مالي… 60 سنة من الأزمات

أحيت ذكرى استقلالها

بقلم احسن خلاص

أرسل الرئيس تبون في آخر لقاء له مع الصحافة تنبيها يضاف إلى تحذيرات سابقة لمن يريد الاشتغال لوحده لحل أزمة دولة مالي دون إشراك الجزائر التي تعد طرفا حيويا بالنظر إلى العلاقات التاريخية التي جمعت البلدين وللتداعيات المترتبة على حالة التأهب الأمني للجزائر على حدودها الجنوبية، فضلا عن تمسك الجزائر بالإبقاء على التسويات التي أشرفت عليها في الماضي وآخرها اتفاق السلم والمصالحة الذي وقته الأطراف المالية في الجزائر.

يعيش جار الجزائر الجنوبي في دوامة من الأزمات التي لا تنتهي وهو يحتفل في هذا الثاني والعشرين من سبتمبر ببلوغ عمر استقلاله ستين عاما لم يهنأ فيها البلد إلا في فترات قصيرة جدا إذ ما إن يخمد تمرد حتى يتبعه انقلاب عسكري ثم يتبعه تمرد جديد ليمهد لانقلاب آخر إلى درجة أنه كتب على الأزمات أن تكون دورية وذات منشأ مختلف حسب الظروف والسياقات المرتبطة بنظام الحكم من جهة وطبيعة الجغرافيا الاجتماعية والاثنية من جهة أخرى.

من الناحية التاريخية لم تنتظر الأزمات يوم الإعلان عن الاستقلال في 22 سبتمبر 1960 لتنطلق بهذا البلد في تجربة تاريخية مريرة لم يقف معها بعد على معلوم من الاستقرار بالضرورة، فقد أقلعت الأزمات عاما قبل ذلك وهو تحت الوصاية الفرنسية عام 1959 عندما انخرطت في مشروع ما يسمى السودان الفرنسي الذي كان يرمي إلى خلق اتحاد مع السينغال وفولتا العليا (بوركينا فاسو حاليا) وهو المشروع الذي لم يكتب له الاستمرار لأكثر من عام مما دفع مالي إلى إعلان استقلاله لينطلق في مسار آخر طويل عمره 60 عاما حصيلته اليوم ثلاث حالات تمرد كبرى تخللها أربعة انقلابات عسكرية وفترات من الاستقرار مع عودة هشة الى المسارات الانتخابية التي لم تكن كلها ديمقراطية.

تشاء الأقدار أن يودع مالي الذي يعيش هذه الأيام وضعا انقلابيا أول رئيس انقلابي له وهو موسى طراوري، يودع بجنازة رسمية تشريفية من قبل الانقلابيين وعلى رأسهم زعيمهم اسيمي غويتا. توفي وعمره 83 سنة انتقل فيها بين العمل العسكري والانقلاب عام 1968 على الرئيس المدني موديبوكايتا الذي مكنه من إحكام قبضته على رأس الدولة لمدة 22 عاما قبل أن يزج به في السجون ليطلق سراحه في بلد خاضع لتقلبات السياسة. انتقل موسى طراوري بنفسه من رئاسة المجلس العسكري التحرير الوطني إلى منصب رئيس جمهورية بعد عام من الانقلاب وانتقل بمالي من نظام اقتصادي اشتراكي تابع للاتحاد السوفياتي إلى نظام ليبرالي من الناحية الاقتصادية إلا أنه منغلق من الناحية السياسية إلى غاية أن هبت موجة التغيير التي مست الأنظمة الأحادية بين عام 1989 و 1991 تلك الموجة التي لم يستمت أمامها طراوري طويلا أمام ضغط الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران الذي طالب طراوري بالاستجابة لمطالب شباب المدارس والجامعات باعتماد التعددية السياسية وفتح أبواب الحريات.

وعلى خطى مشابهة لتلك التي سلكها النظام السياسي في الجزائر وبلدان إفريقية أخرى فكر طراوري في اعتماد دستور عام 1970 عن طريق الاستفتاء الشعبي حيث أنشأ البرلمان واعتمد الاقتراع العام لتولي المسؤوليات الدستورية تحت عنوان براق اسمه الجمهورية الثانية. وبانشاء حزبه الواحد (الاتحاد الديمقراطي للشعب المالي) عام 1976 ومعه منظمة النساء والشباب دفن التعددية الناشئة وكرس النظام الشمولي الذي انتهى به إلى الخروج من الباب الضيق بعد أن تهيأت الظروف لانقلابي ثاني ليحتل الساحة في مارس 1991 إنه القادم الجديد امادو توماني توري الذي أنشأ المجلس الانتقالي لإنقاذ الشعب قبل أن يترك مكانه لعسكري آخر في شخص الفا عمر كوناري ثم يعود أمادو توماني توري من جديد ويحتل صدارة السلطة إلى أن فلتت منه شؤون الدولة بإعلان انفصال شمال مالي عام 2012 وتنازعت السلطة عليه حركة أزواد والجماعات المسلحة مثل أنصار الدين والقاعدة في المغرب الإسلامي وغيرها التي استقرت في كل من كيدال وتمبوكتو وغاو وأمام عجز توري عن حل الأزمة جاء الانقلاب الثالث على يد امادو هايا سانوغو الذي فتح مرحلة انتقالية أخرى أبطل فيها العمل بالدستور وحل المؤسسات لكن المسعى الانقلابي هذه المرة لم يؤت أكله مما مهد للتدخل العسكري الفرنسي بعمليتي سيرفال وبرخان اللتين لم تحولا دون انتقال النزاع إلى باماكو وضواحيها ويخلف ضحايا بين ماليين وأجانب.

كانت فرنسا ومعها دول الجوار وبينها الجزائر تأمل أن يساهم قدوم ابراهيم ابو بكر كايتا إلى كرسي الرئاسة المالية عن طريق الاقتراع العام في الاسراع في إنجاز مصالحة وطنية عززها اتفاق الجزائر الذي أعد لاعطاء دفع لكايتا فبالرغم من انتخابه مرتين، في 2013 و2018 إلا أن ما اكتنف تجديد عهدته من احتجاجات واضطرابات جعل من كايتا فاقدا البريق الذي صاحبه وهو الذي قدم للرأي العام الداخلي والدولي بأنه رجل المرحلة. إلى أن جاءت الانتخابات البرلمانية في أفريل من هذا العام لتزيد الطين بلة وتهيئ مالي من جديد لدورة أزمات جديدة لا أحد يدري إلى ماذا ستقضي هذه المرة.

استعرضنا بشكل مختصر ستة عقود كاملة من الأزمات المالية المتعددة الأبعاد، أزمة استقرار سياسي في نظام الحكامة وأزمة نزاع اجتماعي وقبلي أضيف إليه تحويل مالي إلى أرض مستباحة من قبل الجماعات “الجهادية” وأطراف دولية قديمة مثل مستعمر الأمس فرنسا وبلدان أخرى مثل قطر وتركيا والإمارات التي اعتادت الاستثمار في الدول المفلسة.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك