لنحذر من سقوط خط الدفاع الأخير

قوة الجزائر في موقعها الدولي

بقلم احسن خلاص

منذ بداية الثورة التحريرية ظلت الديبلوماسية الجزائر من ضمن خطوط الدفاع الأخيرة أو الركائز التي تبقى قائمة شامخة حتى وإن مرت على مؤسسات الدولة فترات من الوهن وفقدت توازنها الداخلي وعرفت اختلالات في أسلوب حكامتها وتسييرها للشأن العام.

لقد استمدت الديبلوماسية الجزائرية مبرر وجودها من الجهود التي ساهمت بها دوليا في إيصال القضية الجزائرية إلى المحافل الدولية انطلاقا من مشاركتها عام 1955 في مؤتمر باندونغ ضمن حركة عدم الانحياز مرورا بإدراج مسألة تقرير المصير للشعب الجزائري ضمن لوائح الأمم المتحدة. وظلت بحكم هذا الإسهام التاريخي مجالا من المجالات المقدسة إلى درجة أن مبادئها وثوابتها لم تخضع للنقاش الوطني العام مثل ما خضعت المسائل الوطنية الأخرى بما فيها مسائل الهوية.

لقد درج الجزائريون على عرف جعل الديبلوماسية تدخل ضمن المجال الخاص للدولة الذي لا يحق للحكومات المتعاقبة أن تخوض فيه وحتى الهوامش المتاحة للرؤساء الجزائريين المتعاقبين لم تكن بالقدر الذي كان يتيح لهم إعادة النظر في تلك الثوابت التي لا تزول بزوال الرجال. وهي ثوابت بسيطة تشترك في تبنيها كل الدول لكنها قوية بحضورها إذ جعلت الجزائر تحتل مكانة محترمة بين الدول حتى في أحلك ظروفها الداخلية مثل فترة ما يسمى بالعشرية السوداء حيث عاشت البلاد حصارا ظل معه العالم ينتظر موعد سقوط الدولة الجزائرية بل إن رئيس الدولة الفرنسية جاك شيراك كان قد اشترط للقاء الرئيس الجزائري اليامين زروال على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة أن يتم اللقاء بعيدا عن البروتوكولات التقليدية وبعيدا عن الصور والأضواء وحضور وسائل الإعلام وهو ما دفع الرئيس زروال إلى رفض اللقاء.

لقد كرس الدستور الجزائري في كل طبعاته هذه المبادئ كما كرس تلك الأعراف القائمة على اجتناب التدخل في الشؤون الداخلية للغير بمقابل الرفض القاطع لتدخل الغير في الشؤون الداخلية وقد رأينا في ردود المعارضة على ما ورد في حوار ماكرن الأخير كيف أن الامتعاض من تدخل الغير في الشؤون الداخلية الجزائرية إرث شعبي ينطلق من غيرة الجميع على استقلال قرار الجزائر الداخلي مهما كان عمق الاختلافات السياسية في الداخل.

وكانت الجزائر مثل الكثير من الدول الحريصة على الحفاظ على مكانة ديبلوماسيتها على الجوانب الشكلية والبروتوكولية بقدر ما كانت تحرص على أن تقوم العلاقات مع الدول على الندية والاحترام المتبادل ولا تميز الجزائر في هذا المبدأ بين الدول الصغيرة الناشئة والدول الكبرى والنافذة. ومن فرط الاهتمام بخط الدفاع الخطير الذي تمثله الديبلوماسية فقد كانت الرؤساء المتعاقبون على الحكم في الجزائر أشد حرصا على اختيار شخصيات مرموقة ذات باع في ثقافة العلاقات الدولية وتحكم في دواليب العمل الديبلوماسي وقدرة عالية على الاتصال إذ عرفت الديبلوماسية رقيا دعمته قوة وعظمة الثورة التحريرية والعلاقات التضامنية المنسوجة ضمن الحركات والمنظمات الجهوية وكان قادة الديبلوماسية من أمثال عبد العزيز بوتفليقة ومحمد الصديق بن يحيى واحمد طالب الإبراهيمي وبوعلام بسايح ومحمد بجاوي ومحمد الصالح دمبري ورمطان لعمامرة مترجمين لاستقرار هذا القطاع الحيوي الذي ظل صامدا أمام الضغوط التي كانت تتعرض لها الجزائر دوما وحاملين لصورة جزائر قوية بتاريخها وموقعها وحيوية شعبها.

قد يلومنا اليوم لائم على إغراقنا في الماضي الغابر فتلك أمة قد خلت لها ما كسبت ويبقى لجيل اليوم أن يتعامل مع التغيرات السريعة والمتسارعة التي تعرفها التوازنات الإقليمية والدولية وهذا لا ينكره إلا جاحد أعمى لا يفقه في صعوبة الأوضاع التي تعيشها الكثير من الدول التي قررت الإبقاء على الثوابت التي قامت عليها مواقفها الدولية مثل ما هو حال الجزائر التي قطعت الشك باليقين أمام الملأ معلنة رفضها الكامل لمسار التطبيع الذي اتخذته بعض الدول العربية على غرار الإمارات العربية والمتحدة والبحرين والسودان في انتظار بلدان أخرى مثل العربية السعودية كما أكدت دعمها الكامل لكفاح الشعب الصحراوي من أجل حقه في تقرير مصيره وفق الشرعية الدولية متحدية التحركات الاستفزازية التي تقوم بها الدول ذاتها من خلال فتح قنصليات لها في المناطق الصحراوية المحتلة من قبل النظام المغربي.

لقد كان لمرض الرئيس بوتفليقة الذي امتد لأكثر من سبع سنوات بالتأكيد تأثيرا بالغا على الدور الجزائري في معالجة العديد من الملفات الدولية مثل ملفات سوريا واليمن والصعوبة التي تلاقيها اليوم في أن يكون لها دور محوري في حل الأزمة الليبية وقد تكون للوضع الصحي للرئيس عبد المجيد تبون بوادر انعكاسات سلبية على أداء الديبلوماسية الجزائرية التي بالكاد بدأت تعود تدريجيا للعب أدوار أساسية. ولعل أول هذا الانعكاسات السلبية أن تقدم وزارة الخارجية الجزائرية على إصدار بيان مكذب لخبر تناقلته وكالة أنباء تطمئن فيه مواطنيها على أن دولة الإمارات لم تمنع دخول الجزائريين إلى أراضيها، وأن تتولى وزارة سيادية جزائرية الحديث مكان سفارة دولة أجنبية في ظرف ترسل فيه هذه الدول رسائل استفزاز تجاه الجزائر. مثل هذا الخذلان لم تعرفه الجزائر حتى في أضعف أحوالها لما كانت الدول الكبرى والصغرى تتربص بها وتدفع نحو سقوطها بعد أن رفضت أي وساطة عربية منها وساطة هذا البلد من أجل حل أزمتها الأمنية خلال التسعينيات.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك