ليبيا في لهيب النار .. متى ينتهي الكابوس؟

بقلم: صالح عوض

 

ليس لها ذنب إلا ثرواتها الضخمة، فعندما تركها العرب كانت صيدا ثمينا للوحوش، مزقوها ولم تشبع غرائزهم من لحمها و الدم ينساح على أنيابهم.. شتتوا أبناءها ومزقوها، طمع فيها القريب والبعيد وتنمر عليها الصغار.. بلد أنجبت عمر المختار الذي لم يركع إلا لله و أذل الطليان.. بلد السنوسية المجيدة وهي تتصدى للاستعمار.. بلد كانت للثورة الجزائرية شريان حياة.. وأدى لها زعيم الجزائر بومدين الدين فتصدى لمحاولات البعض عندما استأسدوا عليها.. ليبيا الشعب الطيب الذي جهلوه وحاصروه في الغيتو أربعين عاما وكان عليه مغادرة البلاد أن أراد العلم والحرية فكان منه طلائع الأطباء والمتخصصين في بريطانيا.. وعندما تحرك الشعب لنيل كرامته دخل الناتو ليفسد كل شيء ويضع السم في العسل.. فحرق ودمر وخرب وكل هذا لتبقى أموال ليبيا المودعة في العالم قيد النسيان.. ما الذي يحصل الان هل هي نهاية الكابوس؟ ام هي جولة أخرى لحمام الدم؟

حصار طرابلس:

 

بعد ان فشلت كل المحاولات الأممية في وقف إطلاق النار وإلزام الطرفين بالاتفاقيات الموقعة أصبح واضحا ان القوى المتدخلة في المشهد لا تريد لليبيا الخروج من المأزق لحسابات تخص كل منها، ورغم ان الليبيين في مرحلة سابقة كانوا قاب قوسين او أدنى من التفاهم بعد رحلات مكوكية قام بها ممثلو كل الأطراف الليبية الى الجزائر حيث يجمع الليبيون على تقدير الموقف الجزائري الحريص على التحرك بمسافة واحدة من كل الأطراف.. الا ان تدخلات إقليمية وأخرى دولية أفسدت هذا المناخ وحاولت جلبهم الى طاولات ملغمة في أكثر من عاصمة كان القصد منها تصفية حسابات مع طرف من الأطراف لخلفيات إيديولوجية وسياسية.. وانتهى الأمر بان وجد حفتر إسنادا قويا من قبل الإمارات العربية ومصر وشركات أمنية روسية ومستشارين روس الأمر الذي دفعه الى رفض أي عملية سياسية وبدت تصريحاته تنحو نحو التصعيد تجاه الكل ولقد حقق حفتر تحالفات عديدة في الإقليم وعبر العالم ولقد سبق من هذا الأسبوع مقالا في الصحف العبرية يفيد بعلاقة الموساد بالملف الليبي وتقديمه الخدمات الأمنية لقوات حفتر.. لقد أحس حفتر انه يعبر عن إرادة دولية ورضي إقليمي فأعلن الحرب على طرابلس متجاوزا الاتفاقيات الموقعة مع حكومة الوفاق.

الأمر الذي لاقى استنكارا من أكثر من جهة إقليمية ودولية إلا أن وقائع الحرب على طرابلس كادت تصل إلى أهدافها لولا تغير حصل على الأرض بعد صمود المدينة ودخول حكومة الوفاق في سلسلة من الاتصالات مع الجزائر التي رفضت سقوط طرابلس وكذا تونس ودخلت تركيا في علاقة تحالف مع حكومة الوفاق إستراتيجية بشأن الحرب وسواها من قضايا تقسيم المجال البحري ولمياه الإقليمية.. وكان لهذا المتغير دور كبير في تعديل موازين القوى على الارض.

 

الهجوم المضاد

منذ عدة ايام تشن قوات الحكومة الشرعية حكومة الوفاق عملية هجوم عكسي على قوات حفتر التي تحاصر العاصمة أكثر من سنة و تتابع التقارير الميدانية تقدم قوات حكومة الوفاق الى عدة مدن واسترجاع مواقع حساسة حول العاصمة طرابلس وتفيد الأخبار ان وضع حفتر صعب وانه تم دحر قواته وإخراجها من اكنز من ست مدن في أقل من عشر ساعات حسب مراسلة سويسرية ميدانية وأفادت الإخبار ان ضباط امن مصريين ومستشارين عسكريين روس ومن جنسيات أخرى تم إلقاء القبض عليهم وان هناك عشرات الضباط والجنود من الجنجويد والمرتزقة تم قتلهم. 

 فبعد تحضيرات كبيرة وتنسيق بين مختلف قوات المدن في المنطقة الغربية شنت قوات بركان الغضب التابعة لحكومة الوفاق المعترف بها دوليا برئاسة فائز السراج حملة كبير ة على اهم المدن صبراطة وصارمان باغتت قرات تابعة لخليفة حفتر فلم تجد الوقت للرد

وبدأت ابمدت تساقط الواحدة تلو الأخرى صبراطة صرمان.. أن المنطقة الغربية من طرابلس حتى رأس جدير إلى باطن الجبل والجبل بالكامل تحت سيطرة الجيش الليبي التابع لحكومة الوفاق.. وهناك تقارير من وسط الميدان تفيد ان انهيارا كبيرا حل بجيش خليفة حفتر.

 

ومن الواضح ان هناك جملة شروط توفرت لهذا الهجوم الكبير اولا  الظروف المستجدة التي تولدت في مناخ جائحة كورونا حيث تراجع الدعم الإماراتي المالي والسلاح وكذلك الدعم المصري والفرنسي بانشغال تلك الدول بمواجهات الوباء وانشغال الإمارات في خسائر فادحة جراء هبوط أسعار النفط وإنفاقها في الحرب في اليمن مما أثر على دفع رواتب وينطبق ذلك على  الجنود الأفارقة الجنجويد والمعارضة السودانية وغيرهم العديد من المرتزقة وشركة فانغر الروسية التي كان لها دور كبير في عمليات القنص والاختراق للجبهات القتالية وقد تراجعت الرواتب وأخذت قوات حفتر تعاني من نقص المؤن وتم التخلي عن العشرات بل والمئات الذين سرحوا من الخدمة.. ثم ان مشكلات فرنسا الداخلية جراء كورونا وخسارتها الفادحة عطل المساعدات العينية والعسكرية لحفتر وحجمها كثيرا ، كما ان مقتل العشرات  من الضباط المصريين الكبار اقلق القيادة العسكرية والسياسية المصرية التي صارت تضطر لجعل وفيات عسكريه في ليبيا ليصبح ا متوفين جر اء عمليات إرهابية في سيناء او من كورونا.. ونتيجة شح المصادر المالية فتمت عودة نصف محاربي شركة فانغر الروسية.. كما ان بعض الأفارقة تخلوا عن الجبهات وعادوا لمنطقة الجنوب الليبي لان عائدات التهريب والهجرة غير الشرعية تدر أموال أكثر من القتال مع حفتر

 

هذا في ظل إنزال تركيا  بكل ثقلها اللوجستي والعسكري وبكل قوتها في الساحة الليبية سلاحا ومددا بالرجال ليكون المشهد على غير ما توقع حفتر حيث تم تزويد حكومة الوفاق بالطائرات المسيرة والأجهزة الحربية المتطورة صواريخ حرارية ورادارات ومستشارين عسكريين اتراك فرجحت كفة معسكر حكومة الوفاق.وشهدت ايام المواجهات السابقة قبل الهجوم حربا صامتة قامت بها الطائرات المسيرة من قبل حكومة الوفاق حيث وجهت ضربات عنيفة لخطوط الامداد الخاصة بحفتر والتي تعاني أصلا من هو تباعد الإمدادات تأتي من مناطق بعيدة الشرق والجنوب، الأمر الذي جعلها صيدا سهلا للطائرات التركية المسيرة التي فتكت بها ايما فتك.. فقبل الهجوم المضاد تكاثرت الأنباء يوميا عن تدمير مواد تموينية وشحنات أسلحة في طريقها للمواقع العسكرية المتقدمة لقوات حفتر.

نتائج المعركة:

ان  تجمع كل هذه العوامل ساهم في ترجيح كفة قوات حكومة الوفاق وأذن لقوات حكومة الوفاق المعترف بها دوليا بافتكاك المدن الغربية الواحدة تلوى الأخرى وبات الغرب تحت سيطرتهم من طرابلس إلى الزاوية إلى صبراطة وصرمان وبوكماش إلى المعبر الحدودي مع تونس رأس جدير وحاليا قوات مشتركة تابعة لحكومة الوفاق تضرب حصار على القاعدة العسكرية عقبة بن نافع بالوطية.. وهذه هي المعركة الفاصلة التي سيكون لنتيجتها إشارة بالغة الأهمية على مستقبل ليبيا الأمني والسياسي.

 هذا في ظل قيام قوات حفتر التي تحاصر العاصمة طرابلس بعمليات انتقامية منذ اليوم الاول بالصواريخ والقذائف التي تتساقط على طرابلس كالمطر وبدون رحمة وبدون انقطاع

إلى كتابة هذه الأسطر وإحياء العاصمة التي تعاني من الحصار ثم الحجر الصحي والعطش حيث قامت عناصر مسلحة محسوبة على حفتر بقطع صمامات المياه التي تزود العاصمة طرابلس والمنطقة الغربية بالماء من النهر اصطناعي العظيم.

بعد ان أصبح مؤكدا وجود رهائن من عسكريين كبار من عدة جهات بدأ الضغط على الرئيس التونسي دوليا وإقليميا للتوسط لدى الوفاق لإخراجهم خلسة عبر تونس.. ويبدو ان الرئيس التونسي لم يتجاوب مع الطلبات المتكررة منذ أمس.

ان نتائج ما يحدث في ليبيا يهم الجزائر وتونس في الصميم فالعنف المتفجر في ليبيا غير مأمون النهايات وهو بلا شك يمثل القاعدة الخلفية للإرهاب في المنطقة، ثم ان أي حل غير ليبي يعرض الأمن الإقليمي الى اختلالات خطيرة فليس من لمقبول ان تكون ليبيا قواعد أمنية متقدمة للموساد والأجهزة الأمنية الحليفة له.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك