مات مبارك وبقي نظامه حيا يرزق

يشيع في جنازة رئاسية رسمية

بقلم:  احسن خلاص

يرحل محمد حسني مبارك دون أن ترحل من الأذهان مرحلة هامة من تاريخ العالم العربي كان شاهدا عليها وعلى تحولاتها الدرامية بل هو أحد صناعها وقد امتدت لعقود من الزمن وصقلت تاريخ المنطقة ولا تزال إلى اليوم ترمي بثقلها وتغدق عليها بتداعياتها. ومن هنا تأتي أهمية تتبع مسار تشكل الدولة الوطنية العربية وظروف تأسيسها وتطورها مع الزمن والعوامل الداخلية والخارجية التي أثرت في ذلك التطور من خلال متابعة تاريخ هذا الرجل، فالراحل مبارك يعد شاهدا نموذجيا على هذا التطور وهو المخضرم الذي عايش فترات مختلفة امتدت من تدرجه في القيادة العسكرية ثم تدرجه في القيادة السياسية إلى أعلى منصب في الدولة وأي دولة إنها مصر المحورية ذات الامتداد التاريخي العريق والموقع الاستراتيجي المرموق.

ولأن حياة مبارك مليئة بالدروس والعبر وشاهدة على العديد من التحولات كونها لصيقة بمرحلة تاريخية مفصلية في حياة مصر والمنطقة العربية فإننا لن نأخذ منها إلا ما يفي بالغرض والاهتمام الذي يفرضه الراهن السياسي لمصر والبلدان الأخرى التي تعيش مخاضات سياسية تاريخية فريدة من نوعها إن لم نقل دورة تاريخية جديدة.

ينتمي مبارك إلى ذلك الجيل الذي انخرط في مسار تحولي هام في مصر ضمن الضباط الأحرار الذين أطلقوا ثورة يوليو 1952 ضد الملك فاروق وعمره لا يتجاوز 24 سنة. اختار حياة عسكرية منذ أن كان شابا يافعا وطالبا ثانويا ليقذف به التاريخ إلى وجهة لو تواعد معها لاختلف معها في الميعاد. ونظرا لتكوينه العلمي اختار لنفسه ميدان الطيران العسكري قبل أن يتدرج في أعلى المسؤوليات العسكرية خلال حرب الاستنزاف التي بدأت عام 1967 وظل يتدرج بين المسؤوليات العسكرية والسياسية إلى اليوم الذي قامت ضده ثورة عارمة أنزلته من عرش قبع عليه لمدة 30 سنة.

لقد اعتلى سدة الحكم في وقت كانت فيه مصر في أوج تحولها من نظام اقتصادي اشتراكي إلى نظام ليبرالي ضمن سياسة الانفتاح الاقتصادي التي أطلقها سلفه المغتال أنور السادات دون أن يرافقها تحول سياسي من نظام استبدادي فردي مبني على الأبوية والزعامية والتعبئة الجماهيرية بالقبضة الحديدية كما ورث عن سلفه أيضا معاهدة كامب ديفد بعد أن شارك رفقة ورثة جمال عبد الناصر في إعدادها والتوقيع عليها وهي المعاهدة التي لا تزال قائمة إلى اليوم وقد سعى جند نظام مبارك كل جهوده، ليس لمحاولة تمزيقها والتوبة عنها بل لتبيان أنها الطريق الصحيح الذي تأخر العرب عن سلوكه عقودا فكان جل نشاطه الديبلوماسي ينصب حول إقناع المتخلفين عنها بأن يلحقوا بالركب وعلى رأسهم الفلسطينيون أنفسهم الذي أنجزوا طبعة ثانية منها في أوسلو.

يجسد مبارك في أرقى صورة نموذج نظام الحكم الفردي الديكتاتوري المقنع بديمقراطية الواجهة وقد اقتدت به العديد من البلدان العربية كما أنه مثل ذلك الجيل من الحكام العرب الذين استمدوا شرعيتهم من مزيج مبني على الماضي العسكري كونه شارك في حرب 67 وفي حرب أكتوبر 1973 وضرورة مكافحة المد الأصولي الذي كانت تمثله حركة الإخوان المسلمين في مصر والعالم العربي كما استمدها على المستوى الإقليمي من تحويل علاقاته التي نسجها مع الكيان الاسرائيلي ومع الغرب إلى ضمان نجاح الحلول السلمية التفاوضية لإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي وهي الشرعيات التي أمدته في العمر على رأس الشقيقة الكبرى لثلاثة عقود وهو عمر يفوق متوسط عمر القادة العرب في سدة الحكم.

غير أن ما يمكن أن يستخلص من تجربة مبارك والتجارب المماثلة لها أن سقوطه لم يجرف معه إلا الزمرة الحاكمة حوله فالنظام الذي ورثه مبارك عن أسلافه أورثه لخلفائه إذ لا يمكن الطموح اليوم في نموذج حكم جديد في هذا البلد الذي يعد العسكر فيه حليفا طبيعيا للقوى الغربية الكبرى وصمام أمان أمام الشعوب العربية التي يمكن أن تطمح يوما في تغيير موازين القوى مع الكيان الاسرائيلي، فقد خلف منه بعد مبارك خلْف أضاعوا حتى الجوانب الشكلية في العلاقات مع الدول التي كان يحتفظ بها للاستهلاك العام.

لقد كان سقوط مبارك قوسا مصريا فتح ثم ما لبث أن أغلق وأحكم غلقه على يد الرئيس الجديد المارشال عبد الفتاح السيسي بعد ثورته المضادة لثورة 25 يناير 2011. فقد انتقم للثورة وها هو اليوم يهيئ لتنظيم جنازة رئاسية لأحد رموز النظام المصري القائم منذ 1952 ولو بأشكال وألوان مختلفة.

 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك