركيب ، التعرف على الأنواع المختلفة من الأطعمة التي تطبخ وفوائدها الصحية ، التعرف على فوائد الخضار والفواكه المختلفة وخاصة الموسمية ، التعرف على فوائد الأعشاب الطبية وأضرارها ، مشاهدة برامج مفيدة للتعلم وخاصة من اليوتيوب ، وقنوات الجغرافيا والحيوانات… مشاهدة برامج تسلية في التلفزيون واليوتوب وغوغل وغيرها لوقت محدود لا يتجاوز ساعة في جلسة واحدة ، اختيار وقت مناسب لممارسة التمارين الرياضية مع أحد أفراد الأسرة الكبار لمدة لا تزيد عن نصف ساعة ، اللعب مع الأطفال كما يحبون هم وليس كما يحب الكبار، قراءة القصص والروايات مع الأطفال أو من طرفهم لتربية الخيال عندهم ، الاستماع إلى ملخص القصص التي يقرأها الأطفال من طرف آخرين “صغارا وكبارا”، يطلب من الأطفال تأليف قصص من طرفهم وإلقائها، وكتابتها إن أمكن “حسب القدرة “، حل الألغاز والأحجيات وأخذ وقت مناسب للتفكير فيها ، ممارسة بعض الألعاب الذهنية كالحساب الذهني والشطرنج وتعلمهما ، البدء في تعلم لغة جديدة أو لهجة محلية ، حل التمارين الحسابية وغيرها ، المطالعة الحرّة ، متابعة منصات الكترونية تعليمية وحل بعض الواجبات والتمارين لدروس مختلفة ، تعلم رياضة جديدة إن أمكن ، تخصيص وقت للعائلة للحديث العام والإجابة عن أسئلة الأطفال ، تخصيص وقت للنكت والمزاح ، تخصيص وقت لحفظ القرآن الكريم والتلاوة ، التواصل مع الأصدقاء والزملاء والأقارب ، تنظيم مسابقات بين الإخوة والأخوات وتخصيص جوائز تشجيعية ، استغلال أيّة مساحة لتمكين الأطفال من اللعب الحرّ، والجري والحركة كما يريدون لوقت محدّد على الأقل.

يمكن للآباء بالتعاون مع الأطفال وخاصة الكبار منهم وضع برنامج يومي يناسب الأعمار المختلفة ، يراعي الميول المتباينة لكي يمتص نشاط الأطفال ، ويفيدهم جسميا ونفسيا وروحيا… القاعدة الذهبية في كل ما ذكر، أن يتعلم الأطفال باللعب ومن اللعب ، وأن يلعبوا ليتعلموا، وليرفهوا على أنفسهم وفق برنامج يراعي الفروق الفردية ، والميول والقدرات المختلفة للأطفال، ويراعي الامكانات الموجودة لأداء الأنشطة المختلفة…

الحجر الصحي فرصة لتقوية العلاقات الأسرية ، والمحبة ، والتواصل مع من نحب ، ومساعدة الجيران والأقارب وكل من يحتاج مساعدة ولو بكلمة طيبة ، وفرصة لنعلم أطفالنا فضيلة التعاون وخاصة في أوقات الشدة ، وفضائل أخرى… ومن أهم هذه الفضائل أيضا كيف ندير أوقاتنا وأنشطتنا لنفيد أنفسنا وشعبنا ووطننا، والبشرية جمعاء…

وفي الأخير تبقى أزمة وباء كورونا ظرفا زائلا بفعل الوقت ، غير أنّ محكّ أطفالنا هو أكثر حساسيّة ، وحريّ بنا أخذهم بعين الاعتبار والاهتمام ، كونهم براعم المستقبل وأسّ مجتمع الغد.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك