مازلنا لم ندفع دين أبو القاسم سعد الله علينا

البروفيسور رابح لونيسي يؤكد لـ "الوسط"

حكيم مالك

تحدث البروفيسور رابح لونيسي ليومية  ” الوسط”  عن شيخ المؤرخين الجزائريين  أبو القاسم سعدالله  ويأتي هذا بمناسبة إحياء ذكرى وفاته الموافقة لـ 14 ديسمبر 2013 ،  لذا فعلينا  تخصيص صفحات لهذا المؤرخ والمثقف الكبير الذي عرفته الجزائر بإنتاجه الغزير ، ومن الوفاء لهذا الرجل المفكر  مواصلة طريقه في  بعث تاريخ الأمة الجزائرية المطموس، والممتد على آلاف السنين، والذي يحتاج إلى عدة باحثين،  فركز سعد الله على جانبه الثقافي لشعوره بأن هناك فراغا في هذا المجال ولقناعته بأهمية الثقافة في بناء المجتمعات  ، مشيرا أنه كان من المفروض على طلبته الاستمرار في مهمته العلمية والبحثية دون أن يكونوا سجناء طروحاته التي تحتاج إلى تطويرها.

 

كان متفتحا ويتقبل الرأي الآخر

 

وفي ذات السياق قال  صاحب  كتاب ”  النظام البديل للاستبداد ” أنه  ليس من الوفاء للمفكر سعد الله اجترار أفكاره وطروحاته، لأنه مناقض لما كان يدعو إليه من تجديد وتعميق وتطوير لكل الطروحات ونقدها وتدارك نقائصها، يكمن الوفاء له أيضا في الاستلهام من أخلاقه الرفيعة، فكان يجسد عمليا أخلاق العالم، خاصة في تواضعه، كان يفضل طلبته ومدرجات الجامعات على تولي المناصب التي كان يترفع عليها مهما كان علوها، ومنها مناصب الوزارة المعروضة عليه عدة مرات، مما عرضه لمعاناة، لأنها قرأت كمواقف سياسية منه، فمن الوفاء له الاستلهام من انضباطه وأساليب عمله وصرامته الأكاديمية، فلا يتساهل ولا يتسامح في ذلك على الإطلاق، قائلا لونيسي :”كان  ينصحنا بكتابة كل ما يتبادر إلى ذهننا من أفكار ثم تنظيمها فيما بعد، وقد أتبعت نصيحته هذه بحذافيرها، فكم كان يحب القلم السيال؟، كان متفتحا، ويتقبل الرأي الآخر، ويترك لطلبته حرية الطرح مكتفيا فقط بتوجيههم منهجيا”.

 

 

أشرف على رسالتي الجامعية في الماجستير حول” الفكر القومي العربي”

 

وكشف  المؤرخ رابح لونيسي في تصريحه لجريدة ” الوسط”  أن الراحل  أبو القاسم سعد الله قد أشرف على رسالته الجامعية  في الماجستير حول” الفكر القومي العربي”، مؤكدا أنه قد قام  بتشجيعه على نقد هذا الفكر بعد ما اكتشف لونيسي  خطورته على وحدة أقطارنا المغاربية  ويأتي هذا بعد غوصه في مختلف توجهاته، لكن أبو القاسم سعد الله  أشترط عليه  فقط الشجاعة والأكاديمية في الدفاع عن طروحاته، بالرغم من تعاطفه النسبي مع تلك الأفكار قبل تخليه نهائيا عنها فيما بعد، ودفع ثمن معاداته لها في منعه من دخول سوريا التي يسيطر عليها البعثيون.

 

الغوص في تاريخ الجزائر الثقافي

 

وقال ذات المتحدث  أنه لم يكن لتواضع سعد الله حدود، فكان يعتبر عمله الكبير “تاريخ الجزائر الثقافي” مجرد باب فتحه  للغوص أكثر في ثقافتنا، ويعترف أنه ركز أكثر على جانبها المكتوب بالعربية، لكنه يرى أن ثقافة أمتنا أشمل من ذلك، فهناك ثقافة شفوية وشعبية تمثل روح الأمم -حسب الألماني هردر-، وهناك أيضا ثقافة معبر عنها بلغات أجنبية كاللاتينية في القديم والفرنسية اليوم، لكنها تحمل روحا جزائرية، أفلم يقل مولود فرعون “أكتب بالفرنسية لأقول لفرنسا الاستعمارية بأنني جزائري”؟.

 

 

الدعوة إلى إحياء تراثنا الثقافي المعبر عنه بالأمازيغية

 

وكان  سعد الله يدعو  إلى إحياء تراثنا الثقافي المعبر عنه بالأمازيغية، حسب ما أكده  لونيسي  ولاحظ  تقصيرا تجاه هذا الجزء من ثقافتنا الجزائرية، وذلك على عكس ما يشاع عنه ، وسعى بنفسه إلى إحياء هذا التراث بداية بمخطوط “الحوض” لمحمد بن علي بن إبراهيم التلمساني في الفقه، المكتوب بالأمازيغية، ولام  نفسه لإهمال هذا الجانب في السابق، فكان يقول عن مولود قاسم المبجل للبعد التاريخي الأمازيغي ورموزه لدرجة إطلاق اسم البطل يوغرطة على ابنه البكر “كم كان سي مولود محقا بتطلعه واستلهامه من عمق تاريخ الجزائر ورموزه؟”.

 

 أبو القاسم سعد الله كان رافضا لما يسمى اليوم بـ “التاريخ القريب”

 

كما أوضح لونيسي   أن  سعد الله كان يخشى الاقتراب من تاريخ الثورة لما تثيره من حساسيات وإدراكه للصراعات الحادة بداخلها، فخشي أن يكون بكتابته عرضة لردود أفعال،  ستأتي من الفاعلين التاريخيين الذين ليسوا مؤرخين، وتتحكم في نقاشاتهم في الكثير من الأحيان الجدالات العقيمة والانفعالات العاطفية مع تغييب الروح الأكاديمية، وهو الذي يحرص على النقاش الأكاديمي الهادئ فقط، ويرفض الصخب الغوغائي والفلكلوري لدرجة رفضه المشاركة في الملتقيات التي ليس لها طابع أكاديمي بحت مفسرا رفض  أبو القاسم سعدالله  لما يسمى اليوم بـ “التاريخ القريب”، والذي هو غائب للأسف في جامعاتنا، وقد فهمنا بعض أسباب ذلك من خلال حادثة وقعت لنا معه،  فعندما طلبت منه الإشراف علي في تحضير إحدى رسائلي الجامعية، اقترحت عليه ثلاث مواضيع أحدها عن جذور النزعة الأمازيغية في الجزائر، وثان عن تاريخ حركة الإخوان المسلمين، وموضوع ثالث عن الفكر القومي العربي، فوجهني إلى الموضوع الأخير قائلا لي: أنه لا يمكن تناول الموضوعين الأولين لأنها مواضيع جد حساسة في جزائر تلك الفترة التي كانت تغلي بصراعات حادة بعد أحداث أكتوبر1988.

 

سعد الله ساهم في التعريف بالقضية الجزائرية في أمريكا

 

وأضاف الأستاذ بجامعة الجزائر 1 أن سعدالله  قد أنجز إضافة إلى كتبه  الكثيرة في مجالات التاريخ والأدب ثلاث أجزاء كاملة عن الحركة الوطنية الجزائرية التي يرد بداياتها إلى البذور الأولى للمقاومة في 1830 مع مقاومة محمد بن زعموم والشيخ السعدي في المتيجة، ويرد بذلك على الطروحات التي ترد الحركة الوطنية إلى بدايات القرن20، وتستند على عدم وجود فكرة “الوطنية” في جزائر1830، وأنها فكرة أوروبية حديثة العهد لكنه توقف في تاريخه للحركة الوطنية في1945، ولم يكتب إلا القليل جدا من المقالات حول مابعد1945، والتي كانت ذات طابع عام جدا، كما لم يقترب من تاريخ  الثورة الجزائرية، بالرغم من أنه كان مجاهدا فيها من خلال نضاله الطلابي في القاهرة، ثم مساهمته في التعريف بالقضية الجزائرية في أمريكا بعد ما أرسلته جبهة التحرير الوطني لمواصلة الدراسة هناك، وأنجز هناك رسالة دكتوراه حول الحركة الوطنية الجزائرية ما بين 1900 و1930، ويتعجب الباحث والقارئ لسعد الله من هذا الابتعاد عن تاريخ الثورة، وهو القادر على الكتابة فيه أحسن من أغلب الذين كتبوا حولها، وما يثير فعلا هو إهماله لهذه الفترة حتى في جانبها الثقافي،  فتوقف  في تاريخ الجزائر الثقافي عند 1954، لكنه استدرك ذلك فيما بعد، حيث وضع جزءا خاصا لتاريخ الجزائر الثقافي أثناء الثورة، ويبدو أنه غير راض على هذا الجزء تماما، فقد قال لولا قصر الزمن لأعدت كتابته تماما، وكأنه وضعه تحت ضغوط لم يرد الإفصاح عنها بوضوح.

 

 

شيخ المؤرخين أبو القاسم سعد الله في سطور…

 

ولد أبو القاسم سعد الله الملقب بشيخ المؤرخين الجزائريين في الفاتح من جويلية 1930  بضواحي قمار بولاية الوادي  ويعد   من رجالات الفكر البارزين، ،  حفظ القرآن الكريم ، درس بجامع الزيتونة بتونس في سنة 1947 حتى عام 1954 واحتل المرتبة الثانية في دفعته  و هو حاصل على شهادة الدكتوراه في التاريخ الحديث والمعاصر باللغة الإنجليزية سنة 1965 من جامعة منيسوتا  ودرس  بكلية الآداب  والعلوم الإنسانية بجامعة القاهرة بمصر وحاز على شهادة الماجستير في التاريخ والعلوم السياسية سنة 1962، ثم انتقل إلى أميركا سنة 1962،كان يطلق عليه ” الناقد الصغير ”  عندما كان  يكتب في صحيفة البصائر لسان حال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين سنة 1954،  فلقد أتقن اللغة العربية والفرنسية والإنجليزية ودرس الفارسية والألمانية له سجل علمي حافل بالإنجازات والمؤلفات  والمتمثلة في موسوعة: تاريخ الجزائر الثقافي (9 مجلدات)، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1998/ أبحاث وآراء في تاريخ الجزائر (5 أجزاء)،دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1993-1996-2004/ الحركة الوطنية الجزائرية (4 أجزاء)، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1969-1992-1997/ محاضرات في تاريخ الجزائر الحديث (بداية الاحتلال)، ط1، مصر، 1970، ط3، الجزائر، 1982/ بحوث في التاريخ العربي الإسلامي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 2003/ الزمن الأخضر، ديوان سعد الله، الجزائر، 1985/ سعفة خضراء، المؤسسة الوطنية، الجزائر، 1986/ دراسات في الأدب الجزائري الحديث، دار الآداب، بيروت، 1966/ تجارب في الأدب والرحلة، المؤسسة الوطنية، الجزائر، 1982/ منطلقات فكرية، ط2، الدار العربية للكتاب، تونس ـ ليبيا، 1982/ أفكار جامحة، الجزائر، المؤسسة الوطنية للكتاب، 1988/ قضايا شائكة، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1989/ في الجدل الثقافي، دار المعارف، تونس، 1993/ هموم حضارية، دار الأمة، الجزائر، 1993،  وقام بترجمة “شعوب وقوميات”، الجزائر، 1958/ الجزائر وأوروبا، جون ب. وولف، الجزائر، 1986/ حياة الأمير عبد القادر، شارل هنري تشرشل، الجزائر-تونس، 1982 و توفي  يوم 14 ديسمبر 2013 عن عمر يناهز 83 سنة  وتم دفنه بمسقط رأسه قمار التابعة لولاية الوادي ،لقد تم إطلاق اسمه على جامعة الجزائر 2 ببوزريعة  الكائنة بالجزائر العاصمة ، وقام  الكاتب الجزائري مراد أوزناجي  بإصدار  كتاب ” مفهوم التاريخ عند أبي القاسم سعد الله ” وكتاب آخر  حمل عنوان ” حديث صريح مع الأستاذ أبي القاسم سعد الله “،

 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك