ماذا بقي من دستور 23 فبراير؟

بعد التعديلات المتكررة

بقلم: احسن خلاص

تشاء الأقدار أن تعقب ذكرى انطلاق الحراك الشعبي مباشرة ذكرى أخرى لا تقل أهمية في تاريخ الحياة السياسية في الجزائر، إنها ذكرى الاستفتاء على دستور23 فبراير 1989 الذي لم يكتف بإصدار دستور جزائري جديد بل أخرج الجزائر من نمط الدستور البرنامج إلى نمط الدستور الإطار المفتوح على التعددية السياسية والفكرية والجمعوية وفتح عهدا جديدا من التعامل السياسي لم تألفه الجزائر منذ الاستقلال.

الدستور يوافق رئيسه

لقد صدر دستور 1989 على الرغم مما واجهته حركة الإصلاح داخل حزب جبهة التحرير الوطني من عقبات مصدرها ديناصورات أحكمت الحزب بقبضة صارمة خلال فترة الثمانينيات وهي الفترة التي صعد فيها نجم الحزب الواحد بعد المؤتمر الرابع له فكانت ولادته ولادة قيصرية “ديكتاتورية” تجاوزت إرادة اللجنة المركزية للأفلان نفسها لتنحصر القضية بين الرئيس الشاذلي بن جديد والشعب الذي زكى الوثيقة الجديدة بأغلبية ساحقة كما جرت العادة في كل الاستحقاقات التي يجريها النظام.

ومع ذلك مكن الدستور الجديد القوى السياسية التي كانت تنشط في السرية من البروز وممارسة السياسة في وضح النهار والمضي بجرأتها السياسية إلى حد طرح نفسها كبدائل للحزب الواحد بعد أن كان التصور الذي أقنع به التيار الإصلاحي باقي التيارات في حزب جبهة التحرير الوطني هو أن المجال متاح فقط لبروز حساسيات وجمعيات ذات طابع سياسي لا ترقى إلى مرتبة أحزاب.

لم يعد دستور 1989 مثل دستور 1976، يمنح الحق في العمل والسكن والتمدرس من الابتدائية إلى الجامعة بل صار يمنح بدل ذلك الحق في الإضراب والاحتجاج وإنشاء الجمعيات السياسية والتظاهر في الشوارع وممارسة مختلف الحريات كما أصبح يمنح الحق في الاختلاف في الفكر والاعتقاد وغيرها من الحقوق المدنية التي تتوفر في الدول الديمقراطية حتى أن قطاعا من المثقفين في ذلك الوقت ظل يتساءل ما إذا كان هذا الدستور متأخرا أم سابقا لأوانه مستبعدا أن يكون قد جاء في أوانه، وهناك من اعتبره آلية ومناورة لحسم الصراع داخل سرايا النظام من محافظين وإصلاحيين داخل نظام الحزب الواحد.

وبغض النظر عن هذه السياقات التاريخية فإن دستور 1989 اعتبر على أكثر من صعيد دستورا متقدما وراقيا ومحفزا للانطلاق في مسار ديمقراطي تعددي أعاد النظر في دور ومكانة الدولة في حياة الأمة كعامل توازن في المنظومة السياسية والاقتصادية في ظل نظام اقتصادي جديد وهو اقتصاد السوق.

لقد مكن أول دستور تعددي ديمقراطي القوى السياسية التي كانت مكبلة من أن تخرج من عقالها لاسيما تلك التي ركبت موجة مطالب الهوية مثل الأمازيغية والإسلام والعروبة قبل أن تعود إليه من جديد بمناسبة أول امتحان حقيقي للتعددية الجديدة  وهو الاستحقاقات الانتخابية التي بدأت بالانتخابات المحلية لعام 1990 وانتهت بإجهاض المسار الانتخابي البرلماني عام 1992 بعد أن أظهرت التعددية السياسية إمكانية حدوث مواجهة بين تيارين صعُب التعايش بينهما في ذلك الوقت، تيار إسلامي أصولي وتيار لائكي بربري وبينهما صار حزب جبهة التحرير الوطني غير قادر على قيادة المرحلة الجديدة بالرغم مما طرأ عليه من إصلاحات لاسيما على يد أمينه العام عبد الحميد مهري.

 

الدستور يرافق رئيسه

لقد كان إجهاض المسار الانتخابي واستقالة الرئيس الشاذلي بن جديد من منصبه إيذانا بوقف العمل بدستور 1989 فقد نشأت سلطات انتقالية رئاسية وبرلمانية وحكومية خارج هذا الدستور الذي جمد إلى أن عاد العمل به مؤقتا بمناسبة انتخابات الرئاسة في نوفمبر 1995 التي توجت الجنرال زروال رئيسا للجمهورية.

لقد حُمّل دستور 1989 جزءا من المسؤولية عن الأزمة السياسية والأمنية التي دخلت فيها البلاد عقب وقف المسار الانتخابي مما جعل السلطة في عهد الرئيس زروال أمام أمرين أحدهما تمزيق هذه الوثيقة انتقاما من سبب البلاء وثانيهما العمل على سد الثغرات التي تركها لتسلل عوامل المواجهة والفتنة وقلب نظام الحكم من قبل هذا التيار أو ذاك فكان أن وقع الاختيار على الطريق الثاني الذي أنتج التعديلات الدستورية لعام 1996 وهي تعديلات عميقة قضت على روح الدستور السابق وقلصت الفعل السياسي ولجمت عنفوان التعددية السياسية والمؤسساتية ومهدت لتولي الرئيس بوتفليقة سدة الحكم وهو الذي أعلن أنه “لا يحب هذا الدستور” قبل أن ينتج تعديلات اتجهت إلى أقصى أنماط الحكم الفردي.

ويبقى التساؤل مطروحا: ماذا بقي من دستور 23 فبراير 1989 نصا مع أنه قد احتفظ ببعض الفصول الأساسية بنسبة كبيرة إلا أنه تعرض لما يشبه التمييع إلى الحد الذي جعل منه مطية للقرارات والسلوكات غير الدستورية.

وإذا عدنا إلى البدايات الأولى للاستقلال فإننا نجد أن المجلس الوطني للثورة الجزائرية كان بمناسبة انعقاد مؤتمره بالعاصمة الليبية طرابلس في ماي 1962، أي قبل أن يحين موعد الاستفتاء على تقرير المصير في بداية جويلية، أحرص على ضرورة حسم الخيار الإيديولوجي الواحد للدولة الجزائرية الوليدة قبل حسم طبيعة نظامها السياسي، أي قبل التفكير في دستور يرسي أركان الجمهورية ويحدد مؤسساتها والعلاقة بينها. ولأن الواقع السياسي الذي فرضته أزمة صيف 1962 صار أسمى من أي طموح لبلورة منظومة دستورية فإن المسار التأسيسي الذي كان منتظرا أن يؤتي أكله ضمن المجلس التأسيسي لم يبلغ هدفه المنشود بعد أن استحوذ عليه قانون القوة الذي تجاوز قوة القانون. وهكذا كانت طبيعة نظرة النظام إلى الدستور، إذ لم يكن للجزائريين إلى يومنا الحق في دستور خالص لهم. إذ لا تتعدى صلاحية أي دستوري صلاحية الرئيس الذي بادر به.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك