ماكرون في لبنان في ميزان الربح والخسارة

بعد تعثر خطته لحل الأزمة

أعادت القوى السياسية في لبنان عداد الأزمة إلى الصفر بعدما ظن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في الفاتح من سبتمبر أنه وضع قطار التقويم اللبناني على السكة وغمره الأمل أن لغة الحزم والإصرار التي ميزت خطابه يوم 6 أوت وما تبعه في بداية سبتمبر كفيلة بضمان سرعة فائقة لتقدم المسار لاسيما وأن زيارته الأخيرة رافقها اتفاق حول تعيين مصطفى أديب وزيرا أولا وتكليفه بتشكيل حكومة كفاءات في ظرف أسبوعين تشرف على برنامج إصلاح مالي وينكي والعمل على محاربة الفساد الذي نخر جسد الاقتصاد اللبناني.

عاد ماكرون منتشيا بخطوته الأولى على درب تنصيب فرنسا اللاعب الوحيد في الساحة اللبنانية وهو الذي صال وجال في بيروت بين الأوساط الاجتماعية والفنية وقدم مساعيه على أنها في خدمة الشعب اللبناني دون سواه، هذا الشعب الذي أشهر حبه له علانية. وها هو الرئيس الفرنسي يعود بخطاب متشنج شديد اللهجة عقب اعتذار الوزير الأول المعين عن عدم توصله إلى تشكيل الحكومة في موعدها بقوله: “التوافق الذي قبلت به لتشكيل الحكومة لم يعد موجودا” وهو الاعتذار الذي قبله الرئيس ميشال عون غير أنه يفتح المجال لعدة مجاهيل حول الوضع المقبل الذي ينتظر لبنان. تحامل ماكرون بروح غاضبة وممتعضة على جميع القيادات اللبنانية دون استثناء ووصف الفشل في تشكيل الحكومة بالمخجل واستخلص أن القادة اللبنانيين في الأحزاب والمؤسسات اختاروا الخيانة على السير في خطة الطريق المرسومة والتعهدات التي قدموها لفرنسا ومن خلالها إلى المجموعة الدولية.

وفي الداخل اللبناني فتح المجال لتبادل الاتهامات بافساد الاتفاق الحاصل حول مصطفى أديب وخطته الإصلاحية ضمن حزمة من التعليمات التي أسداها الرئيس الفرنسي بإصلاح البنك المركزي والنظام المصرفي قبل نهاية أكتوبر القادم كمقدمة لتدفق المساعدات المالية الفرنسية والدولية. وتشير أصابع الاتهام إلى الثنائي الشيعي (حركة أمل وحزب الله) وقد شكلت حقيبة وزارة المالية العقبة الكأداء لما لها من أهمية حاسمة ضمن المهمة الحكومية الجديدة. وأمام تمسك التيار الشيعي بأن تكون المالية من نصيبه ضاقت مجاري الحوار قبل أن يتدخل زعيم تيار المستقبل سعد الحريري ويعلن تنازل تيار 14 آذار عن الوزارة للتيار الشيعي على أن لا يلعب قادة حزب الله وحركة أمل أي دور مباشر في تعيين من يتولاها وأن يترك أمر اختيار الوزير للوزير الأول الجديد وهو ما رفضه الثنائي الشيعي فأدخل الخطة في مأزق انتهى بتسليم مصطفى أديب الأمر لميشال عون لتعيين وزير أول جديد في أجل مفتوح على كل الاحتمالات لاسيما وأن الوضع الاقتصادي يزداد تدهورا.

لكن ما الذي يمكن أن تفعله فرنسا أمام الأزمة المتجددة وهي التي أمسكت الثور من قرنيه وأبعدت القوى التقليدية التي كانت تلعب في المنطقة؟ يبدو من ردة الفعل الأولى للرئيس ماكرون يوما بعد اعتذار مصطفى أديب أن فرنسا تحاول المزج بين لغتي الاستنكار الشديد ومحاولة إعمال الروح العقلانية في تسيير تبعات الأزمة. لقد أبدى ماكرون تأثرا بالغا بما حدث إلى درجة قطع معها حبال الود مع الطبقة السياسية اللبنانية عندما اتهمها بأخذ البلاد رهينة والتخلي عن التزاماتها أمام فرنسا والمجموعة الدولية من أجل مصلحتها الشخصية. واتهم القوى السياسية بالانزلاق الطائفي الذي مهد له سعد الحريري عندما قبل باعتماد العامل الطاىفي في توزيع الحقائب الوزارية غير أنه اتهم مباشرة حزب الله وحركة أمل برفض التسوية وهو الذي أبدى استعداده للحوار معهما كشريكين لا مفر منهما في الخارطة السياسية اللبنانية، غير أنه صعد لهجته هذه المرة عندما طالب حزب الله بأن يختار بين موقعه كحزب سياسي أو كمليشيا مسلحة.

وبعد هذا الخطاب الناري عادت “الحكمة” من جديد على لسان ماكرون وهو يؤكد أنه رغم هذه النكسة وتضييع شهر ثمين في سبيل تسوية الأزمة إلا أن خطة الطريق لا تزال قائمة كخيار وحيد لإخراج البلد من الأزمة واهتدى إلى أنه من الواجب إمهال الطبقة السياسية شهرا ونصف لتنفيذ خارطة الطريق الفرنسية وتشكيل الحكومة قبل التفكير في مواقف أخرى من بينها فرض عقوبات على المسؤولين اللبنانيين في الوقت الحالي. وبقدر ما كان تقييم ماكرون للوضع صارما فقد اختار لغة الترغيب والتخلي نسبيا عن لغة الوصاية والتعالي في تصور المستقبل وأعلن عن مؤتمر جديد تعده فرنسا بالتنسيق مع الأمم المتحدة لحشد الدعم للبنان في أواخر أكتوبر المقبل.

وهكذا تتواصل أبوية ماكرون على لبنان واللبنانيين مرفوقة بخطاب اكتراثي لا يتوقف عن قرع أجراس الانهيار السياسي والاقتصادي وهي التي يعرف عنها أنها من ساهم تاريخيا في إبقاء البلدان التي احتلتها على وضعها ويعتبر لبنان نموذجا شاهدا من خلال تلغيم نظامه السياسي بالطائفية التي صارت تندد بها اليوم على اساس كونها وراء عرقلة مسار التسوية وترميها بالخيانة وهي تركة مسمومة ورثها اللبنانيون لتكون لهم سدا أمام ترسيخ نظام جديد يخلص اللبنانيين من عبئ طبقة سياسية جاثمة على ظهورهم بدعم خارجي.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك